المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : هنا محاضرات الشيخ محمد العريفي-حفظه الله


بينات
10-02-2008, 11:02 AM
محاضرة

=اعترافات عاشق
الحمد لله الذي جمع قلوب أهل حبه على طاعته.. وأورثهم من الخيرات ما نالوا به كرامته..
أحمده سبحانه فهو الذي جعل محبتة إلى جنته سبيلاً..
وأبغض العصاة وأورثهم حزناً طويلاً..
وسبحان من نوع المحبة بين محبة الرحمن.. ومحبة الأوثان.. ومحبة النسوان والصبيان.. ومحبة الألحان.. ومحبة القرآن..
والصلاة والسلام..
أما بعد أيها الأخوة والأخوات :
فهذه جلسة مع العاشقين والعاشقات.. من الشباب والفتيات..
لا لأزجرهم وأخوفهم.. وإنما لأعدهم وأبشرهم..
حديث إلى أولئك الشباب.. الذين أشغلوا نهارهم بملاحقة الفتيات.. في الأسواق وعند أبواب المدارس والكليات.. وأشغلوا ليلهم بالمحادثات الهاتفية.. والأسرار العاطفية..
وحديث إلى أولئك الفتيات.. اللاتي فتنت عيونهن بالنظرات.. وغرّتهن الهمسات.. فامتلأت حقائبهن بالرسائل الرقيقة.. وصور العشيق والعشيقة..
فلماذا أتحدث مع هؤلاء ؟!..
أتحدث معهم..
لأن كثيراً من العاشقين والعاشقات وقعوا في شراك العشق فجأة.. بسبب نظرة عابرة.. أو مكالمة طائشة.. فأردت أحدهم قتيلاً.. وأورثته حزناً طويلاً.. ولم يجد من يشكو إليه..
نعم.. أتحدث معهم..
لأن التساهل بالعشق.. والتمادي فيه.. يجر إلى الفواحش والآثام.. ومواقعة الحرام.. ويشغل القلوب عن علام الغيوب..
وكم أكبت فتنة العشق رؤوسا في الجحيم..
وأذاقتهم العذاب الأليم..
كم أزالت من نعمة.. وأحلت من نقمة..
فلو سألت النعمَ.. ما الذي أزالك ؟
والهمومَ والأحزان.. ما الذي جلبك ؟
والعافيةَ.. ما الذي أبعدك ؟
والسترَ.. ما الذي كشفك ؟
والوجهَ.. ما الذي أذهب نورك وكسفك ؟
لأجابتك بلسان الحال :
هذا بجناية العشق على أصحابه.. لو كانوا يعقلون..
نعم.. أتحدث عن العشق..
لأن انتشار العلاقات المحرمة.. لا يضر الفاعلين فقط.. فقد جرت سنة الله أنه عند ظهور الزنا يشتد غضب الجبار..
قال عبد الله بن مسعود : ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا أذن الله بإهلاكها..
وفي الحديث الحسن الذي عند ابن ماجة وغيره ، قال صلى الله عليه وسلم : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط ، حتى يعلنوا بها ، إلا فشا فيهم الطاعون ، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا )..
وكم من فتاة ضيعت شبابها.. وفضحت أهلها.. أو قتلت نفسها بسبب ما تسميه العشق..
وكم من فتى أشغل أيامه وساعاته.. وأضاع أنفاس حياته.. فيما يسميه العشق..
وما كيس في الناس يحمد رأيه * فيوجد إلا وهو في الحب أحمق
وما أحد ما ذاق بؤس عشية * فيعشق إلا ذاقها حين يعشق
ونحن في زمن كثرت فيه المغريات.. وتنوعت الشهوات..
وترك المفسدون في قنواتهم ومجلاتهم.. مخاطبةَ العقول والأفهام.. ولجئوا إلى مخاطبة الغرائز وإثارة الحرام..
فأصبح الشباب والفتيات حيارى.. بين مجلات تغري.. وشهوات تسري.. وقنوات تُعرّي.. وأفلام تزين وتجرّي..
فاشتغل الشباب والفتيات بعضُهم ببعض.. واغتروا بالصحة والفراغ.. [ كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى]..
وإلا فلو كان أحدهم فقيراً معدماً.. أو مريضاً مقعداً.. لما وجد في عقله مكاناً لفلان أو فلانة..
ومن طريف ما يستشهد به على أن الترفه والتنعم الزائد.. مع عدم الدين.. يوقع في مثل هذه التوافه..
أن رجلاً كان يسكن في إحدى الدول المجاورة التي يظهر فيها السفور.. وكان هذا الرجل غنياً منعّماً.. فطلبت منه ابنته الجامعية أن يشتري لها سيارة خاصة.. فقال لها : السيارة مفتاح شرّ.. وتزيد اختلاطك بالرجال.. وأخوك تحت يدك يذهب بك إلى ما تريدين..
فأصرت الفتاة.. وبكت.. حتى اشترى لها السيارة.. وبدأت تذهب وتجيء كيفما شاءت..
فلما جاءت العطلة..
قالت لأبيها : أريد أن أقضي الإجازة في بريطانيا لدراسة اللغة الإنجليزية !!
فقال الأب المسكين : لا ضرورة لذلك..
فأصرّت عليه وتباكت..
فاقترح أن تذهب العائلة كلها معها..
فغضبت.. وقالت : أنا واثقة في نفسي.. ولا يمكن أن أتعرض لمكروه..
فأبى عليها..
لكنها تعرف دواءه.. بكت.. وأقفلت على نفسها في غرفتها.. وأضربت عن الطعام والشراب..
حتى رق لها قلبه.. ودمعت عينه.. وقال : اخرجي من عزلتك وسوف تسافرين إلى بريطانيا.. ففرحت الفتاة.. وبدأت تجمع حقائبها..
ورفع الأب سماعة الهاتف واتصل بقريب لهم.. يسكن في المملكة في مدينة تقع على طريق مكة المكرمة..
اتصل به وقال له : يا فلان !! هل تذكر فلان ابن عمنا.. الذي يسكن في خيمة في البر ؟
قال صاحبه : نعم.. وهو لا يزال على حاله في البر.. يرعى الغنم.. وعنده إبل.. ويشتغل ببيع السمن.. والإقط..
فسأله صاحبنا : هل تزوّج ؟
قال : لا.. ومن يزوّجه.. وهو لا يقرّ له قرار.. يرحل بخيمته كل حين..
فقال : حسناً.. أنا آتٍ إلى مكة بعد يومين.. وسوف أتغدى عندك.. وأريد أن أراه..
ثم ودعه وأقفل الهاتف..
وجاء الأب إلى ابنته وقال : سوف نذهب للعمرة بالسيارة.. ثم تسافرين إلى بريطانيا بالطائرة عن طريق مطار جدة..
فلما انطلقوا.. وانتصف بهم الطريق إلى مكة توجه الأب إلى مدينة صاحبه وقال لأهله : نرتاح قليلاً في بيت فلان.. ونتغدى.. ثم نكمل السفر..
ونزلت النساء عند النساء.. ودخل هو عند الرجال..
ورأى صاحبه راعي الإبل والغنم.. فتحدث معه طويلاً.. ثم عرض عليه أن يزوجه ابنته !! فوافق فوراً.. ثم عُقد النكاح..
وخرج الأب ونقل حقائب البنت.. - العروس -.. من إلى سيارة زوجها..
ثم صاح بأهله ليخرجوا.. فخرجت زوجته بأطفالها..
وخرجت البنت الرقيقة.. تنفض يديها من غبار هذا المنزل.. وتتأفف من ذبابه وحشراته..
فلما ركبت مع أبيها.. زفَّ إليها بشرى زواجها.. فظنت أنه يمزح..
لكنه بدا جاداً.. وأمرها بالنزول مع زوجها.. فأبت.. وبكت..
فذهب الأب إلى الزوج وقال : زوجتك تستحي أن تأتي لتركب معك.. فتعال أنت وخذها..
فنزل الرجل فرحاً مستبشراً.. وفتح سيارة أبيها.. وحملها معه.. ومضى بالسيارة إلى خيمة السعادة.. وشق الصحراء.. وغاب بين كثبان الرمال..
أما الأب فقد كان حازماً.. وتغلّب على بكاء الأم وتوسلاتها..
ورجع ببقية العائلة إلى بلده.. وبعد أسبوع.. اتصل الأب بصاحبه الذي في المدينة وسأله عن الأخبار.. فقال : هما بخير.. قد رأيتهما في السوق قبل يومين..
ومضت الأيام والشهور.. والأب يتلقى الأخبار من صاحبه هاتفياً.. فلما مضت سنة.. اتصل به صاحبه وبشره بأنه أصبح جَداً.. وأن ابنته رزقت بغلام..
وبعد شهور.. ذهبت العائلة لزيارة ابنتهم.. فلما أقبلوا على خيمتها فإذا بامرأة حامل وبجانبها طفل صغير.. فاقتربوا.. فإذا هي ابنتهم.. فرحبت.. وحيّت..
وصاحت بزوجها.. وجاء وأكرمهم..
فتأملوا حال هذه الفتاة.. وكيف صار زواجها من هذا الأعرابي.. خيراً لها من بريطانيا..
مع التنبيه إلى أن تزويج البنت بغير رضاها لا يجوز.. لكني أوردت القصة مستشهداً بها على عاقبة الترفه والفراغ..
أيها العاشقون والعاشقات..
لقد كان العشاق قديماً يكتفي أحدهم بتذكر محبوبه.. وإنشاد الأشعار فيه.. دون أن يخلو به أو يراه.. قال عمرو بن شبة : كان أحدهم إذا أحب امرأة دار حول بيتها سنة.. لعله يرى من رآها.. أما اليوم فإن الرجل إذا عشق امرأة جهدها وكأنما أشهد على نكاحها أبا هريرة..
وبعض الناس يسمع عن العشق والعشاق.. ويجالس العاشقين.. ويقرأ أخبارهم.. ويصل إلى درجة يشعر معها انه عاشق وهو ليس كذلك..
فيجتهد في البحث عن معشوق أو معشوقة.. ثم يبدأ يتغنى بالعشق والغرام وهو ليس من أهله..
كما ذكروا أن أعرابياً مرَّ بمسجد فجلس مع قوم صالحين يتذاكرون التعبد في الليل.. وكل واحد منهم يذكر فضل نوع من العبادات.. فهذا يذكر الصلاة.. وذاك يمدح الاستغفار.. والأعرابي ساكت.. فالتفتوا إليه.. وقالوا له :
هل تنام طوال الليل أم أنك تقوم..
فقال : كلا.. بل أقوم..
قالوا : فماذا تفعل ؟
فقال : أبول.. ثم أرجع وأنام..
وقد يزين الشيطان للفتى أو الفتاة أنه جميل جذاب.. وأن الطرف الآخر معجب به أشد الإعجاب..
وإذا مشى في الأسواق.. أو ضاحك الرفاق.. ظن أنه يلفت الأنظار.. ويفتن الواقف والمارّ.. فيدفعه ذلك للتعرض والتبذل.. ويحتال عليه أصحاب الشهوات حتى يعبثوا به أو بها.. فإذا قضوا شهواتهم منه أو منها.. ذهبوا يبحثون عن فريسة أخرى..
ولو أنه ترفع عن ذلك.. واشتغل بما خلق من أجله.. لكان أسلم لدينه وعقله..
وتأمل في حال يوسف عليه السلام.. الذي أوتي من البهاء والحسن والجمال.. ما يفوق الخيال..
تراوده الملكة.. وهو عبد مملوك.. اشتراه زوجها بثمن بخس.. ليخدمها..
وهو إلى ذلك غريب لا يخشى فضيحة..
شاب أعزب تشتاق نفسه إلى مثلها.. وهي ذات منصب وجمال..
