شعبان الموجى
09-13-2006, 07:26 PM
أقدم لكم هذا الكتاب الرائع وهو قسم من كتاب إحياء علوم الدين وهو على ما به من أحاديث ضعيفة فقد قام الحافظ العراقى بتخريج الاحاديث الموجودة بالكتاب فهذا إن دل فإنما يدل على قيمة الكتاب العظيمة والجواهر التى رأها الحافظ العراقى" وهو غنى عن التعريف" فى هذا الكتاب فأرجو الله لى ولكم الاستفادة من هذا الكتاب الرائع
كتاب أسرار الصوم
وهو الكتاب السادس من ربع العبادات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة ، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه ، ورد أمله وخيب ظنه ، إذ جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة ، وفتح لهم به أبواب الجنة ، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة ، وإن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة ، والصلاة على محمد قائد الخلق ، وممهد السنة ، وعلى آله وأصحابه ذوي الأبصار الثاقبة والعقول المرجحة وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد : فإن الصوم ربع الإيمان بمقتضى قولهصلى الله عليهوسلم : (( الصوم نصف الصبر ))[1]وبمقتضى قولهصلى الله عليه وسلم : (( الصبر نصف الإيمان ))[2]ثم هو متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان إذ قال الله تعالىفيما حكاه عنه نبيهصلى الله عليه وسلم : (( كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به ))[3]وقد قال الله تعالى : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (الزمر : 10)) والصوم نصف الصبر فقد جاوز ثوابهقانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قولهصلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يقول الله عز وجل إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي فالصوم لي وأنا أجزي به ))[4]وقالصلى الله عليه وسلم : (( للجنة باب يقال له الريال لا يدخله إلا الصائمون وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزء صومه ))[5]وقالصلى الله عليه وسلم : (( للصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره ، وفرحة عند لقاء ربه ))[6]وقالصلى الله عليه وسلم : (( لكل شيء باب وباب العبادة الصوم ))[7]وقالصلى الله عليه وسلم : (( نوم الصائم عبادة ))[8]وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنهصلى الله عليه وسلمقال : (( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ونادى مناد يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر ))[9]وقال وكيع في قوله تعالى : ﴿ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ (الحاقة : 24) هي أيام الصيام إذ تركوا فيهاالأكل والشرب ، وقد جمع رسول اللهصلى الله عليه وسلمفي رتبةالمباهاة بين الزهد في الدنيا وبين الصوم فقال : (( إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته لأجلي المبذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي ))[10] وقالصلى الله عليه وسلمفي الصائم : (( يقول الله عز وجل : انظروا يا ملائكتي إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي ))[11] وقيل في قوله تعالى : ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾ (السجدة : 17) قيل كان عملهم الصيام لأنه قال : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (الزمر : 10) فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغا ويجازفجزافا فلا يدخل تحت وهم وتقدير ، وجدير بأن يكون كذلك ؛ لأن الصوم إنما كان لهومشرفا بالنسبة إليه وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسهوالأرض كلها له لمعنيين أحدهما : أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمليشاهد ، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى ، والصوم لا يراه إلا الله عزوجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد . والثاني : أنه قهر لعدو الله عز وجل فإنوسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات ، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ، ولذلك قالصلى الله عليه وسلم : (( إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع ))[12]، ولذلك قالصلى الله عليه وسلملعائشة رضي الله عنها : (( داومي قرع باب الجنة ، قالت : بماذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بالجوع ))[13]وسيأتي فضل الجوع في كتاب شره الطعام ، وعلاجه من ربع المهلكات . فلما كان الصومعلى الخصوص قمعا للشيطان وسدا لمسالكه وتضييقا لمجاريه استحق التخصيص بالنسبة إلىالله عز وجل ففي قمع عدو الله نصرة لله سبحانه وناصر الله تعالى موقوف على النصرةله قال الله تعالى : ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ (محمد : 7) فالبداية بالجهد من العبد والجزاءبالهداية من الله عز وجل ، ولذلك قال تعالى : ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ (العنكبوت : 69) وقال تعالى : ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ (الرعد : 11) وإنما التغير تكثير الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهمفما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانهوكان محجوبا عن لقائه ، وقالصلى الله عليه وسلم : (( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات ))[14]فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلابد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة ونبين ذلكبثلاثة فصول .
الفصل الأول في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده
أما الواجبات الظاهرة فستة
الواجب الاول
مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين يومامن شعبان ونعني بالرؤية العلم " ويحصل ذلك بقول عدل واحد " ولا يثبتهلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنهصدقه لزمه الصوم وإن لم يقض القاضي به فليتبع كل عبد في عبادته موجب ظنه ، وإذا رؤيالهلال ببلدة ولم ير بأخرى وكان بينهما أقل من مرحلتين وجب الصوم على الكل ، وإنكان أكثر كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب .
الواجب الثانى
النية : ولا بد لكل ليلة من نية مبيتة معينة جازمة فلو نوى أن يصوم شهر رمضان دفعة واحدةلم يكفه ، وهو الذي عنينا بقولنا " كل ليلة " ولو نوى بالنهار لم يجزه صوم رمضانولا صوم الفرض إلا التطوع وهو الذي عنينا بقولنا " مبيتة " ولو نوى الصوم مطلقا أوالفرض مطلقا لم يجزه حتى ينوي فريضة الله عز وجل صوم رمضان ولو نوى ليلة الشك أنيصوم غدا إن كان من رمضان لم يجزه فإنها ليست جازمة إلا أن تستند نيته إلى قول شاهدعدل ، واحتمال غلط العدل أو كذبه لايبطل الجزم أو يستند إلى استصحاب حال كالشك فيالليلة الأخيرة من رمضان ، فذلك لا يمنع جزم النية أو يستند إلى اجتهاد كالمحبوس فيالمطمورة إذا غلب على ظنه دخول رمضان باجتهاده فشكه لا يمنعه من النية . ومهما كانشاكا ليلة الشك لم ينفعه جزمه النية باللسان فإن النية محلها القلب . ولا يتصور فيهجزم القصد مع الشك كما لو قال في وسط رمضان أصوم غدا إن كان من رمضان فإن ذلكلايضره لأنه ترديد لفظ ومحل النية لا يتصور فيه تردد ، بل هو قاطع بأنه من رمضان ،ومن نوى ليلا ثم أكل لم تفسد نيته ، ولو نوت امرأة في الحيض ثم طهرت قبل الفجر صحصومها .
الواجب الثالث
الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم فيفسد صومه بالأكلوالشرب والسعوط والحقنة ، ولا يفسد بالفصد والحجامةوالاكتحال ، وإدخال الميل فيالأذن والإحليل إلا أن يقطر فيه ما يبلغ المثانة وما يصل بغير قصد من غبار الطريقأو ذبابة تسبق إلى جوفه أو ما يسبق إلى جوفه في المضمضة ، فلا يفطر إلا إذا بالغ فيالمضمضة فيفطر لأنه مقصر وهو الذي أردنا بقولنا " عمدا " فأما ذكر الصوم فأردنا بهالاحتراز عن الناسي فإنه لايفطر ، أما من أكل عامدا في طرفي النهار ثم ظهر له أنهأكل نهارا بالتحقيق فعليه القضاء وإن بقى على حكم ظنه واجتهاده فلا قضاء عليه ولاينبغي أن يأكل في طرفى النهار إلا بنظر واجتهاد .
الواجب الرابع
الإمساك عن الجماع وحده مغيب الحشفة ، وإن جامع ناسيا لم يفطر ، وإنجامع ليلا أو احتلم فأصبح جنبا لم يفطر ، وإن طلع الفجر وهو مخالط أهله فنزع فيالحال صح صومه ، فإن صبر فسد ولزمته الكفارة .