وهي تتوعده بالسجن والصغار..
وتراوده.. وتبذل كلَّ ما عندها لإغرائه..
أسرعت إلى أبوابها فغلقتها.. وإلى ثيابها فجملتها.. وإلى فرشها فزينتها..
ثم قالت في تغنج ودلال : هيت لك..
فيصرخ بها العفيف عليه السلام.. [ معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ]..
بل تأمل في حاله عليه السلام..
لما جمعت امرأة العزيز زوجات الكبراء.. وحليلات الأمراء.. ووضعت لهن أطايب الفاكهة.. وآتت كل واحدة منهن سكيناً.. ثم جعلت يوسف يمرّ أمامهن..
فلما رأينه.. ما تحملن النظر إليه.. وغابت عقولهن من حسنه وبهائه.. فقطعن أيديهن بالسكاكين.. وقلن [ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم ]..
فهل التفت يوسف إليهن ؟ أو اغترّ بشبابه وجماله ؟
.. كلا.. بل صاح بأعلى صوته وقال..[ ربِّ السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ] قال الله : [ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ]..
نعم السجن خير له من الفاحشة..
قارن ذلك.. بما ذُكِر..
عن شاعر الغزل عُمرَ بنِ ربيعة..
أنه مرَّ بامرأة في الطريق.. فحكت عينها بيدها..
فظن أنها تغازله.. فوقع في حبها.. وأنشد متغزلاً يقول :
أَشَارَتْ بِطَرْفِ العَيْنِ، خِيفَةَ أَهْلِها إشارَةَ مَحْزونٍ وَلَمْ تَتَكَلَّم
فَأَيْقَنْتُ أَنَّ الطَّرْفَ قَدْ قَلَ مَرْحَباً وَأَهْلاً وَسَهْلاً بِالحَبِيبِ المُتَيَّمِ
فقارن حال يوسف بهذا.. أو قارنه إن شئت..
بذلك الشاب الذي خرجت مرة من المسجد.. فإذا هو ينتظرني عند سيارتي.. بجسم نحيل.. ووجه شاحب.. ومظهر مخيف.. فلما رأيته فزعت.. فقلت له ماذا تريد ؟
فقال لي : أنا يا شيخ.. قررت أن أتوب..
فظننت أنه سيتوب من تهريب المخدرات.. أو قطع الطريق.. أو القتل.. إذا أن مظهره قد يوحي بذلك..
لكني سألته وقلت : تتوب من ماذا ؟
فقال : من مغازلة الفتيات !!
فعجبت.. لكني سكتُّ.. وقلت له مشجعاً : نعم.. الحمد لله على أن وفقك للتوبة..
فصاح بي قائلاً : ولكن هناك أمر يمنعني من التوبة !!
قلت له : وما هو ؟!!
فقال : إذا مشيت في السوق.. البنات ما يتركنني.. يغازلنني في كل زاوية..!!
مع أنني أجزم أنه لو غازل عجوزاً شمطاء لما التفتت إليه..
وهذا الشاب يذكرني بما ذُكر أن أحد المفتونين بمغازلة الفتيات.. تعرف على فتاة من خلال الهاتف..فأعجبه صوتها..وتمنى أن يراها..
فما زال هو والشيطان بها حتى قابلته في طريق.. فلما كشفت غطاء وجهها ليراها.. فإذا وجه قبيح بشع..
فصاح بها : أعوذ بالله.. ما هذا الوجه..
فقالت له : أصلاً.. أهم شيء الأخلاق !!
ما شاء الله..
الأخت تقول : أهم شيء الأخلاق..!!!
وأي أخلاق بقيت.. وقد سلكت هذا السبيل..
أيها الأخوة والأخوات..
أسباب المحبة كثيرة.. فقد تحب أحداً لأنه قوام لليل.. أو صوام للنهار.. أو حافظ للقرآن.. أو داعياً إلى الله.. فهذه المحبة لله.. وأنت مأجور عليها.. والمتحابون في الله.. ولأجل الله.. يوم القيامة يكونون على منابر من نور يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء..
هذا هو النوع الأول من أسباب المحبة وهو نوع نافع بلا شك في الدنيا والآخرة..
أما نفعه في الدنيا فهو ما يقع من تعاون على الخير.. ومحبة صادقة..
وأما نفعه في الآخرة فهو الاجتماع في جنات النعيم.. ( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم )..
وقد تحب شخصاً.. لجمال وجهه.. أو رقة كلامه.. أو تغنجه ودلاله.. دون أن تنظر إلى صلاحه وطاعته لله..
فهذه المحبة لغير الله.. ولا تزيد من الله إلا بعداً..
وقد هدد الله أصحابها وقال : [ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتقين ]..
وفي الآية الأخرى : [ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً ]..
بل إن هؤلاء المتحابين الذين اجتمعوا على ما يغضب الله يعذبون يوم القيامة.. وينقلب حبهم إلى عداوة.. كما قال تعالى عن فريق من العصاة [ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار ]..
نعم.. مأواهم النار..
ولماذا لا يكون جزاؤهم كذلك..
وهم طالما اجتمعوا على الحرام.. وتحدثوا عن الحب والغرام..
لعبت بهم الشهوات.. وولغوا في الملذات..
فهم.. يوم القيامة يجتمعون.. ولكن أين يجتمعون ؟
في نار.. لا يخبوا سعيرها.. ولا ينقص لهيبها.. ولا يبرد حرها..
[ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ]..
وتلك لعمر الله الفتنة الكبرى.. والبلية العظمى..
التي استعبدت النفوس لغير خلاقها.. وملَّكتِ القلوبَ لعُشّاقها..
فأحاطت القلوب بمحنة.. وملأتها فتنة..
فالمحب بمن أحبه قتيل.. وهو له عبد خاضع ذليل..
إن دعاه لباه.. وإن قيل له ما تتمنى ؟ فهو غاية ما يتمناه..الجواب الكافي ( 494 - 496 )
أيها الأخوة والأخوات :
هذا هو العشق المحرم.. الذي يكون الدافع إليه.. ليس هو صلاح المحبوب.. وإنما جماله وملاحته..
ومن أكبر أسباب وقوعه..
النظر إلى الأفلام الهابطة.. التي يختلط فيها الرجال بالنساء.. حتى يقع في قلب الناظر إليها أن الاختلاط أمر عادي.. فيبدأ في البحث عن عشيق أو عشيقة..
وأعظم من ذلك إذا كانت هذه الأفلام يقع فيها الحب والغرام.. واللمسات والقبلات.. فإذا رآها الشباب والفتيات حركت فيهم الساكن.. وأظهرت الباطن.. ونزعت الحياء.. وقرّبت البلاء..
فمن رأى صور الفسق الفجور.. ومشاهد العهر والمجون.. اندفعت نفسه إلى تقليدها في كل حين.. في السوق.. وعلى فراشه.. وفي مكتبه.. ولا يزال الشيطان يدعوه إليها.. ويحثه عليها..
لذلك لما أمر الله تعالى بحفظ الفروج عن الزنا أمر قبل ذلك بغض البصر فقال سبحانه :
[ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ] ..
وفي الصحيحين قال : ( العين تزني وزناها النظر )..
فجعل النظر إلى الحرام نوعاً من الزنا.. يأثم عليه صاحبه..
كما أن كثرة الكلام عن العشق والحب.. في مجالس الشباب والفتيات.. أو في المدارس والكليات.. يهيج النفوس إليه.. بل.. ويُشعِر العفيف الذي صان نفسه عن هذه الأمور أنه شاذّ بينهم.. فيبدأ في البحث عن خليل.. أو خليلة..
فعلى العاقل أن يجتنب هذه المجالس.. التي لا تكاد تحفها الملائكة.. ولا تغشاها الرحمة.. بل هي طريق للحسرة والندامة على أصحابها يوم القيامة..
ومن أسباب التعلق بهذا العشق.. الاستماع إلى الأغاني.. نعم.. هذه الأغاني التي حرّمها الله تعالى من فوق سبع سماوات بقوله [ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلَّ عن سبيل الله ]..
الأغاني.. هي صوت العصيان.. وعدوّة القرآن..
بل هي مزمار الشيطان.. الذي يزمر به فيتبعه أولياؤه.. قال تعالى : [ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ].. وقال ابن مسعود : الغناء رقية الزنا.. أي أنه طريقُه ووسيلتُه..
عجباً.. هذا كان يقوله ابن مسعود لما كان الغناء يقع من الجواري والإماء المملوكات.. يوم كان الغناء بالدفّ والشعر الفصيح.. يقول هو رقية الزنا..
فماذا يقول ابن مسعود لو رأى زماننا هذا.. وقد تنوّعت الألحان.. وكثر أعوان الشيطان.. فأصبحت الأغاني تسمع في السيارة والطائرة.. والبر والبحر..
وما يكاد يُذكر فيها إلا الحب والغرام.. والعشق والهيام..
بالله عليكم..
هل سمعتم مغنياً غنى في التحذير من الزنا ؟ أو غض البصر ؟
أو حفظ أعراض المسلمين ؟!!
كلا.. ما سمعنا عن شيء من ذلك.. بل كل إناء بما فيه ينضح.. امتلأ قلب هذا المغني بالشهوات.. وتعلقت نفسه بالملذات.. فبدأ ينفق مما عنده..
كما أن من أسباب العشق.. المؤدي غالباً إلى الفاحشة..
التساهل بمخالطة الخادمات في المنازل.. أو الخلوةِ بهن عند غياب أهل البيت.. وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما..
والتساهل كذلك.. باستعمال شبكة الإنترنت.. والمحادثات التي تتم من خلالها بين الشباب والفتيات.. وقد يصاحب ذلك نقلُ الصوت والصورة.. أو إرسالُ الصور من خلال البريد الإلكتروني..
ومع الأسف.. أن بعض الآباء يوفر لأولاده هذه الشبكة.. ولا يدري والله ما يقع فيها..
كما أن من أسبابه قراءة الروايات العاطفية.. والقصص الغرامية..
فمن تساهل بهذه الأسباب.. وقع في العشق المذموم.. وحلت عليه الكرب والهموم..
أيها العاشقون والعاشقات..
وقد يزعم البعض أن وقوعه في هذا العشق أمر اضطراري لا يستطيع التخلص منه..
كما قال :
يلومونني في حب سلمى وإنما يرون الهوى شيئاً تيممته عمداً
ألا إنما الحب الذي صدع الحشا بلاء من الرحمن يبلو به العبد
بل قد كتب إليَّ أحد العاشقين.. رسالة يلومني فيها على إثارة هذا الموضوع.. وسطر فيها أبياتاً بلهجته العامية.. ولا بأس أن انقل لكم شيئاً منها.. يقول..
لو يتداوى كل يا شيخ من حب * وش لون ابلقى لي وليف نصوحي
لي صاحب بالحب شاطر مدرب * ما اظن من شافه يصد ويروحي
عن الهوى لا تنشد إلا مجرب * تلقى دوى العشاق كان انت توحي
وانت لو انك يالعريفي تكهرب * في حب مجمول شحوح مزوحي
كان اعترفت وقمت يا شيخ تقلب * عنوان درسك بالعنا والجروحي
ومهما زعم هؤلاء أن العشق يأسر قلوبهم بغير اختيارهم.. فهذا باطل..
بل هم الذين يستدعونه.. ويتسابقون إليه.. ويمنون أنفسهم به حتى يقعوا فيه..
نعم..
وقد يتساهل الفتى أو الفتاة.. حتى يقع في المرض الأعظم.. والخطب الأطم..
وهو تعلق الشاب بشاب مثله.. وافتتان الفتاة بفتاة أخرى..
لأن ظاهر هذه العلاقة.. أنها صداقة سليمة نظيفة.. لكن باطنها على غير ذلك..
وقد يعترض البعض ويقول :
أنت تشدد علينا.. فأنا لي مكالمات.. ونظرات.. لكنها كلها علاقات بريئة..
كما كتب إليَّ أحد العاشقين مشكلته مع عشيقته..في رسالة طويلة..
وكان مما قال فيها : وأنا يا شيخ آخذها معي في السيارة.. ونمضي الساعات الطوال ونحن نتمشى.. ووالله يا شيخ لا يقع بيننا شيء يغضب الله.. لكن الجلسة لا تخلو من القبلات الشريفة !!
ولا أدري ما معنى القبلات الشريفة.... لعلها من وراء حجاب..
وهذا مسكين.. فإن مجرد الخلوة بينهما محرّمة.. وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما )..
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم انه قال : ( إياكم والدخول على النساء ).. يعني الخلوة بهن..
بل أمر الله المرأة بالتستر حتى لا يراها الرجال.. فقال [ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ]..
بل قد نهى الله الصحابة جميعاً عن الاختلاط بالنساء.. فقال :
[ وإذا سألتموهن متاعاً ] يعني إذا سألتم أزواج النبي وهن أطهر النساء..
[ فاسألوهن من وراء حجاب ].. لماذا..؟؟
[ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ]..
وحسبك بالصحابة طاعة وخوفاً وتعبداً..
فكيف الحال اليوم مع شبابنا.. وفتياتنا.. وقد فسد الزمان ؟..
فكيف يخلو اليوم شاب بفتاة.. ويقولان صداقة بريئة..
عجباً..
قال سفيان الثوري لرجل صالح من أصحابه : ( لا تخلون بامرأة ولو لتعلمها القرآن )..نعم أيها الأخوة والأخوات..
هذا ديننا.. ليس فيه تساهل مع الأعراض..
وحتى يعرف الشاب والفتاة.. الفرق بين المحبة المحرمة المبنية على العلاقات العاطفية.. وبين المحبة العادية.. أذكر بعض الضوابط في ذلك :
تجد أن المحِب العاشق لا يهتم بدين محبوبه.. ولا بصلاحه.. وإن اهتم بذلك فهو يهتم به ظاهرياً ليبعد اللوم عن نفسه..
وأكثر ما يعجبه في محبوبه.. نظراته.. وحركاته..
بل قد يضل ويقع في الآثام من أجل موافقة محبوبه..
كما قال أحدهم وقد أحب امرأة فاسقة..
فإن تُسْلِمي نُسْلِم وإنْ تَتَنْصَّري يُعَلق رجالٌ بين أعينهم صُلْبا
وتجد أن هذا العاشق.. ينبسط انبساطاً زائداً.. عند وجوده في مجلس مع معشوقه..
وينشرح صدره.. ويكثر كلامه وضحكه.. ويحاول أن يجذب الأنظار إليه..
بل ويحاول الجلوس بجانبه دائماً.. والمشي معه.. مع قبض اليدين على بعضهما.. ونحو ذلك..
وكذلك تجد أنه يديم إحداد النظر إليه..ولا يكاد يصرف عنه بصره
مع الغيرة الشديدة على من يحب.. فإذا رآه مع غيره.. ضاق صدره.. ويحس أن ذلك الإنسان اعتدى على بعض خصوصياته..
ولا يصبر عنه أبداً.. بل إما أن يراه كل يوم.. أو يتصل به بالهاتف.. أو ينظر إلى صوره.. أو يقرأ رسائله..
فمن كانت عنده هذه الأعراض.. فليسارع إلى علاج نفسه.. فإنه مبتلى..
يا من يرى سقمي يزيد * وعلتي أعيت طبيبي
لا تعجبن فهكذا * تجني العيون على القلوب
فما هو السبب الأول.. والداهية العظمى.. والمصيبة الكبرى.. الذي يوقع في هذا الداء ؟!
إنها السهم المسمومة.. إنها جناية العين..
كل الحوادث مبداها من النظر * ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها * فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها * في أعين الغيد موقوف على الخطر
يســر مقلته ما ضر مهجته * لا مـرحباً بسرور عاد بالضرر
نعم هي جناية العين..
بل.. إنها عقوبة المخالفة لقوله تعالى [ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ]..
وقوله للمؤمنات : [ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ]..
ما زلت تتبع نظرة في نظرة * في إثر كل مليحة ومليح
وتظن ذاك دواء قلبك * وهو في التحقيق تجريح على تجريح
نعم.. قد أفسد قلبه وجرّحه..
ومستفتحٌ باب البلاء بنظرة * تزوّد منها قلبه حسرة الدهر
فوالله لا تدري أيدري بما جنت * على قلبه أم أهلكته ولا يدري
قال ابن القيم رحمه الله :
إن الله تعالى لما أمر بغض البصر أعقب ذلك بالأمر بحفظ الفرج.. ليدلّ بذلك على أن من أطلق بصره.. أداه ذلك إلى إطلاق فرجه..
نعم.. أيها الأخوة والأخوات..
وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم وصححه ( النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل و عز إيماناً يجد حلاوته في قلبه )..
وفي الصحيحين : ( إن الله كتب على بن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة.. فزنا العين النظر.. وزنا اللسان المنطق.. والنفس تمنى وتشتهي.. والفرج يصدق ذلك.. أو يكذبه ) .
فتأمل كيف بدأ بالعين.. وختم بالفرج.. ليدل أن إطلاق البصر.. هو طريق الزنا..
قال ابن القيم : دافع الخطرة فإن لم تفعل صارت فكرة..
وصدق رحمه الله..
فإن المرء إذا تساهل بالسهم الأولى وهي النظرة.. أصابته السهم الثانية وهي النظر بالقلب فيتفكر ويتمنى..
ثم يتدخل الشيطان فيزين ويوسوس.. يقول له : افعلها وتب.. كل الشباب هكذا.. تمتع بحياتك..
فتتحول هذه الفكرة إلى عزيمة وهم.. فيبدأ يفكر ويخطط.. فإن لم يدافع ذلك.. صار فعلاً.. فإذا هتك الستر بينه وبين ربه.. هانت المعصية على النفس.. وتعودت على المعصية..
لكنه لو تعوذ بالله من أول نظرة.. وصاح بها كما صاح يوسف.. ويقول : [ معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ]..
نعم..
هذا حال الأبرار المتقين..
[ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ]..
وإطلاق البصر في الشهوات سبب لسوء الخاتمة والعياذ بالله..
هل سمعتم بالرجل الذي قيل له عند موته قل لا إله إلا الله.. فجعل يقول : أين الطريق إلى حمام منجاب ؟
ذاك رجل.. كان واقفاً بازاء داره.. وكان بابها يشبه باب هذا الحمام..
فمرت به جارية لها منظر.. فقالت : أين الطريق إلى حمام منجاب ؟
فأشار إلى باب بيته وقال : هذا حمام منجاب..
فدخلت الدار ودخل وراءها فلما رأت نفسها في داره.. وعلمت أنه قد خدعها.. أظهرت له البشر والفرح باحتماعها معه.. وقالت : خدعة منها له وتحيلاً لتتخلص مما أوقعها فيه.. وخوفاً من فعل الفاحشة.. يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقرّ به عيوننا..
فقال لها : الساعة آتيك بكل ما تريدين..
وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها.. فأخذ ما يصلح ورجع.. فوجدها قد خرجت.. فهام الرجل.. وأكثر الذكر لها.. وجعل يمشي في الطرق ويقول :
يا رب قائلة يوماً وقد تعبت * أين الطريق إلي حمام منجاب
فبينا يقول ذلك وإذا بجاريته أجابته قائلة :
هلا جعلت سريعاً إذ ظفرت بها *حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب
فازداد هيجانه ولم يزل هذا البيت حتى مات..
وذكر ابن القيم أن رجلا قيل له عند موته قل : لا إله إلا الله فصاح بأعلى صوته وقال :
أسـلمُ يا راحة العليل * ويا شفاء الـمُدْنف النحيل
حبك أشهى إلى فؤادي * مـن رحمـة الخالق الجليل
هذا شاب.. عشق شخصاً فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه.. حتى وقع ألما به ولزم الفراش بسببه.. وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه.. فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده.. فأخبر بذلك البائس ففرح واشتد سروره.. وانجلى غمه وجعل ينتظر للمعياد الذي ضربه له فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما..
فقال : إنه وصل معي إلى بعض الطريق.. ورجع فرغبت إليه وكلمته..
فقال : إنه ذكرني وبرح بي ولا أدخل مداخل الريب ولا أعرض نفسي لمواقع التهم.. فعاودته فأبى وانصرف..
فلما سمع البائس ذلك أسقط في يده.. وعاد إلى أشد مما كان به.. وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول في تلك الحال :
أسـلمُ يا راحة العليل * ويا شفاء الـمُدْنف النحيل
حبك أشهى إلى فؤادي * مـن رحمـة الخالق الجليل
فقلت له : يا فلان.. اتق الله..
قال : قد كان.. فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت.. فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة..
وذكر ابن القيم في كتابه الجواب الكافي.. أن مؤذناً كان ببغداد..
نعوذ بالله من مثل هذا الحال..
لذا..
كان للسلف في الحرص على غض البصر شأن عجيب..
خرج حسان بن أبي سنان يوم عيد..
وكان محمد بن واسع يأتي إلى صديق له فإذا طرق الباب.. صاحبك الأعمى..
نعم.. هؤلاء كان لهم أبصار.. وعندهم غرائز.. ونفوسهم تشتهي الملذات..
لكنهم.. يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار..
ومن تساهل بالنظرة الأولى.. ولم يسارع إلى علاج نفسه..
وقع في الداهية العظمى وهي تعلق القلب.. فإذا تمكن المحبوب من القلب بدأ المحب يستحسن كل ما يقع منه.. وتعجبه حركاته.. وتثيره ضحكاته..
ويفتن بابتسامته.. ويأنس بمجالسته..
بل.. ويُعجب منه بكل شيء وإن كان قبيحاً..
كما ذكروا أن رجلاً كان يحب امرأة سوداء.. فلما تمكن حبها من قلبه.. صار كل سواد يذكره بها.. فأحب كل شيء أسود.. وكان يتغزّل بها ويقول :
أُحِبُّ الكلاب السودَ من أجل حُبها
ومن أَجْلِها أحببتُ ما كان أسوداً
ومن تساهل بالنظر أوقعه ذلك في أحد الخطرين.. إما عشق النساء.. أو عشق الغلمان.. فيصرفه ذلك عن طاعة الرحمن.. إلى وسوسة الشيطان..
كما كتب إليَّ أحدهم يشرح فيها قصة وقوعه في العشق.. وضمنها أبياتاً نظمها بلهجته العامية.. ولا بأس أن أسوق لكم شيئاً منها.. يقول :
بسم الله الرحمن بابدا كلامي واكتب على بيض الورق كل ما اخفيت
بعد اذنكم باشرح حكاية غرامي والعذر منكم كان بالهرج زليت
يا شيخ أنا والله ما ادري علامي حبيت مدري ليه يا شيخ حبيت
لو ادري ان الحب هم وهيامي ما كان لا حبيت ولا تعنيت
علقني بحبه وزاد اهتمامي ودارت بي الدنيا وقفا وقفيت
واليوم عقب الهجر عفت المنامي مغير افكر فيه لاصبحت وامسيت
وان جيت ابنسى قلت هذا حرامي لا يمكن انسى صحبته لو تناسيت
يا اهل الهوى ما في المحبة ملامي اما شقا ولا دموع وتناهيت
نعم.. هي شقاء.. ودموع.. وتناهيت..
ولا يزال الشيطان بهذا العاشق حتى يقع في الفاحشة عياذاً بالله..
وقد عظم الله هذه الفاحشة وقرنها بالشرك والقتل فقال : [ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ]..
ثم ذكر الله تعالى عذاب من فعل ذلك يوم القيامة فقال : [ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ]..