الواجب الخامس
الإمساك عن الاستمناء ؛ وهو إخراج المني قصدا بجماع أو بغير جماع فإنذلك يفطر ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل ، لكن يكره ذلك إلا أنيكون شيخا أو مالكا لإربه ، فلا بأس بالتقبيل وتركه أولى . وإذا كان يخاف منالتقبيل أن ينزل فقبل وسبق المني أفطر لتقصيره .
الواجب السادس
الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم يفسدصومه ، وإذا ابتلع نخامة من حلقه أو صدره لم يفسد صومه رخصة لعموم البلوى به إلا أنيبتلعه بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند ذلك .
وأما لوازم الإفطارفأربعة
القضاءوالكفارة والفدية وإمساك بقية النهار تشبيها بالصائمين ؛
أما القضاء
فوجوبهعام على كل مسلم مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر ، فالحائض تقضي الصوم وكذا المرتد . وأما الكافر والصبي والمجنون فلا قضاء عليهم ولا يشترط التتابع في قضاء رمضانولكن يقضي كيف شاء متفرقا ومجموعا .
وأما الكفارة
فلاتجب إلا بالجماع ، وأما الاستمناء والأكل والشرب وما عدا الجماع لا يجب به كفارةفالكفارة عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدامدا .
وأما إمساكبقية النهار
فيجبعلى من عصى بالفطر أو قصر فيه . ولا يجب على الحائض إذا طهرت إمساك بقية نهارها ،ولا على المسافر إذا قدم مفطرا من سفر بلغ مرحلتين . ويجب الإمساك إذا شهد بالهلالعدل واحد يوم الشك ، والصوم في السفر أفضل من الفطر إلا إذا لم يطق ولا يفطر يوميخرج وكان مقيما في أوله ولا يوم يقدم إذا قدم صائما .
وأما الفدية
فتجبعلى الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما ، لكل يوم مد حنطة لمسكين واحد معالقضاء والشيخ الهرم ، إذا لم يصم تصدق عن كل يوم مدا . وأما السنن فست : تأخير السحور ، وتعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة ، وتركالسواك بعد الزوال ، والجود في شهر رمضان لما سبق من فضائله في الزكاة ، ومدارسةالقرآن ، والاعتكاف في المسجد لا سيما في العشر الأخير فهو عادة رسول اللهصلى الله عليه وسلم : (( كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش وشد المئزر ودأب وأدأب أهله ))[15]أي : أداموا النصب في العبادة إذ فيها ليلة القدر والأغلب أنها في أوتارها وأشبهالأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع ، والتتابع في هذا الاعتكاف أولى فإن نذراعتكافا متتابعا ، أو نواه انقطع تتابعه بالخروج منغير ضرورة ، كما لو خرج لعيادةأو شهادة أو جنازة أو زيارة أو تجديد طهارة ، وإن خرج لقضاء الحاجة لم ينقطع ، ولهأن يتوضأ في البيت ولا ينبغي أن يعرج على شغل آخر (( كان صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا يسأل عن المريض إلا مارا ))[16]ويقطع التتابع بالجماع ولا ينقطع بالتقبيل ، ولا بأس في المسجد بالطيب وعقد النكاحوبالأكل والنوم وغسل اليد في الطست فكل ذلك قد يحتاج إليه في التتابع ، ولا ينقطعالتتابع بخروج بعض بدنه (( كان صلى الله عليه وسلم يدني رأسه فترجله عائشة رضي الله عنها وهي في الحجرة ))[17] ومهما خرج المعتكف لقضاء حاجته فإذا عاد ينبغي أن يستأنف النية إلا إذاكان قد نوى أولا عشرة أيام مثلا ، والأفضل مع ذلك التجديد .
الفصل الثاني : في أسرار الصوم وشروطهالباطنة
اعلم أن الصوم ثلاث درجات : صوم العموم ، وصوم الخصوص ، وصوم خصوص الخصوص .
وأما صوم العموم
فهوكف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله .
وأما صوم الخصوص
فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام .
وأما صوم خصوصالخصوص
فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عزوجل بالكلية ، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخروبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين ، فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتىقال أرباب القلوب : من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليهخطيئة ، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود ، وهذهرتبة الأنبياء والصديقين والمقربين ولا يطول النظر في تفصيلها قولا ولكن في تحقيقهاعملا ، فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل وانصراف عن غير الله سبحانه وتلبسبمعنى قوله عز وجل : ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ (الأنعام : 91)
وأما صوم الخصوص
وهوصوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور :
الامر الاول
غضالبصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهيعن ذكر الله عز وجل ، قالصلى الله عليه وسلم : (( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله ، فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه ))[18] وروى جابر عن أنس عن
رسولاللهصلى الله عليه وسلمأنه قال : (( خمس يفطرن الصائم : الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة ))[19]
الامر الثانى
حفظ اللسانعن الهذبان والكذب والغيبة والنميمة والفحشوالجفاء والخصومة والمراء ، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآنفهذا صوم اللسان ، وقد قال سفيان : الغيبة تفسد الصوم رواه بشر بنالحارث عنه ، وروى ليث عن مجاهد : خصلتان يفسدان الصيام : الغيبة والكذب . وقالصلى الله عليه وسلم : (( إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم ))[20] وجاء في الخبر : أن امرأتين صامتا على عهد رسول اللهصلى الله عليهوسلمفأجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلىرسول اللهصلى الله عليه وسلميستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحاوقالصلى الله عليه وسلم : (( قل لهما قيئا فيه ما أكلتما ))فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما غريضا ، وقاءت الأخرى مثل ذلك حتىملأتاه فعجب الناس من ذلك فقالصلى الله عليه وسلم : (( هاتان صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما قعدت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يغتابان الناس فهذا ما أكلتا من لحومهم ))[21]
الامر الثالث
كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليهولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى : ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ (المائدة : 42) وقال عز وجل : ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ﴾ (المائدة : 63) ، فالسكوت على الغيبة حرام وقالتعالى : ﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ (النساء : 140) ولذلكقالصلى الله عليه وسلم : (( المغتاب والمستمع شريكان في الإثم ))[22]
الامر الرابع
كفبقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره ، وكف البطن عن الشبهات وقتالإفطار ، فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام فمثالهذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا ، فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لابنوعه ، فالصوم لتقليله ، وتارك الاستكثار من الدواء خوفا من ضرره إذا عدل إلىتناول السم كان سفيها ، والحرام سم مهلك للدين ، والحلال دواء ينفع قليله ويضركثيره . وقصد الصوم تقليله وقد قالصلى الله عليه وسلم : (( كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ))[23]فقيل هو الذي يفطر على الحرام ، وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحومالناس بالغيبة وهو حرام ، وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام .
الامر الخامس
أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه فما منوعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال . وكيف يستفاد من الصوم قهر عدوالله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره ، وربما يزيد عليهفي ألوان الطعام ؟ حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل منالأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر ، ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوىلتقوى النفس على التقوى . وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجتشهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث منالشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها ، فروح الصوم وسره تضعيف القوىالتي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أنيأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلىما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه . بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحسبالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدرا منالضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلىملكوت السماء ، وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهوالمراد بقوله تعالى : ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ (القدر : 1) ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاةمن الطعام فهو عنه محجوب ، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخلهمته عن غير الله عز وجل وذلك هو الأمر كله . ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام ، وسيأتيله مزيد بيان في كتاب الأطعمة إن شاء الله عز وجل .
الامر السادس
أنيكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهومن المقربين ؟ أو يرد عليه فهو من الممقوتين ؟ وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغمنهافقد روى عن الحسن بن أبي الحسن البصريأنه مر بقوم وهم يضحكونفقال : إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قومففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيهالسابقون وخاب فيه المبطلون ، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانهوالمسيء بإساءته أي : كان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه بابالضحك . وعن الأحنف بن قيسأنه قيل له : إنك شيخ كبير ، وإنالصيام يضعفك ، فقال : إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون منالصبر على عذابه . فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم .
فإن قلت :
فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني ، فقدقالالفقهاء : صومه صحيح فما معناه ؟ فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروطالظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لا سيماالغيبة وأمثالها ، ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عمومالغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته . فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحةالقبول وبالقبول الوصول إلى المقصود . ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق منأخلاق الله عز وجل وهو الصمدية ، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسبالإمكان فإنهم منزهون عن الشهوات ، والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنورالعقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلىبمجاهدتها ، فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم ،وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة ، والملائكة مقربونمن الله عز وجل والذي يقتدى بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم ، فإنالشبيه من القريب قريب ، وليس القريب ثم بالمكان بل بالصفات ، وإذا كان هذا سرالصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عندالعشاء مع الإنهماك في الشهوات الآخر طول النهار ؟ ولو كان لمثله جدوى فأي معنىلقولهصلى الله عليه وسلم : (( كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ))ولهذا قال أبو الدرداء : يا حبذا نومالأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ، ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضلوأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغتربين . ولذلك قال بعض العلماء : كم من صائممفطر وكم من مفطر صائم . والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب، والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه . ومن فهم معنى الصوم وسره علمأن مثل من كف عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه فيالوضوء ثلاث مرات فقد وافق في الظاهر العدد إلا أنه ترك المهم وهو الغسل فصلاتهمردودة عليه بجهله ، ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاؤهمرة مرة فصلاته متقبلة إن شاء الله لإحكامه الأصل وإن ترك الفضل . ومثل من جمعبينهما كمن غسل كل عضو ثلاث مرات فجمع بين الأصل والفضل وهو الكمال ، وقد قالصلى الله عليه وسلم : (( إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته ))[24]ولماتلا قوله عز وجل : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ (النساء : 58) وضع يده على سمعهوبصره فقال : (( السمع أمانة والبصر أمانة ))[25] ولولا أنه من أمانات الصوم لما قالصلى الله عليه وسلم : (( فليقل إني صائم ))أي : إني أودعت لساني لأحفظه فكيف أطلقهبجوابك ؟ فإذن قد ظهر أن لكل عبادة ظاهرا وباطناوقشرا ولبا ولقشرها درجات ولكل درجةطبقات فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أربابالألباب.
الفصل الثالث : في التطوع بالصيام وترتيب الأورادفيه
اعلمأن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنةوبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع ، أما في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفةويوم عاشوراء والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأول من المحرم ، وجميع الأشهرالحرم مظان الصوم وهي أوقات فاضلة (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر صوم شعبان حتى كان يظن أنه في رمضان ))[26]، وفي الخبر (( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ))[27]وقالصلى الله عليه وسلم : (( صوم يوم من شهر حرام أفضل من ثلاثين من غيره وصوم يوم من رمضان أفضل من ثلاثين من شهر حرام ))[28]وفي الحديث : (( من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له بكل يوم عبادة تسعمائة عام ))[29]وفي الخبر (( إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان ))[30]ولهذا يستحب أن يفطر قبل رمضان أياما فإن وصل شعبان برمضان فجائز([31] ) فعل ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلممرة وفصلمرارا كثيرة( [32] ) ولا يجوز أن يقصد استقبال رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافقوردا له وكره بعض الصحابة أن يصام رجب كله حتى لا يضاهي بشهر رمضان فالأشهر الفاضلة : ذو الحجة والمحرم ورجب وشعبان . والأشهر الحرم : ذو القعدة وذو الحجة والمحرمورجب . واحد فرد وثلاثة سرد ، وأفضلها ذو الحجة لأن فيه الحج والأيام المعلوماتوالمعدودات وذو القعدة من الأشهر الحرم وهو من أشهر الحج . وشوال من أشهر الحج وليسمن الحرم ، والمحرم ورجب ليسا من أشهر الحج ، وفي الخبر (( ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله عز وجل من أيام عشر ذي الحجة إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه تعدل قيام ليلة القدر ، قيل : ولا الجهاد في سبيل الله تعالى ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل ، إلا من عقر جواده وأهريق دمه ))[33]وأما ما يتكرر في الشهر : فأول الشهر وأوسطه وآخره ووسطه الأيام البيض وهي الثالثعشر والرابع عشر والخامس عشر ، وأما في الأسبوع : فالإثنين والخميس والجمعة فهذه هيالأيام الفاضلة فيستحب فيها الصيام وتكثير الخيرات لتضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات . وأما صوم الدهر : فإنه شامل للكل وزيادة وللسالكين فيه طرق فمنهم من كره ذلك إذوردت أخبار تدل على كراهته ، والصحيح أنه إنما يكره لشيئين : أحدهما : أن لا يفطرفي العيدين وأيام التشريق فهو الدهر كله([34])والآخر أن يرغب عن السنة في الإفطار ويجعل الصوم حجرا على نفسه مع أن الله سبحانهيحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، فإذا لم يكن شيء من ذلك ورأى صلاح نفسهفي صوم الدهر فليفعل ذلك ، فقد فعله جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم . وقالصلى الله عليه وسلمفيما رواه أبو موسى الأشعري : (( من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم وعقد تسعين ))[35]ومعناه : لم يكن له فيها موضع ، ودونه درجة أخرى وهو صوم نصف الدهر بأن يصوم يوماويفطر يوما وذلك أشد على النفس وأقوى في قهرها ، وقد ورد في فضله أخبار كثيرة لأنالعبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم ، فقد قالصلى الله عليه وسلم : (( عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها وقلت : أجوع يوما وأشبع يوما ، أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت ))[36]وقالصلى الله عليه وسلم : (( أفضل الصيام صوم أخي داود ، كان يصوم ويفطر يوما ))[37]ومن ذلك (( منازلته صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصوم وهو يقول : إني أطيق أكثر من ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم صم يوما وأفطر يوما ، فقال : إني أريد أفضل من ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : لا أفضل من ذلك ))[38] وقد روي أنهصلى الله عليه وسلمما صام شهرا كاملا قط إلارمضان([39])بل كان يفطر منه ومن لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه ، وهو أن يصوم ويفطريومين ، وإذا صام ثلاثة من من أول الشهر ، وثلاثة من الوسط ، وثلاثة من الآخر فهوثلث ، وواقع في الأوقات الفاضلة وإن صام الإثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلثوإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم وأن مقصوده تصفيةالقلب وتفريغ الهم لله عز وجل . والفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله فقد يقتضيحاله دوام الصوم وقد يقتضي دوام الفطر وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم . وإذا فهمالمعنى وتحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه وذلك لايوجب ترتيبا مستمرا . ولذلك روي أنهصلى الله عليه وسلم (( كان يصوم حتى يقال لا يفطر ، ويفطر حتى يقال لا يصوم ، وينام حتى يقال لا يقوم ، ويقوم حتى يقال لا ينام ))[40]وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات . وقد كره العلماءأن يوالي بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديرا بيوم العيد وأيام التشريق ، وذكرواأن ذلك يقسي القلب ، ويولد رديء العادات ويفتح أبواب الشهوات ، ولعمري هو كذلك فيحق أكثر الخلق لا سيما من يأكل في اليوم والليل مرتين . فهذا ما أردنا ذكره منترتيب الصوم المتطوع به . والله أعلم بالصواب .