ثم دعاهم الكريم الرحيم إلى رحمته فقال : [ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيماً * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متاباً ]..
ونفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني فقال كما في الصحيحين : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) .
وسبيل الزنا هو شر السبل.. لذا قال عز وجل :
[ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ]..
وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه في المنام آتيان فابتعثاه معهما.. فاطلع على أنواع من عذاب العصاة..
قال صلى الله عليه وسلم : فانطلقنا فأتينا على مثل التنور ( والتنور هو نقبٌ مثلُ الحفرة يشعل فيه الخباز النار ويطرح الخبز على جدرانها حتى ينضج )
قال : فأتينا على مثل التنور.. فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة.. وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم.. فإذا أتاهم ذلك اللهب.. ضوضوا ( أي صاحوا ).. فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم فزع من حالهم.. وسأل جبريل عنهم..
فقال جبريل : هؤلاء هم.. الزناة والزواني..
وفي رواية ابن خزيمة بإسناد صحيح قال صلى الله عليه وسلم : ( ثم انطلق بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخاً.. وأنتنُه ريحاً.. كأن ريحهم المراحيض.. قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الزانون والزواني ) .
وذكر الههيتمي أنه مكتوب في الزبور : إن الزناة يعلقون بفروجهم في النار.. ويضربون عليها بسياط من حديد.. فإذا استغاث أحدهم من الضرب.. نادته الملائكة :
أين كان هذا الصوت وأنت تضحك.. وتفرح.. وتمرح.. ولا تراقب الله ولا تستحي منه..!!
وفي الصحيحين في خطبته صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف أنه قال : ( يا أمة محمد.. والله إنه لا أحد أغير من الله.. أن يزنى عبده.. أو تزني أمته.. يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم.. لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) .
نعم.. كم من لذة ساعة.. أورثت حزناً عظيماً.. وعذاباً أليماً..
وليس ربهم والله بغافل عنهم..[أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ]..
فليس بعد مفسدة الشرك والقتل أعظم من مفسدة الزنا..
ولو بلغ الرجلَ أن ابنته قتلت.. كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت..
فأفٍّ للزنا.. ما أقبح أثرَه.. وأسوء خبرَه..
وكم من شهوة ذهبت لذتها.. وبقيت حسرتها..
وأول من يشهد على الزناة والزواني.. أعضاؤهم التي متعوها بهذا الزنا..
رجله التي مشى بها.. ويده التي لمس بها.. ولسانه الذي تكلم به..
بل تشهد عليه.. كل ذرة من جلده.. وكل شعرة من شعراته..
قال الله [ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون * وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ]..
نعوذ بالله من هذا الحال..
وفي الدنيا..
أمر الله بتغليظ العقوبة على الزاني والزانية..وإن كانا شابين عزبين..
ونهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة.. وأمر أن يكون الحد بمشهد من الناس..
قال عز وجل [ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ]..
هذا غير عقوبات الدنيا التي تتتابع على الزاني..
كالفقر الذي ينزله الله به ولو بعد حين..
والبلاء والكرب المبين..
ضيقُ الصدر.. وتعسّرُ الأمر..
هذا غير.. دعاء الصالحين عليه..
فكم من يدٍ في ظلمة الليل بسطت.. تدعوا عليه وعليها..
وكم من جبهة بين يدي الله سجدت..تستنزل العذاب عليه وعليها..
وكم من عين دمعت.. ودعوة رفعت.. تستعدي رب العالمين.. على المفسدين..
فكيف يتلذذ عاقل بمتعة هذه عاقبتها.. وشهوة هذه نهايتها..
تلكم - أيها الشباب والفتيات - عاقبة الزنا في الدنيا..
وأول طريق الزنا خطوة.. ونظرة.. وضحكة.. وتبرج وسفور..
وبعض الفتيات.. إذا مشت في السوق أو الشارع صارت كأنها بغي تدعو الناس إلى فعل الفاحشة..
وإلا.. فبماذا تفسرون..
تبرج بعض الفتيات في عباءتها.. وإخراجها كفيها وقدميها.. بل ووجهها أحياناً.. وقد تخرِج غير ذلك..
وبماذا تفسرون وضعها للطيب.. وهي تمشي بين الرجال فيشمون ريحها..
وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد والنسائي : ( أيما امرأة استعطرت ثم مرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية )..
وبماذا تفسرون تبرجها في لباسها أو عباءتها..
إضافة إلى تكسرها في مشيتها.. وجرأتها في مخاطبة الرجال.. والله يقول : [ ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ]..
وإنك لتعجب.. وتعجبين.. إذا علمت أن قوله تعالى للمؤمنات : [ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ]..
معناه : أن لا تضرب المرأة برجلها الأرض بقوة وهي لابسة خلاخل في قدميها.. حتى لا يسمع الرجال صوت الخلاخل فيفتنون..
عجباً..
إذا كان هذا حراماً.. فما بالكِ بمن تحادث شاباً الساعات الطوال في الهاتف.. أو ترفع صوتها بالضحكات.. والهمسات.. وتنظم القصائد الشعرية.. وتكتب الرسائل العاطفية..
ومثل ذلك بعض الشباب الذين لا همَّ لهم إلا التزين.. والتسكع في الأسواق..
وهذا كله من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.. وقد توعد الله من فعل ذلك بقوله : [إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون]..
وهذا الوعيد في الذين يحبون أن تشيع الفاحشة.. فقط مجرد محبة.. لهم عذاب أليم.. فكيف بمن يعمل على إشاعتها..
بل قد تقع هذه العاشقة أو العاشق.. فيما هو أكبر من مجرد الشهوة.. إذ قد يفعلون ما يخل بالعقيدة.. من التشبه بالكفار.. والاحتفال بأعيادهم التي هي من مظاهر دينهم.. كالاحتفال بعيد الحب.. بأي صورة من الصور كإرسال الهدايا.. أو الرسائل العاطفية.. أو غير ذلك..
ولو رأينا مسلماً أو مسلمة قد علق صليباً على صدره.. أو رسم على لباسه نجمة اليهود السداسية.. لأنكرنا عليه..
وهذا لا يختلف كثيراً عمن يحتفل بعيد الحب الذي هو عيد القسيس فالن تاين.. إذ كلاهما قد أحيا مظهراً من مظاهر الكفار..
ومن ادعى أنه يكلم الفتيات.. أو ادعت أنها تكلم الشباب.. لمجرد الصداقة والتسلية.. فقد وقع في الحرام.. فقد قال تعالى في حق المؤمنات : [ محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ].. وقال في حق الرجال : [ محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ].. والخدن هو العشيق والعشيقة..
نعم.. هذا حال الفساق..
أما أهل العفاف.. الذين غضوا أبصارهم عن الحرام.. فليبشروا..
فإن من حفظ لسانه وفرجه دخل الجنة..
وبشر النبي صلى الله عليه وسلم النساء خاصة فقال : ( أيما امرأة اتقت ربها.. وأحصنت فرجها.. وأطاعت زوجها.. قيل لها يوم القيامة : ادخلي من أي أبواب الجنة شئت ) .
وللعفيفين والعفيفات.. مع العفة أخبار وأسرار..
يصيح أحدهم بالفتنة إذا عرضت له.. ويقول :
والله لو قيل لي تأتي بفاحشة * وأن عقباك دنيانا وما فيها
لقلت لا والذي أخشى عقوبته * ولا بأضعافها ما كنت آتيها
فهم قوم عفوا عن المحرّمات.. فكشف الله عنهم الكربات.. واستجاب لهم الدعوات..
ولا يخفى عليكم.. حديث الثلاثة.. الذين قص النبي صلى الله عليه وسلم علينا خبرهم..
وأنهم..
نعم.. هنا تظهر العبودية لله.. ويبرز الخوف من الله.. فيعظم قدر المرء عند ربه..
وليبشر من عف عن المحرمات بظل عرش الرحمن يوم القيامة.. فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله..
وهذا ليس خاصاً بالرجل.. بل حتى المرأة.. التي تُزين لها الفاحشة فتتركها خوفاً من الله.. هي في ظل عرش الرحمن يوم القيامة..
تعرضت امرأة لأحد الصالحين.. فجعلت نفسه توسوس له أن يقع في الفاحشة ثم يتوب.. وكان أمامه سراج فيه فتيلة تشتعل..
فقال : يا نفس أدخل أصبعي في هذا السراج فإن صبرت على حر هذه النار..مكنتك مما تريدين.. ثم وضع أصبعه على لهيب النار.. فاضطرب من حرّ النار.. وسحب أصبعه.. فقال : يا نفس.. لم تصبري على حر هذه النار التي خففت سبعين مرة عن نار الآخرة.. فكيف تصبرين على عذاب الله..‍‍‍!!
نعم..
فكم ذي معاص نال منهن لذة * ومات فخلاها وذاق الدواهيا
تصرم لذات المعاصي وتنقضي * وتبقى تباعات المعاصي كما هيا
فيـا سوأتا والله راء وسامع * لعبد بعين الله يغشى المعاصيا
ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه..
ذكر الدمشقي في كتابه " مطالع البدور "..
عن أمير القاهرة في وقته شجاع الدين الشِّـرَزي.. قال :
بينما أنا عند رجل بالصعيد.. وهو شيخ كبير شديد السمرة.. إذ حضر أولاد له بيض حسان.. فسألناه عنهم.. فقال : هؤلاء أمهم إفرنجية.. ولي معها قصة.. فسألناه عنها.. فقال :
ذهبت إلى الشام وأنا شاب.. أثناء احتلال الصليبيين له.. واستأجرت دكاناً أبيع فيه الكتان.. فبينما أنا في دكاني إذ أتتني امرأة إفرنجية زوجة أحد قادة الصليبيين.. فرأيت من جمالها ما سحرني.. فبعتها وسامحتها في السعر..
ثم انصرفت.. وعادت بعد أيام فبعتها وسامحتها.. فأخذت تتردد عليَّ.. وأنا أتبسط معها فعلمت أني أعشقها..
فلما بلغ الأمر مني مبلغه.. قلت للعجوز التي معها :
قد تعلقت نفسي بهذه المرأة فكيف السبيل إليها ؟
فقالت : هذه زوجة فلان القائد.. ولو علم بنا.. قتلنا نحن الثلاثة..
فما زلت بها.. حتى طلبت مني خمسين ديناراً.. وتجيء بها إليَّ في بيتي..
فاجتهدت حتى جمعت خمسين ديناراً.. وأعطيتها إياها..
وانتظرتها تلك الليلة في الدار.. فلما جاءت إليَّ أكلنا وشربنا..
فلما مضى بعض الليل.. قلت في نفسي : أما تستحي من الله !! وأنت غريب.. وبين يدي الله.. وتعصي الله مع نصرانية !!
فرفعت بصري إلى السماء وقلت : اللهم إني أشهدك أني عففت عن هذه النصرانية.. حياءً منك وخوفاً من عقابك..
ثم تنحيت عن موضعها إلى فراش آخر.. فلما رأت ذلك قامت وهي غضبى ومضت..
وفي الصباح.. مضيت إلى دكاني..
فلما كان الضحى.. مرت عليَّ المرأة وهي غضبى.. ووالله لكأن وجهها القمر..
فلما رأيتها.. قلت في نفسي : ومن أنت حتى تعفَّ عن هذا الجمال..؟ أنت أبو بكر.. أو عمر.. أم أنت الجنيد العابد.. أو الحسن الزاهد..
وبقيت تحسّر عليها.. فلما جاوزتني.. لحقت بالعجوز.. وقلت لها : ارجعي بها.. الليلة..
فقالت : وحق المسيح.. ما تأتيك إلا بمائة دينار..
قلت : نعم..
فاجتهدت حتى جمعتها.. وأعطيتها إياها..