تم كتاب (( أسرار الصوم ((والحمد للهبجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم ، على جميع نعمه كلها ما علمنا منهاوما لم نعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وكرم وعلى كل عبد مصطفى منأهل الأرض والسماء . يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب (( أسرار الحج ))والله المعين لا رب غيره وما توفيقي إلا بالله وحسبنا الله ونعمالوكيل.
************************************************** *********
(1 حديث (( الصوم نصف الصبر(( أخرجه الترمذي وحسنه من حديث رجل من بني سليم وابن ماجه من حديث أبي هريرة .
(2 حديث (( الصبر نصفالإيمان )) أخرجه أبو نعيم في الحلية ، والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بسندحسن .
(3 حديث ((كل حسنة بعشرأمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم ..الحديث )) أخرجاه من حديث أبي هريرة .
(4 حديث (( والذي نفسي بيدهلخلوف فم الصائم ..الحديث)) أخرجاه من حديثه وهو بعض الذي قبله .
(5 حديث (( للجنة باب يقالله الريان ..الحديث )) أخرجاه من حديث سهل بن سعد .
(6 حديث (( للصائم فرحتان ..الحديث )) أخرجاه من حديث أبي هريرة .
(7 حديث (( لكل شيء بابوباب العبادة الصوم)) أخرجه ابن المبارك في الزهد ، ومن طريقه أبو الشيخ في الثوابمن حديث أبي الدرداء بسند ضعيف .
( 8 حديث (( نوم الصائمعبادة )) رويناه في أمالي ابن منده من رواية ابن المغيرة القواس عن عبد الله بن عمربسند ضعيف ولعله عبد الله بن عمرو فإنهم لم يذكروا لابن المغيرة رواية إلا عنه ،ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، وفيهسليمان بن عمرو النخعي أحد الكذابين .
(9 حديث (( إذا دخل شهررمضان فتحت أبواب الجنة(( أخرجه الترمذي وقال : غريب . وابن ماجهوالحاكم وصححه على شرطهما من حديث أبي هريرة ، وصحح البخاري وقفه على مجاهد وأصلهمتفق عليه دون قوله ((ونادى مناد)).
(10 حديث (( إن الله تعالىيباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته ..الحديث )) أخرجه ابنعدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف .
(11 حديث (( يقول اللهتعالى لملائكته : يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه منأجلى)).
(12 حديث (( إن الشيطانيجري من ابن آدم مجرى الدم ..الحديثمتفق عليه من حديث صفية دونقوله (( فضيقوا مجاريه بالجوع)).
(13 حديث (( قال لعائشة : داومي قرع باب الجنة ..الحديث )) لم أجد له أصلا .
(14 حديث (( لولا أنالشياطين يحومون على قلوب بني آدم ..الحديث)) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه .
(15 حديث (( كان إذا دخلالعشر الأواخر طوى الفراش ..الحديث)) متفق عليه من حديث عائشة بلفظ (( أحيا الليلوأيقظ أهله وجد وشد المئزر)).
(16 حديث (( كان لا يخرجإلا لحاجة ولا يسأل عن المريض إلا مارا )) متفق على الشطر الأول من حديث عائشة ،والشطر الثاني رواه أبو داود بنحوه بسند لين .
(17 حديث (( كان يدني رأسهلعائشة )) متفق عليه من حديثها.
(18 حديث (( النظرة سهممسموم من سهام إبليس ..الحديث )) أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة .
(19 حديث جابر عن أنس (( خمس يفطرن الصائم ..الحديث )) أخرجه الأزدي في الضعفاء من رواية جابان عن أنس وقولهجابر تصحيف قال أبو حاتم الرازي هذا كذاب{ذكره الألباني في الضعيفة (1065)}
(20 حديث (( الصوم جنة فإذاكان أحدكم صائما ..الحديث )) أخرجاه من حديث أبي هريرة .
(21 حديث (( إن امرأتينصامتا على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم ..الحديث)) في الغيبةللصائم أخرجه أحمد من حديث عبيد مولى رسول اللهصلى الله عليه وسلمالحديث بسند فيه مجهول .
(22 حديث (( المغتابوالمستمع شريكان في الإثم )) غريب ، وللطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف نهى رسولاللهصلى الله عليه وسلمعن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة .
(23 حديث (( كم من صائم ليسله من صيامه إلا الجوع والعطش )) أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة { صحيح الجامع (349)}
(24 حديث((إنما الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته )) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديثابن مسعود في حديث في الأمانة والصوم وإسناده حسن .
(25 حديث (( لما تلا قوله تعالى﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وضع يده على سمعه وبصره وقال : السمع أمانة والبصر أمانة )) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة دون قوله (( السمع أمانة)) .
(26 حديث)) كان يكثر صيام شعبان ..الحديث )) متفق عليه من حديث عائشة .
(27 حديث)) أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم )) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة . لأنهابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب وأرجى لدوام بركته .
(28 حديث((صوم يوم من شهر حرام أفضل من صوم ثلاثين ..الحديث )) لم أجده هكذا وفي المعجمالصغير للطبراني من حديث ابن عباس (( من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثونيوما )) .
(29 حديث((من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت ..الحديث )) أخرجه الأزدي فيالضعفاء من حديث أنس .
(30 حديث((إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان )) أخرجه الأربعة من حديث أبي هريرة وابنحبان في صحيحه عنه (( إذا كان النصف من شعبان فأفطروا حتى يجيء رمضان)) وصححه الترمذي .
(31 حديث (( وصل شعبانبرمضان مرة )) أخرجه الأربعة من حديث أم سلمة (( لم يكن يصوم من السنة شهرا تاماإلا شعبان يصل به رمضان )) وأخرج أبو داود والنسائي نحوه من حديث عائشة .
(32 حديث (( فصل شعبان منرمضان مرارا )) أخرجه أبو داود من حديث عائشة قالت : كان رسول اللهصلى اللهعليه وسلميتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره فإن غم عليه عد ثلاثينيوما ثم صام )) وأخرجه الدارقطني وقال : إسناده صحيح ، والحاكم وقال : صحيح على شرطالشيخين .
(33 حديث (( ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله من عشر ذي الحجة ..الحديث )) أخرجهالترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة دون قوله (( قيل : ولا الجهاد ..الخ )) وعندالبخاري من حديث ابن عباس (( ما العمل في أيام أفضل من العمل في هذا العشر ، قالوا : ولا الجهاد ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشي)).
(34 الأحاديث الدالة علىكراهة صيام الدهر أخرجها البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو وفي حديث لابنماجه (( لا صام من صام الأبد )) ولمسلم من حديث أبي قتادة (( قيل : يا رسول اللهكيف بمن صام الدهر ؟ قال : لا صام ولا أفطر )) وأخرج النسائي نحوه من حديث عبد اللهبن عمر وعمران بن حصين وعبد الله بن الشخير .
(35 حديث أبيموسى الأشعري (( من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين )) أخرجه أحمدوالنسائي في الكبرى وابن حبان وحسنه أبو علي الطوسي .
(36 حديث)) عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا ..الحديث )) أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة بلفظ((عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا )) وقال : حسن .
(37 حديث)) أفضل الصيام صوم أخي داود ..الحديث )) أخرجاه من حديث عبد الله بن عمر .
(38 حديث((منازلته لعبد الله بن عمر وقولهصلى الله عليه وسلم : صم يوما وأفطريوما ..الحديث )) أخرجاه من حديثه .
(39 حديث (( ما صام شهراكاملا قط إلا رمضان )) أخرجاه من حديث عائشة .
(40 حديث (( كان يصوم حتى يقال لا يفطر ..الحديث)) أخرجاه من حديث عائشة وابن عباس دون ذكر (( القيام والنوم )) والبخاري من حديث أنس (( كان يفطر من الشهر حتى يظن أن لا يصوممنه شيئا ، ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئا ، وكان لا تشاه تراه من الليل مصلياإلا رأيته ولا نائما إلا رأيت)) .
كتاب أسرار الصوم
وهو الكتاب السادس من ربع العبادات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة ، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه ، ورد أمله وخيب ظنه ، إذ جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة ، وفتح لهم به أبواب الجنة ، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة ، وإن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة ، والصلاة على محمد قائد الخلق ، وممهد السنة ، وعلى آله وأصحابه ذوي الأبصار الثاقبة والعقول المرجحة وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد : فإن الصوم ربع الإيمان بمقتضى قولهصلى الله عليهوسلم : (( الصوم نصف الصبر ))[1]وبمقتضى قولهصلى الله عليه وسلم : (( الصبر نصف الإيمان ))[2]ثم هو متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان إذ قال الله تعالىفيما حكاه عنه نبيهصلى الله عليه وسلم : (( كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به ))[3]وقد قال الله تعالى : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (الزمر : 10)) والصوم نصف الصبر فقد جاوز ثوابهقانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قولهصلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يقول الله عز وجل إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي فالصوم لي وأنا أجزي به ))[4]وقالصلى الله عليه وسلم : (( للجنة باب يقال له الريال لا يدخله إلا الصائمون وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزء صومه ))[5]وقالصلى الله عليه وسلم : (( للصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره ، وفرحة عند لقاء ربه ))[6]وقالصلى الله عليه وسلم : (( لكل شيء باب وباب العبادة الصوم ))[7]وقالصلى الله عليه وسلم : (( نوم الصائم عبادة ))[8]وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنهصلى الله عليه وسلمقال : (( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ونادى مناد يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر ))[9]وقال وكيع في قوله تعالى : ﴿ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ (الحاقة : 24) هي أيام الصيام إذ تركوا فيهاالأكل والشرب ، وقد جمع رسول اللهصلى الله عليه وسلمفي رتبةالمباهاة بين الزهد في الدنيا وبين الصوم فقال : (( إن الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته لأجلي المبذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي ))[10] وقالصلى الله عليه وسلمفي الصائم : (( يقول الله عز وجل : انظروا يا ملائكتي إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي ))[11] وقيل في قوله تعالى : ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾ (السجدة : 17) قيل كان عملهم الصيام لأنه قال : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (الزمر : 10) فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغا ويجازفجزافا فلا يدخل تحت وهم وتقدير ، وجدير بأن يكون كذلك ؛ لأن الصوم إنما كان لهومشرفا بالنسبة إليه وإن كانت العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسهوالأرض كلها له لمعنيين أحدهما : أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمليشاهد ، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى ، والصوم لا يراه إلا الله عزوجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد . والثاني : أنه قهر لعدو الله عز وجل فإنوسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات ، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ، ولذلك قالصلى الله عليه وسلم : (( إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع ))[12]، ولذلك قالصلى الله عليه وسلملعائشة رضي الله عنها : (( داومي قرع باب الجنة ، قالت : بماذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بالجوع ))[13]وسيأتي فضل الجوع في كتاب شره الطعام ، وعلاجه من ربع المهلكات . فلما كان الصومعلى الخصوص قمعا للشيطان وسدا لمسالكه وتضييقا لمجاريه استحق التخصيص بالنسبة إلىالله عز وجل ففي قمع عدو الله نصرة لله سبحانه وناصر الله تعالى موقوف على النصرةله قال الله تعالى : ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ (محمد : 7) فالبداية بالجهد من العبد والجزاءبالهداية من الله عز وجل ، ولذلك قال تعالى : ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ (العنكبوت : 69) وقال تعالى : ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ (الرعد : 11) وإنما التغير تكثير الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهمفما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانهوكان محجوبا عن لقائه ، وقالصلى الله عليه وسلم : (( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات ))[14]فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلابد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه الباطنة ونبين ذلكبثلاثة فصول .
الفصل الأول في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده
أما الواجبات الظاهرة فستة
الواجب الاول
مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين يومامن شعبان ونعني بالرؤية العلم " ويحصل ذلك بقول عدل واحد " ولا يثبتهلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنهصدقه لزمه الصوم وإن لم يقض القاضي به فليتبع كل عبد في عبادته موجب ظنه ، وإذا رؤيالهلال ببلدة ولم ير بأخرى وكان بينهما أقل من مرحلتين وجب الصوم على الكل ، وإنكان أكثر كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب .
الواجب الثانى
النية : ولا بد لكل ليلة من نية مبيتة معينة جازمة فلو نوى أن يصوم شهر رمضان دفعة واحدةلم يكفه ، وهو الذي عنينا بقولنا " كل ليلة " ولو نوى بالنهار لم يجزه صوم رمضانولا صوم الفرض إلا التطوع وهو الذي عنينا بقولنا " مبيتة " ولو نوى الصوم مطلقا أوالفرض مطلقا لم يجزه حتى ينوي فريضة الله عز وجل صوم رمضان ولو نوى ليلة الشك أنيصوم غدا إن كان من رمضان لم يجزه فإنها ليست جازمة إلا أن تستند نيته إلى قول شاهدعدل ، واحتمال غلط العدل أو كذبه لايبطل الجزم أو يستند إلى استصحاب حال كالشك فيالليلة الأخيرة من رمضان ، فذلك لا يمنع جزم النية أو يستند إلى اجتهاد كالمحبوس فيالمطمورة إذا غلب على ظنه دخول رمضان باجتهاده فشكه لا يمنعه من النية . ومهما كانشاكا ليلة الشك لم ينفعه جزمه النية باللسان فإن النية محلها القلب . ولا يتصور فيهجزم القصد مع الشك كما لو قال في وسط رمضان أصوم غدا إن كان من رمضان فإن ذلكلايضره لأنه ترديد لفظ ومحل النية لا يتصور فيه تردد ، بل هو قاطع بأنه من رمضان ،ومن نوى ليلا ثم أكل لم تفسد نيته ، ولو نوت امرأة في الحيض ثم طهرت قبل الفجر صحصومها .
الواجب الثالث
الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم فيفسد صومه بالأكلوالشرب والسعوط والحقنة ، ولا يفسد بالفصد والحجامةوالاكتحال ، وإدخال الميل فيالأذن والإحليل إلا أن يقطر فيه ما يبلغ المثانة وما يصل بغير قصد من غبار الطريقأو ذبابة تسبق إلى جوفه أو ما يسبق إلى جوفه في المضمضة ، فلا يفطر إلا إذا بالغ فيالمضمضة فيفطر لأنه مقصر وهو الذي أردنا بقولنا " عمدا " فأما ذكر الصوم فأردنا بهالاحتراز عن الناسي فإنه لايفطر ، أما من أكل عامدا في طرفي النهار ثم ظهر له أنهأكل نهارا بالتحقيق فعليه القضاء وإن بقى على حكم ظنه واجتهاده فلا قضاء عليه ولاينبغي أن يأكل في طرفى النهار إلا بنظر واجتهاد .
الواجب الرابع
الإمساك عن الجماع وحده مغيب الحشفة ، وإن جامع ناسيا لم يفطر ، وإنجامع ليلا أو احتلم فأصبح جنبا لم يفطر ، وإن طلع الفجر وهو مخالط أهله فنزع فيالحال صح صومه ، فإن صبر فسد ولزمته الكفارة .
الواجب الخامس
الإمساك عن الاستمناء ؛ وهو إخراج المني قصدا بجماع أو بغير جماع فإنذلك يفطر ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل ، لكن يكره ذلك إلا أنيكون شيخا أو مالكا لإربه ، فلا بأس بالتقبيل وتركه أولى . وإذا كان يخاف منالتقبيل أن ينزل فقبل وسبق المني أفطر لتقصيره .