فلما كان الليل.. وانتظرتها في الدار . جاءت.. فكأنها القمر أقبل عليَّ.. فلما جلست.. حضرني الخوف من الله.. وكيف أعصيه مع نصرانية كافرة.. فتركتها خوفاً من الله..
وفي الصباح.. مضيت إلى دكاني.. وقلبي مشغول بها..
فلما كان الضحى.. مرت عليَّ المرأة وهي غضبى..
فلما رأيتها.. لُمْتُ نفسي على تركها..
وبقيت أتحسّر عليها.. فسألت العجوز..
فقالت : ما تفرح بها.. إلا بخمسمائة دينار.. أو تموت كمداً..
قلت : نعم.. وعزمت على بيع دكاني.. وبضاعتي.. وأعطيها الخمسمائة دينار..
فبينما أنا كذلك.. إذ منادي النصارى ينادي في السوق.. يقول :
يا معاشر المسلمين إن الهدنة التي بيننا وبينكم.. قد انقضت.. وقد أمهلنا من هنا من التجار المسلمين أسبوعاً..
فجمعت ما بقي من متاعي وخرجت من الشام وفي قلبي الحسرة ما فيه..
ثم أخذت أتاجر ببيع الجواري.. عسى أن يذهب ما بقلبي من حب تلك ما فيه..
فمضى لي على ذلك ثلاثُ سنين..
ثم جرت وقعة حطين.. واستعاد المسلمون بلاد الساحل..
وطُلب مني جارية للملك الناصر.. وكان عندي جارية حسناء.. فاشتروها مني بمائة دينار..
فسلموني تسعين ديناراً.. وبقيت لي عشرة دنانير.. فقال الملك :
امضوا به إلى البيت الذي فيه المسبيات من نساء الإفرنج.. فليختر منهن واحدة بالعشرة دنانير التي بقيت له..
فلما فتحوا لي الدار.. رأيت صاحبتي الافرنجية.. فأخذتها..
فلما مضيت إلى بيتي.. قلت لها : تعرفيني ؟! قالت : لا..
قلت : أنا صاحبك التاجر.. الذي أخذت مني مائة وخمسين ديناراً.. وقلت لي : لا تفرح بي إلا بخمسمائة دينار.. هاأنا أخذتك مِلكاً بعشرة دنانير..
فقالت : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله..
فأسلمت وحسن إسلامها.. فتزوجتها..
فلم تلبث أن أرسلت أمها إليها بصندوق.. فلما فتحناه.. فإذا فيه الصرتان التي أعطيتها.. في الأولى الخمسون ديناراً.. وفي الأخرى المائة.. وفيه لباسها الذي كنت أراها فيه.. وهي أم هؤلاء الأولاد.. وهي التي طبخت لكم العشاء..
نعم.. ومن ترك شيئاً لله.. عوّضه الله خيراً منه..
فهذا طرف من أخبار أهل العفة..
وهذه الطائفة لعفتهم أسباب :
أقواها إجلال الجبار.. ومراقبته في السر والعلن.. والخوف من الله تعالى.. فهو الذي وهبهم القوى والأسماع والأبصار..
والعبد قد يختفي من الناس.. ولكن أنى له أن يختفي من الله.. وهو معه..
والمرأة العفيفة.. لا تهتك سترها.. ولا تدنس عرضها.. وإن كان في ذلك فقدان حياتها..
ذكر الخطاب في كتابه " عدالة السماء " :
أنه كان ببغداد قبل قرابة الأربعين سنة.. رجل يعمل جزاراً يبيع اللحم.. وكان يذهب قبل الفجر إلى دكانه.. فيذبح الغنم.. ثم يرجع إلى بيته.. وبعد طلوع الشمس يفتح المحل ليبيع اللحم..
وفي أحد الليالي بعدما ذبح الغنم.. رجع في ظلمة الليل إلى بيته.. وثيابه ملطخة بالدم.. وفي أثناء الطريق سمع صيحة في أحد الأزقة المظلمة.. فتوجه إليها بسرعة.. وفجأة سقط على جثة رجل قد طعن عدة طعنات.. ودماؤه تسيل.. والسكين مغروسة في جسده..
فانتزع السكين.. وأخذ يحاول حمل الرجل ومساعدته.. والدماء تنزف على ثيابه..
لكن الرجل مات بين يديه..
فاجتمع الناس.. فلما رأوا السكين في يده.. والدماء على ثيابه.. والرجل فزع خائف..
اتهموه بقتل الرجل.. ثم حكم عليه بالقتل..
فلما أحضِر إلى ساحة القصاص.. وأيقن بالموت..
صاح بالناس.. وقال :
أيها الناس أنا والله ما قتلت هذا الرجل.. لكني قتلت نفساً أخرى.. منذ عشرين سنة.. والآن يقام عليَّ القصاص..
ثم قال :
قبل عشرين سنة كنت شاباً فتياً.. أعمل على قارب أنقل الناس بين ضفتي النهر..
وفي أحد الأيام جاءتني فتاة غنية مع أمها.. ونقلتهما..
ثم جاءتا في اليوم التالي.. وركبتا في قاربي..
ومع الأيام.. بدأ قلبي يتعلق بتلك الفتاة.. وهي كذلك تعلقت بي..
خطبتها من أبيها لكنه أبى أن يزوجني لفقري..
ثم انقطعت عني بعدها.. فلم أعد أراها ولا أمها..
وبقي قلبي معلقاً بتلك الفتاة.. وبعد سنتين أو ثلاث..
كنت في قاربي.. أنتظر الركاب.. فجاءتني امرأة مع طفلها..
وطلبت نقلها إلى الضفة الأخرى.. فلما ركبت.. وتوسطنا النهر..
نظرت إليها.. فإذا هي صاحبتي الأولى.. التي فرق أبوها بيننا..
ففرحت بلقياها.. وبدأت أذكرها بسابق عهدنا.. والحب والغرام..
لكنها تكلمت بأدب.. وأخبرتني أنها قد تزوجت وهذا ولدها..
فزين لي الشيطان الوقوع بها.. فاقتربت منها.. فصاحت بي.. وذكرتني بالله..
لكني لم ألتفت إليها.. فبدأت المسكينة تدافعني بما تستطيع.. وطفلها يصرخ بين يديها..
فلما رأيت ذلك أخذت الطفل.. وقربته من الماء وقلت إن لم تمكنيني من نفسك.. غرقته.. فبكت وتوسلت.. لكني لم التفت إليها..
وأخذت أغمس رأس الطفل فإذا أشفى على الهلاك أخرجته.. وهي تنظر إليّ وتبكي.. وتتوسل.. لكنها لا تستجيب لي.. فغمست رأس الطفل في الماء.. وشددت عليه الخناق.. وهي تنظر.. وتغطي عينيها.. والطفل تضطرب يداه ورجلاه.. حتى خارت قواه.. وسكنت حركته.. فأخرجته فإذا هو ميت.. فألقيت جثته في الماء..
ثم أقبلت عليها.. فدفعتني بكل قوتها.. وتقطعت من شدة البكاء..
فسحبتها بشعرها.. وقربتها من الماء.. وجعلت أغمس رأسها في الماء.. وأخرجه.. وهي تأبى عليَّ الفاحشة..
فلما تعبت يداي.. غمست رأسها في الماء.. فأخذت تنتفض حتى سكنت حركتها..
وماتت.. فألقيتها في الماء.. ثم رجعت..
ولم يكتشف أحد جريمتي.. وسبحان من يمهل ولا يهمل..
فبكى الناس لما سمعوا قصته.. ثم قطع رأسه.. [ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ]..
فتأملوا في حال هذه الفتاة العفيفة.. التي يقتل ولدها بين يديها.. وتموت هي.. ولا ترضى بهتك عرضها..
فأين هذه العفة.. من فتيات اليوم.. تبيع إحداهن عرضها بمكالمة هاتفية.. أو هدية شيطانية.. وتنساق وراء كلام معسول من فاسق.. أو تنجرّ وراء شبهة من منافق..
ثم الرغبة في دار الأخرى.. فيها متع عظيمة..
التفكر في الحور الحسان في دار القرار.. فإن من صرف استمتاعه في هذه الدار إلى ما حرم الله عليه منعه من الاستمتاع هناك.. قال صلى الله عليه وسلم : (من يلبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.. ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة )..
فلا يكاد يُجمع للعبد بين لذائذ الدنيا المحرمة.. ولذائذ الآخرة الدائمة..
لذة شرب الخمر ولبس الحرير والتمتع بما حرم الله عليه من النساء والصبيان في الدنيا.. خُشي أن يحرم من مُتع الآخرة..
ومن تعلقت نفسه بالجنة وما أعدَّ الله فيها من المتع هانت عليه متع الدنيا..
وكذلك من اشتاقت نفسها إلى الجنة وما فيها من زيادة حسن وجمال لها.. لم تدنس عرضها في الدنيا..
ويكمل الجمال ويزين.. للمؤمنات في الجنة..
تكون المؤمنة في الجنة أكمل وأجمل..
نعم.. إذا كان الله تعالى قد وصف الحور العين بما وصف..
وهن لم يقمن الليل.. ولم يصمن النهار..
فما بالك بجمالك أنت.. وحسنك.. وبهائك..
وأنت التي طالما خلوت بربك في ظلمة الليل.. يسمع نجواك.. ويجيب دعاك..
طالما تركت لأجله اللذات.. وفارقت الشهوات..
[ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ]..
فعلق نفسك بجمال آخر في الجنة.. وعلقي نفسك به..
واسمع.. واسمعي..
صفات عرائس الجنات ثم اختر لنفسك يا أخا العرفان
حور حسان قد كملن خلائقا ومحاسنا من أجمل النسوان *
كملت خلائقها وأكمل حسنها * كالبدر ليل الست بعد ثمان
والشمس تجري في محاسن وجهها * والليل تحت ذوائب الأغصان
حمر الخدود ثغورهن لآلأ * سود العيون فواتر الأجفان
والبرق يبدو حين يبسم ثغرها * فيضيء سقف القصر بالجدران
ولقد روينا أن برقا ساطعا * يبدو فيسأل عنه من بجنان
فيقال هذا ضوء ثغر ضاحك * في الجنة العليا كما تريان
لله لاثم ذلك الثغر الذي * في لثمه إدراك كل أمان
وروى ابن أبي الدنيا والخطيب في تاريخه : عن يزيد الرقاشي قال بلغني أن نورا سطع في الجنة لم يبق موضع في الجنة إلا دخل من ذلك النور فيه فقيل ما هذا قيل حوراء ضحكت في وجه زوجها..
هذا جمال ثغرها.. وتلك حلاوة بسمتها..
والمعصمان..
فإن تشأ شبههما * بسبيكتين عليهما كفان
كالزبد لينا في نعومة ملمس أصداف در دورت بوزان
لا الحيض يغشاه ولا بول ولا * شيء من الآفات في النسوان
وإذا يجامعها تعود كما أتت * بكرا بغير دم ولا نقصان
أقدامها من فضة قد ركبت * من فوقها ساقان ملتفان
والريح مسك والجسوم نواعم * واللون كالياقوت والمرجان
وكلامها يسبي العقول بنغمة * زادت على الأوتار والعيدان
بكر فلم يأخذ بكارتها سوى المحبوب من انس ولا من جان
يعطى المجامع قوة المائة التي اجتمعت لأقوى واحد الانسان
وأعفهم في هذه الدنيا هو الأقوى هناك لزهده في الفاني
فاجمع قواك لما هناك وغمض العينين واصبر ساعة لزمان
ما هاهنا والله ما يسوى قلا مة ظفر واحدة ترى بجنان
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فان * تفعل رجعت بذلة وهوان
.... .