الواجب السادس
الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم يفسدصومه ، وإذا ابتلع نخامة من حلقه أو صدره لم يفسد صومه رخصة لعموم البلوى به إلا أنيبتلعه بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند ذلك .
وأما لوازم الإفطارفأربعة
القضاءوالكفارة والفدية وإمساك بقية النهار تشبيها بالصائمين ؛
أما القضاء
فوجوبهعام على كل مسلم مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر ، فالحائض تقضي الصوم وكذا المرتد . وأما الكافر والصبي والمجنون فلا قضاء عليهم ولا يشترط التتابع في قضاء رمضانولكن يقضي كيف شاء متفرقا ومجموعا .
وأما الكفارة
فلاتجب إلا بالجماع ، وأما الاستمناء والأكل والشرب وما عدا الجماع لا يجب به كفارةفالكفارة عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدامدا .
وأما إمساكبقية النهار
فيجبعلى من عصى بالفطر أو قصر فيه . ولا يجب على الحائض إذا طهرت إمساك بقية نهارها ،ولا على المسافر إذا قدم مفطرا من سفر بلغ مرحلتين . ويجب الإمساك إذا شهد بالهلالعدل واحد يوم الشك ، والصوم في السفر أفضل من الفطر إلا إذا لم يطق ولا يفطر يوميخرج وكان مقيما في أوله ولا يوم يقدم إذا قدم صائما .
وأما الفدية
فتجبعلى الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما ، لكل يوم مد حنطة لمسكين واحد معالقضاء والشيخ الهرم ، إذا لم يصم تصدق عن كل يوم مدا . وأما السنن فست : تأخير السحور ، وتعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة ، وتركالسواك بعد الزوال ، والجود في شهر رمضان لما سبق من فضائله في الزكاة ، ومدارسةالقرآن ، والاعتكاف في المسجد لا سيما في العشر الأخير فهو عادة رسول اللهصلى الله عليه وسلم : (( كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش وشد المئزر ودأب وأدأب أهله ))[15]أي : أداموا النصب في العبادة إذ فيها ليلة القدر والأغلب أنها في أوتارها وأشبهالأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع ، والتتابع في هذا الاعتكاف أولى فإن نذراعتكافا متتابعا ، أو نواه انقطع تتابعه بالخروج منغير ضرورة ، كما لو خرج لعيادةأو شهادة أو جنازة أو زيارة أو تجديد طهارة ، وإن خرج لقضاء الحاجة لم ينقطع ، ولهأن يتوضأ في البيت ولا ينبغي أن يعرج على شغل آخر (( كان صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا يسأل عن المريض إلا مارا ))[16]ويقطع التتابع بالجماع ولا ينقطع بالتقبيل ، ولا بأس في المسجد بالطيب وعقد النكاحوبالأكل والنوم وغسل اليد في الطست فكل ذلك قد يحتاج إليه في التتابع ، ولا ينقطعالتتابع بخروج بعض بدنه (( كان صلى الله عليه وسلم يدني رأسه فترجله عائشة رضي الله عنها وهي في الحجرة ))[17] ومهما خرج المعتكف لقضاء حاجته فإذا عاد ينبغي أن يستأنف النية إلا إذاكان قد نوى أولا عشرة أيام مثلا ، والأفضل مع ذلك التجديد .
الفصل الثاني : في أسرار الصوم وشروطهالباطنة
اعلم أن الصوم ثلاث درجات : صوم العموم ، وصوم الخصوص ، وصوم خصوص الخصوص .
وأما صوم العموم
فهوكف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله .
وأما صوم الخصوص
فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام .
وأما صوم خصوصالخصوص
فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عزوجل بالكلية ، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخروبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين ، فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتىقال أرباب القلوب : من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليهخطيئة ، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود ، وهذهرتبة الأنبياء والصديقين والمقربين ولا يطول النظر في تفصيلها قولا ولكن في تحقيقهاعملا ، فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل وانصراف عن غير الله سبحانه وتلبسبمعنى قوله عز وجل : ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ (الأنعام : 91)
وأما صوم الخصوص
وهوصوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور :
الامر الاول
غضالبصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهيعن ذكر الله عز وجل ، قالصلى الله عليه وسلم : (( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله ، فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه ))[18] وروى جابر عن أنس عن
رسولاللهصلى الله عليه وسلمأنه قال : (( خمس يفطرن الصائم : الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة ))[19]
الامر الثانى
حفظ اللسانعن الهذبان والكذب والغيبة والنميمة والفحشوالجفاء والخصومة والمراء ، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآنفهذا صوم اللسان ، وقد قال سفيان : الغيبة تفسد الصوم رواه بشر بنالحارث عنه ، وروى ليث عن مجاهد : خصلتان يفسدان الصيام : الغيبة والكذب . وقالصلى الله عليه وسلم : (( إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم ))[20] وجاء في الخبر : أن امرأتين صامتا على عهد رسول اللهصلى الله عليهوسلمفأجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلىرسول اللهصلى الله عليه وسلميستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحاوقالصلى الله عليه وسلم : (( قل لهما قيئا فيه ما أكلتما ))فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما غريضا ، وقاءت الأخرى مثل ذلك حتىملأتاه فعجب الناس من ذلك فقالصلى الله عليه وسلم : (( هاتان صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما قعدت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يغتابان الناس فهذا ما أكلتا من لحومهم ))[21]
الامر الثالث
كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليهولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى : ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ (المائدة : 42) وقال عز وجل : ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ﴾ (المائدة : 63) ، فالسكوت على الغيبة حرام وقالتعالى : ﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ (النساء : 140) ولذلكقالصلى الله عليه وسلم : (( المغتاب والمستمع شريكان في الإثم ))[22]
الامر الرابع
كفبقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره ، وكف البطن عن الشبهات وقتالإفطار ، فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام فمثالهذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا ، فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لابنوعه ، فالصوم لتقليله ، وتارك الاستكثار من الدواء خوفا من ضرره إذا عدل إلىتناول السم كان سفيها ، والحرام سم مهلك للدين ، والحلال دواء ينفع قليله ويضركثيره . وقصد الصوم تقليله وقد قالصلى الله عليه وسلم : (( كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ))[23]فقيل هو الذي يفطر على الحرام ، وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحومالناس بالغيبة وهو حرام ، وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام .
الامر الخامس
أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه فما منوعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال . وكيف يستفاد من الصوم قهر عدوالله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره ، وربما يزيد عليهفي ألوان الطعام ؟ حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل منالأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر ، ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوىلتقوى النفس على التقوى . وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجتشهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث منالشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها ، فروح الصوم وسره تضعيف القوىالتي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أنيأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلىما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه . بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحسبالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدرا منالضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلىملكوت السماء ، وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهوالمراد بقوله تعالى : ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ (القدر : 1) ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاةمن الطعام فهو عنه محجوب ، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخلهمته عن غير الله عز وجل وذلك هو الأمر كله . ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام ، وسيأتيله مزيد بيان في كتاب الأطعمة إن شاء الله عز وجل .
الامر السادس
أنيكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهومن المقربين ؟ أو يرد عليه فهو من الممقوتين ؟ وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغمنهافقد روى عن الحسن بن أبي الحسن البصريأنه مر بقوم وهم يضحكونفقال : إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قومففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيهالسابقون وخاب فيه المبطلون ، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانهوالمسيء بإساءته أي : كان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه بابالضحك . وعن الأحنف بن قيسأنه قيل له : إنك شيخ كبير ، وإنالصيام يضعفك ، فقال : إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون منالصبر على عذابه . فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم .
فإن قلت :
فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني ، فقدقالالفقهاء : صومه صحيح فما معناه ؟ فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروطالظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لا سيماالغيبة وأمثالها ، ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عمومالغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته . فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحةالقبول وبالقبول الوصول إلى المقصود . ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق منأخلاق الله عز وجل وهو الصمدية ، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسبالإمكان فإنهم منزهون عن الشهوات ، والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنورالعقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلىبمجاهدتها ، فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم ،وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة ، والملائكة مقربونمن الله عز وجل والذي يقتدى بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم ، فإنالشبيه من القريب قريب ، وليس القريب ثم بالمكان بل بالصفات ، وإذا كان هذا سرالصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عندالعشاء مع الإنهماك في الشهوات الآخر طول النهار ؟ ولو كان لمثله جدوى فأي معنىلقولهصلى الله عليه وسلم : (( كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ))ولهذا قال أبو الدرداء : يا حبذا نومالأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ، ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضلوأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغتربين . ولذلك قال بعض العلماء : كم من صائممفطر وكم من مفطر صائم . والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب، والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه . ومن فهم معنى الصوم وسره علمأن مثل من كف عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه فيالوضوء ثلاث مرات فقد وافق في الظاهر العدد إلا أنه ترك المهم وهو الغسل فصلاتهمردودة عليه بجهله ، ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاؤهمرة مرة فصلاته متقبلة إن شاء الله لإحكامه الأصل وإن ترك الفضل . ومثل من جمعبينهما كمن غسل كل عضو ثلاث مرات فجمع بين الأصل والفضل وهو الكمال ، وقد قالصلى الله عليه وسلم : (( إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته ))[24]ولماتلا قوله عز وجل : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ (النساء : 58) وضع يده على سمعهوبصره فقال : (( السمع أمانة والبصر أمانة ))[25] ولولا أنه من أمانات الصوم لما قالصلى الله عليه وسلم : (( فليقل إني صائم ))أي : إني أودعت لساني لأحفظه فكيف أطلقهبجوابك ؟ فإذن قد ظهر أن لكل عبادة ظاهرا وباطناوقشرا ولبا ولقشرها درجات ولكل درجةطبقات فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أربابالألباب.
الفصل الثالث : في التطوع بالصيام وترتيب الأورادفيه
اعلمأن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنةوبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع ، أما في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفةويوم عاشوراء والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأول من المحرم ، وجميع الأشهرالحرم مظان الصوم وهي أوقات فاضلة (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر صوم شعبان حتى كان يظن أنه في رمضان ))[26]، وفي الخبر (( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ))[27]وقالصلى الله عليه وسلم : (( صوم يوم من شهر حرام أفضل من ثلاثين من غيره وصوم يوم من رمضان أفضل من ثلاثين من شهر حرام ))[28]وفي الحديث : (( من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له بكل يوم عبادة تسعمائة عام ))[29]وفي الخبر (( إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان ))[30]ولهذا يستحب أن يفطر قبل رمضان أياما فإن وصل شعبان برمضان فجائز([31] ) فعل ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلممرة وفصلمرارا كثيرة( [32] ) ولا يجوز أن يقصد استقبال رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافقوردا له وكره بعض الصحابة أن يصام رجب كله حتى لا يضاهي بشهر رمضان فالأشهر الفاضلة : ذو الحجة والمحرم ورجب وشعبان . والأشهر الحرم : ذو القعدة وذو الحجة والمحرمورجب . واحد فرد وثلاثة سرد ، وأفضلها ذو الحجة لأن فيه الحج والأيام المعلوماتوالمعدودات وذو القعدة من الأشهر الحرم وهو من أشهر الحج . وشوال من أشهر الحج وليسمن الحرم ، والمحرم ورجب ليسا من أشهر الحج ، وفي الخبر (( ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله عز وجل من أيام عشر ذي الحجة إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه تعدل قيام ليلة القدر ، قيل : ولا الجهاد في سبيل الله تعالى ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل ، إلا من عقر جواده وأهريق دمه ))[33]وأما ما يتكرر في الشهر : فأول الشهر وأوسطه وآخره ووسطه الأيام البيض وهي الثالثعشر والرابع عشر والخامس عشر ، وأما في الأسبوع : فالإثنين والخميس والجمعة فهذه هيالأيام الفاضلة فيستحب فيها الصيام وتكثير الخيرات لتضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات . وأما صوم الدهر : فإنه شامل للكل وزيادة وللسالكين فيه طرق فمنهم من كره ذلك إذوردت أخبار تدل على كراهته ، والصحيح أنه إنما يكره لشيئين : أحدهما : أن لا يفطرفي العيدين وأيام التشريق فهو الدهر كله([34])والآخر أن يرغب عن السنة في الإفطار ويجعل الصوم حجرا على نفسه مع أن الله سبحانهيحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، فإذا لم يكن شيء من ذلك ورأى صلاح نفسهفي صوم الدهر فليفعل ذلك ، فقد فعله جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم . وقالصلى الله عليه وسلمفيما رواه أبو موسى الأشعري : (( من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم وعقد تسعين ))[35]ومعناه : لم يكن له فيها موضع ، ودونه درجة أخرى وهو صوم نصف الدهر بأن يصوم يوماويفطر يوما وذلك أشد على النفس وأقوى في قهرها ، وقد ورد في فضله أخبار كثيرة لأنالعبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم ، فقد قالصلى الله عليه وسلم : (( عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها وقلت : أجوع يوما وأشبع يوما ، أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت ))[36]وقالصلى الله عليه وسلم : (( أفضل الصيام صوم أخي داود ، كان يصوم ويفطر يوما ))[37]ومن ذلك (( منازلته صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصوم وهو يقول : إني أطيق أكثر من ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم صم يوما وأفطر يوما ، فقال : إني أريد أفضل من ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : لا أفضل من ذلك ))[38] وقد روي أنهصلى الله عليه وسلمما صام شهرا كاملا قط إلارمضان([39])بل كان يفطر منه ومن لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه ، وهو أن يصوم ويفطريومين ، وإذا صام ثلاثة من من أول الشهر ، وثلاثة من الوسط ، وثلاثة من الآخر فهوثلث ، وواقع في الأوقات الفاضلة وإن صام الإثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلثوإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم وأن مقصوده تصفيةالقلب وتفريغ الهم لله عز وجل . والفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله فقد يقتضيحاله دوام الصوم وقد يقتضي دوام الفطر وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم . وإذا فهمالمعنى وتحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه وذلك لايوجب ترتيبا مستمرا . ولذلك روي أنهصلى الله عليه وسلم (( كان يصوم حتى يقال لا يفطر ، ويفطر حتى يقال لا يصوم ، وينام حتى يقال لا يقوم ، ويقوم حتى يقال لا ينام ))[40]وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات . وقد كره العلماءأن يوالي بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديرا بيوم العيد وأيام التشريق ، وذكرواأن ذلك يقسي القلب ، ويولد رديء العادات ويفتح أبواب الشهوات ، ولعمري هو كذلك فيحق أكثر الخلق لا سيما من يأكل في اليوم والليل مرتين . فهذا ما أردنا ذكره منترتيب الصوم المتطوع به . والله أعلم بالصواب .
تم كتاب (( أسرار الصوم ((والحمد للهبجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لم نعلم ، على جميع نعمه كلها ما علمنا منهاوما لم نعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وكرم وعلى كل عبد مصطفى منأهل الأرض والسماء . يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب (( أسرار الحج ))والله المعين لا رب غيره وما توفيقي إلا بالله وحسبنا الله ونعمالوكيل.