وإذا بدت في حلة من لبسها * وتمايلت كتمايل النشوان
تهتز كالغصن الرطيب وحمله * ورد وتفاح على رمان
وتبخترت في مشيها ويحق ذا * ك لمثلها في جنة الحيوان
ووصائف من خلفها وأمامها * وعلى شمائلها وعن أيمان
كالبدر ليلة تمه قد حف في * غسق الدجى بكواكب الميزان
فلسانه وفؤاده والطرف في * دهش وإعجاب وفي سبحان
فالقلب قبل زفافها في عرسه * والعرس إثر العرس متصلان
حتى إذا ما واجهته تقابلا * أرأيت إذ يتقابل القمران
فسل المتيم هل يحل الصبر عن * ضم وتقبيل وعن فلتان
وسل المتيم أين خلف صبره * في أي واد أم بأي مكان
وسل المتيم كيف عيشته إذا * وهما على فرشيهما خلوان
وسل المتيم كيف مجلسه مع الــمحبوب في روح وفي ريحان
وتدور كاسات الرحيق عليهما * بأكف أقمار من الولدان
يتنازعان الكأس هذا مرة * والخود اخرى ثم يتكئان
فيضمها وتضمه أرأيت معشوقين بعد البعد يلتقيان *
غاب الرقيب وغاب كل منكد * وهما بثوب الوصل مشتملان
أتراهما ضجرين من ذا العيش لا * وحياة ربك ما هما ضجران
ولا يمل أحدهما من الآخر :
ويزيد كل منهما حبا لصا * حبه جديدا سائر الأزمان
ووصاله يكسوه حبا بعده * متسلسلا لا ينتهي بزمان
فالوصل محفوف بحب سابق * وبلاحق وكلاهما صنوان
هذا هو والله النعيم الحقيقي..
أما نعيم الدنيا ومتعتها.. فمهما طالت فهي منقطعة..
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الذل والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
قال الله : [ أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون * وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ذكرى وما كنا ظالمين ]..
هذا هو النوع الأول من العاشقين والعاشقات..
الذين تعلق كل جنس منهم بالجنس الآخر..
أما النوع الثاني من العشاق..
فهم من شذوا عن الفطرة.. فعشق الشاب شاباً مثله..
والفتاةُ فتاةً مثلها..
وهؤلاء.. أعظم شذوذاً.. وأكثر ضلالاً..
وقد ذكر الله خبرهم في القرآن.. وأن لوطاً صاح بهم وقال [ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ] ..
وإذا وقعت هذه الفاحشة.. كادت الأرض تميد من جوانبها.. والجبال تزول عن أماكنها..
ولم يجمع الله على أمة من العذاب ما جمع على قوم لوط.. فإنه طمس أبصارهم.. وسوّد وجوههم.. وأمر جبريل بقلع قراهم من أصلها ثم قلبها عليهم.. ثم خسف بهم.. ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل..
قال عز من قائل : [ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ]..
فجعلهم آية للعالمين.. وموعظة للمتقين.. ونكالا للمجرمين..
إن في ذلك لآيات للمتوسمين..
أخذهم على غرة وهم نائمون.. فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون..
نعم..
ذهبت اللذات.. وأعقبت الحسرات.. وانقضت الشهوات..
تمتعوا قليلاً.. وعذبوا طويلاً.. وأعقبهم عذابا أليماً..
ندموا والله ولا ينفع الندم.. وبكوا بدل الدموع الدم..
فلو رأيتهم والنار تشوي وجوههم..
وتخرج من أفواههم وأنوفهم..
وهم بين أطباق الجحيم.. يشربون كؤوس الحميم..
ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون.. ذوقوا ما كنتم تكسبون..
[ إصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ]
وما هي من الظالمين ببعيد..
نعم.. هذا حال هؤلاء الفساق..
وبعض الشباب قد يتساهل بمثل ذلك.. بل قد يظهر منه ما يدلّ على استدعائه لذلك..
فكم نرى من الشباب المائعين في حركاتهم.. وضحكاتهم.. بل وأسلوب الكلام.. وطريقة المشي..
إضافة إلى لبس الثوب الضيق المخصّر.. واستعمال العطورات المنوّعة.. والاعتناء الزائد بالمظهر.. وقصة الشعر..
نرى أحياناً هذه المظاهر في بعض المدارس.. وفي الشوارع..
فلماذا يفعل هذا الشاب ذلك..
أيا ناكح الذكران تهنيكم البشرى * فيوم معاد الناس إن لكم أجرا
كلوا واشربوا وازنو ولوطوا واكثروا * فان لكم زفا الى ناره الكبرى
فاخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم * وقالوا الينا عجلوا لكم البشرى
وها نحن أسلاف لكم فى انتظاركم * سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى
ولا تحسبوا أن الذين نكحتموا * يغيبون عنكم بل ترونهم جمرى
ويلعن كلٌ منهم لخليله * ويشقى به المحزون في الكرة الاخرى
يعذب كل منهم بشريكه * كما اشتركا في لذة توجب الوزرى
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه فيما رواه الترمذي : ( إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط )..
وصح فيما رواه ابن حبان : ( لعن الله من عمل عمل قوم لوط.. لعن الله من عمل عمل قوم لوط.. لعن الله من عمل عمل قوم لوط )..
وصحّ في مسند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به )..
أما الصحابة فكانوا يحرقون اللوطية بالنار..
وقال ابن عباس : اللوطي إذا مات من غير توبة مسخ في قبره خنزيراً..
ومن كان قد أسرف على نفسه.. ووقع في شيء من ذلك.. فليسارع إلى التوبة والاستغفار.. والإنابة إلى العزيز الغفار..
[ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.. ]..
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال : ( لله عز وجل أفرح بتوبة أحدكم من رجل خرج بأرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه فأضلها فخرج في طلبها حتى إذا أدركه الموت ولم يجدها قال أرجع إلى مكاني الذي أضللتها فيه فأموت فيه فأتى مكانه فغلبته عينه فاستيقظ فإذا راحلته عند رأسه عليها طعامه وشرابه وزاده.. فأخذها ثم قال : اللهم أنت عبدي وأنا ربك.. أخطأ من شدة الفرح )..
والتوبة أمرها يسير.. ولا يلزم من وقع في الفاحشة أن يسلم نفسه.. ليقام عليه الحد.. بل يتوب بينه وبين ربه.. ويستتر بستر ربه..
وإن كانت الفتاة.. قد وقع لها صور أو تسجيل.. تهدد بها.. فلا يمنعها ذلك من التوبة.. بل تستعين بثقة من أهل العلم والدين.. ولا تستجيب للتهديد والوعيد.. وحتى لو وقعت الفضيحة.. فإن خزي الدنيا أهون من خزي الآخرة..
هذه أنواع المحبة..
ولا ننسى..
أقواماً من المحبين.. سمت نفوسهم عن التعلق بمحبة الخلق.. إلى التعلق بمحبة الخالق جل جلاله.. يحبهم ربهم ويحبونه..
ربهم أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم وأنفسهم.. طالما تملقوا إليه في الأسحار.. وبكوا من خشيته في النهار.. اشتاقوا إلى رؤيته.. وتقطعت قلوبهم من عظم محبته..
فليتـك تحلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الودّ فالكل هين * وكل الذي فوق التراب تراب
وكيف لا تتعلق القلوب بمن حياتها بنعمه.. وطعامها وشرابها بكرمه.. ومرضها وشفاؤها بأمره.. وموتها بقضائه وقدره..
هؤلاء الصالحون لهم شهوات.. نعم.. لهم شهوات.. وفيهم غرائز.. لكنها سمت وارتفعت عن المعاصي.. قال محمد بن سيرين : ما غشيت امرأة في يقظة ولا منام غير أم عبد الله.. وإني أرى المرأة في المنام فتعجبني فأذكر أنها لا تحلّ لي فأصرف بصري عنها..
فكن من هؤلاء القوم تفلح.. وإنما الدنيا ساعة فاجعلها طاعة..





وختاماً.. أيها العاشقون والعاشقات..
ما هو العلاج من هذا الداء ؟
العلاج سهل ميسور.. لكنه يحتاج إلى جزم وإصرار..
أول العلاج : أن تعلم أنه لا اختيار لك في إطلاق بصرك.. نعم لا اختيار لك.. هل تنظر أم لا تنظر.. بل يجب عليك أن تصرف بصرك فوراً.. فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. وإطلاق البصر باب من أبواب النار..
ثانياً : مجاهدة النفس لترك هذا الفعل المحرم.. وصرف النفس عن التفكير فيه.. وتذكر ما يبغضك في هذا المعشوق..
قال عبد الله بن مسعود : إذا أعجبت أحدكم امرأة فليتذكر مناتنها..
يعني : يتذكر رائحة فمها الكريهة.. وغائطها.. وبولها.. وقيئها الذي يملأ فمها.. ومخاطها الذي يقذر أنفها.. ويتخيل حالها لو أصابها جدري أو جذام..
واعلم أن الشيطان يزين لك المعشوق.. وإن كان قبيحاً..
ذُكر أن أحد الشعراء كان فاسقاً ماجناً....
ما أبغضك في الحلال.. وألذك في الحرام !!
وذكر ابن الجوزي في المواعظ :
أن شاباً فقيراً كان بائعاً يتجول في الطرقات.. فمرّ ذات يوم ببيت..فأطلت امرأة وسألته عن بضاعته فأخبرها.. فطلبت منه أن يدخل لترى البضاعة.. فلما دخل أغلقت الباب..
ثم دعته إلى الفاحشة.. فصاح بها.. فقالت : والله إن لم تفعل ما أريده منك صرخت.. فيحضر الناس فأقول هذا الشاب.. اقتحم عليَّ داري.. فما ينتظرك بعدها إلا القتل أو السجن..
فخوّفها بالله فلم تنزجر.. فلما رأى ذلك..
قال لها : أريد الخلاء..
فلما دخل الخلاء : أقبل على الصندوق الذي يُجمع فيه الغائط.. وجعل يأخذ منه ويلقي على ثيابه.. ويديه.. وجسده..
ثم خرج إليها.. فلما رأته صاحت.. وألقت عليه بضاعته.. وطردته من البيت..
فمضى.. يمشي في الطريق والصبيان.. يصيحون وراءه : مجنون.. مجنون..
حتى وصل بيته.. فأزال عنه النجاسة.. واغتسل..
فلم يزل يُشمُّ منه رائحة المسك.. حتى مات..
وكذلك من العلاج الإقبال على الله تعالى ومصاحبة الصالحين.. وتقوية العلاقة بالله.. بالإكثار من قراءة القرآن.. والمحافظة على صلاة الوتر.. وحضور مجالس الذكر.. وقد قال تعالى في الحديث القدسي : ( ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل.. )..
ومن أهم العلاج :
الابتعاد عما يذكرك بهذه المعاصي.. فلا تجالس أهلها.. وإن كان عندك صور تذكرك بها فأتلفها.. وأحرق كل ما لديك من رسائل وأشرطة..
ومن العلاج.. الابتعاد عن الأماكن التي يختلط فيها الرجال بالنساء.. سواء في الأسواق أو الجامعات أو غير ذلك.. ولا تكن ممن يبيع دينه بعرض من الدنيا..
ومن العلاج :
الابتعاد عن المثيرات.. من الأفلام.. والصور الفاتنة.. والقصص والروايات التي تذكر العشق والغرام..
ومن العلاج : إدامة ذكر الله على جميع الأحوال.. في الصباح والمساء.. وعند النوم..
ومن العلاج : مفارقة بلاد المحبوب.. والسفر إلى بلد آخر.. فإن البعيد عن العين بعيد عن القلب.. وإن كان المحبوب زميلاً في مدرسة أو كلية أو وظيفة.. فابحث عن مكان آخر.. ومن يتق الله يجعل له مخرجاً..
ومن العلاج.. ملء وقت الفراغ.. بالنافع المفيد..