************************************************** *********
(1 حديث (( الصوم نصف الصبر(( أخرجه الترمذي وحسنه من حديث رجل من بني سليم وابن ماجه من حديث أبي هريرة .
(2 حديث (( الصبر نصفالإيمان )) أخرجه أبو نعيم في الحلية ، والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بسندحسن .
(3 حديث ((كل حسنة بعشرأمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم ..الحديث )) أخرجاه من حديث أبي هريرة .
(4 حديث (( والذي نفسي بيدهلخلوف فم الصائم ..الحديث)) أخرجاه من حديثه وهو بعض الذي قبله .
(5 حديث (( للجنة باب يقالله الريان ..الحديث )) أخرجاه من حديث سهل بن سعد .
(6 حديث (( للصائم فرحتان ..الحديث )) أخرجاه من حديث أبي هريرة .
(7 حديث (( لكل شيء بابوباب العبادة الصوم)) أخرجه ابن المبارك في الزهد ، ومن طريقه أبو الشيخ في الثوابمن حديث أبي الدرداء بسند ضعيف .
( 8 حديث (( نوم الصائمعبادة )) رويناه في أمالي ابن منده من رواية ابن المغيرة القواس عن عبد الله بن عمربسند ضعيف ولعله عبد الله بن عمرو فإنهم لم يذكروا لابن المغيرة رواية إلا عنه ،ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عبد الله بن أبي أوفى ، وفيهسليمان بن عمرو النخعي أحد الكذابين .
(9 حديث (( إذا دخل شهررمضان فتحت أبواب الجنة(( أخرجه الترمذي وقال : غريب . وابن ماجهوالحاكم وصححه على شرطهما من حديث أبي هريرة ، وصحح البخاري وقفه على مجاهد وأصلهمتفق عليه دون قوله ((ونادى مناد)).
(10 حديث (( إن الله تعالىيباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته ..الحديث )) أخرجه ابنعدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف .
(11 حديث (( يقول اللهتعالى لملائكته : يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه منأجلى)).
(12 حديث (( إن الشيطانيجري من ابن آدم مجرى الدم ..الحديثمتفق عليه من حديث صفية دونقوله (( فضيقوا مجاريه بالجوع)).
(13 حديث (( قال لعائشة : داومي قرع باب الجنة ..الحديث )) لم أجد له أصلا .
(14 حديث (( لولا أنالشياطين يحومون على قلوب بني آدم ..الحديث)) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه .
(15 حديث (( كان إذا دخلالعشر الأواخر طوى الفراش ..الحديث)) متفق عليه من حديث عائشة بلفظ (( أحيا الليلوأيقظ أهله وجد وشد المئزر)).
(16 حديث (( كان لا يخرجإلا لحاجة ولا يسأل عن المريض إلا مارا )) متفق على الشطر الأول من حديث عائشة ،والشطر الثاني رواه أبو داود بنحوه بسند لين .
(17 حديث (( كان يدني رأسهلعائشة )) متفق عليه من حديثها.
(18 حديث (( النظرة سهممسموم من سهام إبليس ..الحديث )) أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة .
(19 حديث جابر عن أنس (( خمس يفطرن الصائم ..الحديث )) أخرجه الأزدي في الضعفاء من رواية جابان عن أنس وقولهجابر تصحيف قال أبو حاتم الرازي هذا كذاب{ذكره الألباني في الضعيفة (1065)}
(20 حديث (( الصوم جنة فإذاكان أحدكم صائما ..الحديث )) أخرجاه من حديث أبي هريرة .
(21 حديث (( إن امرأتينصامتا على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم ..الحديث)) في الغيبةللصائم أخرجه أحمد من حديث عبيد مولى رسول اللهصلى الله عليه وسلمالحديث بسند فيه مجهول .
(22 حديث (( المغتابوالمستمع شريكان في الإثم )) غريب ، وللطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف نهى رسولاللهصلى الله عليه وسلمعن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة .
(23 حديث (( كم من صائم ليسله من صيامه إلا الجوع والعطش )) أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة { صحيح الجامع (349)}
(24 حديث((إنما الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته )) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديثابن مسعود في حديث في الأمانة والصوم وإسناده حسن .
(25 حديث (( لما تلا قوله تعالى﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وضع يده على سمعه وبصره وقال : السمع أمانة والبصر أمانة )) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة دون قوله (( السمع أمانة)) .
(26 حديث)) كان يكثر صيام شعبان ..الحديث )) متفق عليه من حديث عائشة .
(27 حديث)) أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم )) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة . لأنهابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب وأرجى لدوام بركته .
(28 حديث((صوم يوم من شهر حرام أفضل من صوم ثلاثين ..الحديث )) لم أجده هكذا وفي المعجمالصغير للطبراني من حديث ابن عباس (( من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثونيوما )) .
(29 حديث((من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت ..الحديث )) أخرجه الأزدي فيالضعفاء من حديث أنس .
(30 حديث((إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان )) أخرجه الأربعة من حديث أبي هريرة وابنحبان في صحيحه عنه (( إذا كان النصف من شعبان فأفطروا حتى يجيء رمضان)) وصححه الترمذي .
(31 حديث (( وصل شعبانبرمضان مرة )) أخرجه الأربعة من حديث أم سلمة (( لم يكن يصوم من السنة شهرا تاماإلا شعبان يصل به رمضان )) وأخرج أبو داود والنسائي نحوه من حديث عائشة .
(32 حديث (( فصل شعبان منرمضان مرارا )) أخرجه أبو داود من حديث عائشة قالت : كان رسول اللهصلى اللهعليه وسلميتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره فإن غم عليه عد ثلاثينيوما ثم صام )) وأخرجه الدارقطني وقال : إسناده صحيح ، والحاكم وقال : صحيح على شرطالشيخين .
(33 حديث (( ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله من عشر ذي الحجة ..الحديث )) أخرجهالترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة دون قوله (( قيل : ولا الجهاد ..الخ )) وعندالبخاري من حديث ابن عباس (( ما العمل في أيام أفضل من العمل في هذا العشر ، قالوا : ولا الجهاد ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشي)).
(34 الأحاديث الدالة علىكراهة صيام الدهر أخرجها البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو وفي حديث لابنماجه (( لا صام من صام الأبد )) ولمسلم من حديث أبي قتادة (( قيل : يا رسول اللهكيف بمن صام الدهر ؟ قال : لا صام ولا أفطر )) وأخرج النسائي نحوه من حديث عبد اللهبن عمر وعمران بن حصين وعبد الله بن الشخير .
(35 حديث أبيموسى الأشعري (( من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين )) أخرجه أحمدوالنسائي في الكبرى وابن حبان وحسنه أبو علي الطوسي .
(36 حديث)) عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا ..الحديث )) أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة بلفظ((عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا )) وقال : حسن .
(37 حديث)) أفضل الصيام صوم أخي داود ..الحديث )) أخرجاه من حديث عبد الله بن عمر .
(38 حديث((منازلته لعبد الله بن عمر وقولهصلى الله عليه وسلم : صم يوما وأفطريوما ..الحديث )) أخرجاه من حديثه .
(39 حديث (( ما صام شهراكاملا قط إلا رمضان )) أخرجاه من حديث عائشة .
(40 حديث (( كان يصوم حتى يقال لا يفطر ..الحديث)) أخرجاه من حديث عائشة وابن عباس دون ذكر (( القيام والنوم )) والبخاري من حديث أنس (( كان يفطر من الشهر حتى يظن أن لا يصوممنه شيئا ، ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئا ، وكان لا تشاه تراه من الليل مصلياإلا رأيته ولا نائما إلا رأيت)) .