ومن العلاج : الزواج.. فإنه الطريق الشرعي لحماية الفطرة.. ونشر لفضيلة.. ولا تقل لا أريد إلا فلانة.. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أعجبت أحدكم امرأة فليأت أهله.. فإن معها مثل الذي معها )..
وأنبه هنا إلى أمر مهم.. وهو أن تقصير أحد الزوجين في حق الآخر.. وعدم مشاركته في عواطفه.. يجعله يبحث عن بديل.. فيبدأ الرجل يتطلع إلى من يفرغ فيه عواطفه.. وتبدأ المرأة تميل مع كل من يتلطف معها.. أو يلين لها الكلام..
ولا بأس من استعمال الطب في العلاج.. من الزنا.. ومن اللواط خاصة..
فابدأ حياة جديدة من هذه الساعة..
قبل أن تقوم قيامتك.. وجهنم قد سعرت.. والأغلال قد نصبت.. والزبانية قد أعدت ؟!
وأنت تبكي وتقول :
كيف كنت أتتبّع الشهوات.. وأواقع اللذات..
قد غرّني فيما مضى شبابي.. وجمال سيارتي وثيابي..
وقد عظمت كربتك.. وذهبت قوتك..
آهٍ.. إذا زلت يوم القيامة القدم.. وارتفع البكاء وطال الندم..
والله لو علمت ما وراءك لما ضحكت ولأكثرت البكا
قد حفت الجنة بالمكاره والنار بالذي النفوس تشتهي
وإن عملت سيئاً فاستغفر وتب إلى الله بداراً يغفر
وبادراً بالتوبة النصوح قبل احتضار وانتزاع الروح
أسأل الله تعالى أن يخلص محبتنا له وفيه عز وجل.. وأن يعيذنا جميعاً من الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.. وأن يجعل حبنا له سبحانه فوق كل حب.. وطاعتنا له فوق كل طاعة.. وأن يجعلنا ممن يتبعون الحق إذا تبين لهم.. آمين..

بينات
10-02-2008, 11:08 AM
=وداعاً أيها البطل ..
الحمد لله المحمودِ بجميع المحامد تعظيماً وثناءً .. المتصفِ بصفات الكمال عزّة وكبرياءً ..
الحمد لله الواحدِ بلا شريك .. القويِّ بلا نصير .. العزيزِ بلا ظهير .. الذي رفع منازل الشهداء في دار البقاء ..وحث عباده على البذل والفداء ..
أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه .. فهو الأول والآخر .. والظاهر والباطن ..ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمةِ الكرام النجباء .. وسلم تسليمًا كثيرًا ..
أما بعد .. أيها الأخوة والأخوات ..
يطول الطريق على السالكين .. وتكثر هوامه وعقباته ..
ويتكالب الأعداء .. ويعظم البلاء .. ويقل الناصر .. ويتمكن الفاجر ..
وتضعف الهمم .. وتخور القوى ..
وفي كل يوم يولد همٌ كبير .. وقضية ثكلى .. ويتساقط قتلى .. ويموت جرحى ..
ويبرز خلال الطريق أبطال .. اختاروا لأنفسهم طريقاً حُفت بالمكاره ..
وصبغت بالدماء .. وفرشت بالأشلاء .. وأحيطت بالبلاء ..
أبطال لهم غاية عظمى .. يسيرون إليها ولا يلتفتون وراءهم ..
هممهم عالية .. وغاياتهم غالية ..
باعوا نفوسهم لله .. والله اشترى ..
يعلمون أن وعدَ الله حق .. وأن نصره صدق .. وإن تأخر .. [ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد]
فنحن اليوم نتحدث ..عن أولئك الأبطال ..
الذي حملوا همَّ الدين ..
شعارهم [ فلا تخافوهم وخافون ] ..
وسلاحهم [ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ] ..
وميدانهم [ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ] ..
لا يخافون إلا ممن بيده أسباب الخوف والأمن ..
كانوا يتسابقون إلى الموت ..
أخذوا بنواصي الأكاسرة .. وهامات القياصرة ..
وذروا التراب على وجوه الطغاة ..
يعلمون أن أمر المسلمين قد يعلو تارة .. ويهبط أخرى .. فإذا علا شقوا طريقه بالدم .. وإذا هبط سحقوا لأجل رفعه الجماجم ..
فمن هم أولئك الأبطال ..
إنهم قوم صالحون .. بين قوم سوء كثير ..
إنهم رجال ونساء .. صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..
إنهم الذين إذا رأيتهم .. رأيت في أرجلهم غبار الجهاد .. ورأيت في وجوههم أنوار العُباد ..
يقبضون على الجمر .. ويمشون على الصخر ..
ويبيتون على الرماد .. ويهربون من الفساد ..
صادقةٌ ألسنتهم .. عفيفةٌ فروجهم .. محفوظةٌ أبصارهم ..
كلماتهم عفيفة .. وجلساتهم شريفة ..
إنهم الذين أحبهم الله واصطفاهم .. وقربهم وأدناهم ..
الذين ابتلوا فصبروا .. وأعطوا فشكروا ..
إنهم رؤوس الأولياء .. وقدوات الأتقياء ..
الذين ما يقلب مؤمن سيرتهم .. إلا ويشتاق إليهم ..
إنهم السابقون إلى الجنات .. المتقلبون في الخيرات ..
إنهم الذين ما نظروا إلى لذة أجسادهم .. ولا متعة أبدانهم ..
وإنما أشغلتهم خدمة الدين .. ورضا رب العالمين ..
ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته ..
* * * * * *
نعم .. فنحن اليوم نتحدث ..عن أولئك الأبطال ..
الذين لم يكونوا أبطالاً في الجهاد .. ولا في دعوة العباد ..
ولا أبطالاً في الكرم .. ولا في شكر النعم ..
ولا ابطالاً في الذكر والعبادة .. ولا في الصبر والزهادة ..
كلا .. ولم يكونوا أبطالاً في نصرة الدين .. ومجاهدة المشركين ..
وإنما كانوا أبطالاً في ذلك كله ..
نعم ..
كأنما البطولة صيغت رجلاً .. فكانت أولئك ..
أول أولئك الأبطال هو غلام .. لم يبلغ الحلم .. عمره دون الخمس عشرة سنة ..
عاش في عصر ملك ظالم .. كان يدعي الألوهية .. وكان له ساحر يزين له باطله ..
وكان هذا الساحر يستعين بالجن .. ويخبر الملك بأسرار الناس ..
فإذا حدثهم بها الملك ظنوا أنه يعلم الغيب .. فازدادوا به فتنة ..
فلما كبر الساحر .. قال للملك :
إني قد كبرت .. وإني أخاف أن أموت فيذهب عنكم هذا العلم ..
فأبعث إليَّ غلاماً فطناً لقناً أعلمه السحر ..
فبحث الملك في الناس .. حتى وجد غلاماً فطناً جريئاً .. فبعث به إلى الساحر ..
وبدأ هذا الغلام يأتي الساحر في الصباح ويتعلم منه السحر ..
ويعود لأهله في المساء ..
ومرت الأيام على ذلك ..
وفي يوم من الأيام .. مر الغلام في طريقه براهب .. يصلي ويتعبد .. ويركع ويسجد ..
فقعد إليه وسمع كلامه وقراءته .. فأعجبه .. وسأله : ما تعبد ..
قال : أعبدُ الله ؟
قال الغلام : الله .. الملك ..
قال الراهب : لا .. بل ربي وربك ورب الملك ..
ثم بين الراهب الدين للغلام ودعاه إليه .. فآمن بالله وحده ..
وصار كلما ذهب إلى الساحر أو رجع من عنده .. جلس إلى الراهب فتعلم منه ..
وأحيانا يطول جلوسه عنده فيتأخر على الساحر فيضربه .. وأحياناً يضربه أهله ..
فلما كثر الأذى عليه .. شكا ذلك إلى الراهب .. فقال له الراهب :
إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي .. أي أخروني لحاجة لهم ..
وإذا خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر ..
ومرت الأيام على الغلام ..
وهو في كل يوم يتلقى دروساً في السحر .. ودروساً في الدين ..
هذا يقول : ربك الله .. وذاك يقول : ربك الملك ..
فبينما هو كذلك .. إذ مر يوماً في طريق .. فإذا بدابة عظيمة قد جلست وسط الطريق .. وحبست الناس عن المسير ..
فلما رآها الغلام قال في نفسه :
اليوم أعلم .. الساحر أفضل ؟! أم الراهب أفضل ؟!
ثم أخذ حجراً من الأرض فقال :
اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر .. فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس ..
ثم رماها بالحجر .. فقتلها ..
ففزع الناس واضطربوا .. وتلفتوا وهم يتساءلون :
من الذي قتل الدابة .. من الذي قتل الدابة ..
فجعل بعضهم يشير إلى الغلام .. وبعضهم ينظر إليه مندهشاً .. وصاروا بين مصدق ومكذب ..
فلما رأوا أنه قتلها بحجر صغير ..
تفرقوا وهم يقولون : لقد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد ..
ثم انتشر أمر الغلام .. وذاع صيته بين الأنام .. وصارت قصته على كل لسان ..
يتحدث الناس بخبره .. ويعجبون من أمره ..
فذهب الغلام إلى الراهب فأخبره الخبر ..
فقال له الراهب : أي بني أنت اليوم أفضل مني .. قد بلغ من أمرك ما أرى ..
وإنك ستبتلى .. فإن ابتليت فلا تدل علي ..
فذهب من عنده الغلام .. وكلمات الراهب تتردد في أذنه .. إنك ستبتلى .. إنك ستبتلى ..
ومضى الغلام .. وبدأ الناس إليه يتوافدون .. ومنه يعجبون ..
ثم أكرمه الله تعالى .. فصار يبرئ الأكمه .. والأبرص ..
ويداوى الناس من سائر الأدواء ..
حتى جعل الناس من كل مكان يقبلون إليه .. ويجلسون بين يديه ..
وهو يدعوهم إلى التوحيد .. وعبادة العزيز المجيد ..
وبدأ المهتدون يتزايدون .. والكفار يتناقصون .. والمرضى يقلّون ..
وصار الناس بأخباره يتحدثون .. وعن قدراته يتساءلون ..
حتى مرت الأيام .. والناس في أخبار الغلام ..
فسمع به جليس للملك .. كان قد عمي ..
فذهب سريعاً إلى دار الغلام .. معه هدايا كثيرة ..
فلما دخل على الغلام ..أقبل عليه .. ووضع الهدايا والأموال بين يديه ..
ثم قال له بإغراء ..
ما هاهنا لك أجمع .. إن أنت شفيتنى .. وجعل يشير بيده جهة الذهب والأموال ..
فلما رأى الغلام هذا الوزير بين يديه ..
علم أنها فرصة عظيمة أقبلت إليه ..
للدعوة إلى الكريم المتعال .. فما التفت إلى الأموال .. ولا هاب كثرة الرجال ..
وإنما أقبل على الرجل إقبال الابن الشفيق .. والطبيب الرفيق ..
وقال له مبادراً : إني لا أشفى أحداً .. إنما يشفى الله تعالى ..
فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك ..
فسكت جليس الملك قليلاً .. ثم تفكر في دينه الذي عاش عليه ..
فإذا هو يعبد ملكاً بشراً .. لا يملك نفعاً ولا ضُراً ..
فدخل إلى قلبه الإيمان .. واشتاق للتعبد الرحمن ..
فآمن بالله ووحد .. فشفاه العظيم الأوحد .. ورد عليه بصره .. وشرح له صدره .. وعظم له أجره ..
فخرج الوزير فرحاً مستبشراً .. يسمع الناس ويرى ..
فلما أصبح .. أتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ..
فلما رآه الملك مبصراً .. تعجّب !! وقال له مبادراً : من رد عليك بصرك ؟!!
فقال المؤمن الموحّد : ربي ..
فقال الملك الغبي : أنا ..
قال : لا ..!!
قال : أولك رب غيري ؟
قال : ربي وربك الله ..
فغضب الملك وأزبد .. وصاح وتوعّد ..
ثم أمر بالوزير .. فشدد عليه العذاب .. ولم يزل يضرب ويهان ..
حتى دلَّ على الغلام .. فجيء بالغلام ..
فلما رآه الملك .. عرفه .. فهذا تلميذ الساحر ..
فتلطف معه وقال له : أي بنيَّ .. قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل .. وتفعل ..
فقال الغلام : إني لا أشفى أحداً .. إنما يشفى الله تعالى ..
فاضطرب الملك .. وسأل الغلام من الذي علمك هذا الدين .. فأبى أن يخبره .. خوفاً على الراهب ..
فأمر هذا الطاغية بالغلام .. فلم يزل يهان ويضرب .. ويبتلى ويعذب ..
وهو غلام صغير .. ما رحموا صغر سنه .. ولا ضعف جسده .. ولا قلة احتماله ..
وهو يحاول التصبر فلا يستطيع ..
حتى عظمت بلواه .. وانهارت قواه .. فدلهم على الراهب ..
فانطلق أعوان الطغيان .. إلى عابد الواحد المنان ..
فاقتحموا عليه صومعته .. وقطعوا خشوعه وخشيته ..
ثم استاقوه أمامهم .. إلى رأس كفرهم ..
حتى دخلوا به على الملك ..
فأوقفه بين يديه .. ثم أقبل عليه .. وقال : ارجع عن دينك ..
قال : لا .. وأبى .. فعذبه وضربه .. وهو ثابت على عبادة الرحمن .. كافر بأعوان الشيطان ..
وهم وإن عذبوا جسده .. فإن الله قد وعده .. يتلقاه بالغفران .. ويسكنه الجنان ..
فلما رأوا ثباته .. اجتمع عليه الجنود .. هذا يضربه بسوط .. وذاك يطعنه بخنجر .. والثالث يقيد يديه .. والرابع يجلد قدميه ..
شيخ قد كبرت سنه .. وانحنى ظهره .. ورق عظمه .. وتراكم همه ..
وهم يزيدون في العذاب .. وهو يتلذذ بعظيم الأجر والاحتساب ..
فلما رأى الملك ذلك ..
أمر به فأوقف بين يديه ..
ثم دعا بالمنشار .. فوضع المنشار في مفرق رأسه .. فشقه نصفين حتى وقع شقاه ..
فاضطرب الناس وفزعوا ..
وجليس الملك والغلام .. ينظران إلى الراهب .. قد تمزق قطعاً وأشلاء .. تسيل منه الدماء .. وقد صعدت روحه إلى السماء ..
ثم التفت الملك إلى الوزير .. وصاح به : ارجع عن دينك .. فأبى ..
فأمسكه الجنود .. ووضع المنشار في مفرق رأسه .. وهو ثابت ثبات الجبال .. الجنة تلوح أمام ناظريه .. والأنهار تجري بين يديه ..
فلم يزل المنشار يشق رأسه .. ووجهه .. وفمه وأنفه .. ويقطع جسده .. وهو يضطرب ويئن ..
حتى سالت دماؤه .. وتمزقت أشلاؤه .. حتى وقع شقاه ..
والغلام ينظر إليه ..
فلما رأى الملك السفاح .. الدماء والأشلاء بين يديه ..
جرَّ إليه الغلام .. وصاح به : ارجع عن دينك .. فأبى .. وهو ينتظر المنشار أن يشقه نصفين ..
لكن الملك .. كان يرى أن هذا الغلام صغير .. يمكن أن يغرى فيرجع عن دينه ..
فأراد أن يطول الطريق إلى موته ..
فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ..
فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته ..
فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه ..
والملك يظن أن الغلام سيتراجع أثناء الطريق ..
فذهبوا به .. حتى وصلوا إلى الجبل .. فأخذوا يدفعونه أمامهم .. يصعدون به معهم ..
حتى إذا وصلوا ذروته .. قالوا له : ارجع عن دينك .. وإلا طرحناك ..
فتلفت الغلام حوله .. فإذا جبال سوداء .. وصخور صماء ..
وإذا الموت يلوح بين عينيه ..
عندها رفع بصره إلى السماء .. وهز أبوابها بالدعاء ..
وقال : اللهم أكفنيهم بما شئت ..
فما هو إلا أن دعا .. وتضرع والتجا ..
حتى سمعه من يجيب المضطر إذا دعاه .. ويكشف سوءه وبلواه ..
نعم .. سمعه من كان نعم المجيب لنوح لما دعاه .. وبرحمته كشف الضر عن يونس إذ ناداه ..
سمعه من كشف الضر عن أيوب .. ورد يوسف بعد طول غياب إلى يعقوب ..
فأمر الله حجارة الجبل فتحركت .. وأمر الصخور فانتفضت .. وارتجف الجبل بإذن الله ..
فسقط أولئك الجنود .. من على ذروة الجبل ..
وثبت الله قدمي الغلام .. وحفظه الملك العلام .. حتى نزل من على الجبل ..
وجاء يمشى إلى الملك .. فلما دخل عليه . وقف بين يديه ..
فانتفض الملك .. وتعجب أين الحرس والجنود ..
ثم صاح بالغلام .. وقال : ما فعل أصحابك ؟!!
فقال الغلام : كفانيهم الله ..
فتطاول الملك بطغيانه .. وصار عبداً لشيطانه ..
وأمر بالغلام .. فأمسكه جند آخرون ..
فقال لهم الملك : اذهبوا به .. فاحملوه في قرقور .. سفينةٍ صغيرة .. فتوسطوا به البحر .. فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ..
فذهبوا به يسوقونه أمامهم .. فلما وصلوا إلى البحر .. ركبوا في سفينتهم .. والغلام الصغير بينهم ..
حتى إذا توسطوا به لجة البحر .. واشتدت الرياح .. وتلاطمت الأمواج ..
قالوا له : ارجع عن دينك .. وإلا قذفناك ..
فرفع الغلام بصره إلى السماء .. واستغاث بكاشف الضر والبلاء ..
الذي من لجأ إليه كفاه .. ومن فر إليه قربه وأدناه ..
قال الغلام : اللهم أكفنيهم بما شئت ..
فإذا بالدعاء .. يصل إلى الذي لا رادّ لأمره .. ولا معقب لحكمه .. ولا منازع في ملكه ..
أزِمة الأمور بيده .. والكون تحت قضائه وقدره ..
يسمع دعاء الداعين .. ويجيب دعوة المضطرين ..
فأمر الله السفينة فانكفأت فوق الماء .. وبدأ الصياح والبلاء ..
فغرق الجنود .. ونجى الغلام ..
وجاء يمشى إلى الملك ..
فلما رآه الملك .. اشتد فزعه .. واضطرب أمره .. وأخذ ينتفض ويقول :
ما فعل أصحابك ؟!!
فقال : كفانيهم الله ..
فأسقط في يد الملك وأحاط به البلاء .. وعلم أنه لا طاقة له بغلام ينصر بجند الأرض السماء ..
وبقي الملك متحيراً ..
فقال له الغلام .. إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ..
قال : وما هو ؟!
قال : تجمع الناس في صعيد واحد .. أرض واحدة .. وتربطني على جذع نخلة ..
ثم خذ سهماً من كنانتي .. من سهامي لا من سهامك .. ثم ضع السهم في كبد القوس ..
ثم قل : باسم الله رب الغلام .. ثم ارمني .. فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ..
فوافق ذلك الملك الأحمق ..
وجمع الناس في صعيد واحد .. وربط الغلام أمامهم على جذع نخلة ..
فلما رآه الناس مربوطاً عرفوه ..
فهو الذي يشفي بإذن الله أسقامهم .. ويداوي مرضاهم .. ويعين ضعفاءهم .. ويرحم جوعاهم ..
ثم التفتوا إلى الملك الطاغية ..
فإذا هو قد جمع حوله جنده .. واغتر بقوته .. وتطاول بسطوته ..
ثم أقبل الملك على سهام الغلام ..
فأخذ منها سهماً .. ثم وضع السهم في كبد القوس .. ثم صاح قائلاً ..
باسم الله رب الغلام .. ثم رماه ..
فوقع السهم في صدغ الغلام .. بين عينه وأذنه ..
فوضع الغلام يده في صدغه .. في موضع السهم ومات ..
ففرح الملك .. وظن أنه قد انتهى من أمره .. وذهب إلى قصره وكفره ..
أما الناس .. فإنهم لما رأوا موت الغلام .. علموا أن الله وحده هم الضار النافع .. والخافض الرافع .. وأن الملك بشر من البشر .. لا يملك النفع والضر ..
فقال الناس : آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام ..
فتسابق أعوان الملك إليه .. وتزاحموا بين يديه .. وقالوا .. أرأيت ما كنت تحذر ؟! قد والله نزل بك حذرك ..
أجزعت أن آمن ثلاثة .. فقد آمن الناس ..
فغضب الملك .. وأمر بالأخاديد والحفر العظيمة .. فحفرت في الطرقات .. ثم أشعلت فيها النيران ..
وجُمع الناس حولها .. وقيل لهم :
من لم يرجع عن دينه أقحمناه فيها .. فجعل المؤمنون يتساقطون في النار .. رجالاً ونساءً .. كباراً وصغاراً .. شيباً وشباناً ..
حتى جاءت امرأة .. ومعها صبي لها صغير .. ترضعه ..
فقيل لها .. ارجعي عن دينك وإلا قذفناك في النار ..
فنظرت إلى حفر النيران ..
فرأت الناس تذوب فيها أجسادهم .. وتتفجر رؤوسهم .. وتسيل دماؤهم ..
فخفضت رأسها تنظر إلى صغيرها .. فإذا فمه على ثديها .. يرضع من لبنها ..
فتقاعست أن تقع في النار .. وكادت أن تطاوع الكفار ..
فأنطق الله ولدها .. فقال لها .. يا أماه .. اصبري فإنك على الحق ..
فقذفت نفسها في النار ..
ومات المؤمنون .. والملك وأعوانه ينظرون ..
لكن الله فوقهم يرقب .. والملائكة تشهد وتكتب .. والله يخبر بسخطه ويغضب ..
[ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ] ..
* * * * * * * * * *
نعم .. ذلك الفوز الكبير ..
ولئن فرح الملك وأعوانه ساعة .. فإن المؤمنين سيفرحون ساعات ..
وليس انتصاراً للكافرين .. أن يقتل المسلمون .. ولا أن يسجن المصلحون ..
وإنما النصر أن تبقى المبادئُ حيةً تُتبع .. ورايةُ الدين ترفع ..
وليمت الراهب والغلام .. ولتحرق الأم والأيتام ..
ولكن .. لتعلم الأجيال بعد ذلك الغلام .. أن هذا الدين عزيز .. تسكب لعزه الدماء .. وتتناثر الأشلاء ..
وتسحق لنصرته الجماجم .. ويكتب تاريخه بالدم ..
ولإن كان الكافرون اليوم يتفاخرون .. بجنود لهم يموتون .. لنصرة تراب أوطان .. أو عز وسلطان ..
أو يدفعونهم إلى ساحات القتال .. بعطايا وأموال ..
فإننا نفخر بقوم يموتون اليوم .. وتطير أرواحهم غداً في أجواف طير خضر ..
تتنعم في الجنة كيف شاءت ..
وما ضر الراهب ولا الغلام .. ولا الوزير والأيتام ..
أن صبروا على شدة القتل ساعة .. إذا كانوا اليوم .. قد حطوا رحالهم في الجنات .. وذبهت الأنات .. وحلت الخيرات ..
وكفرت السيئات .. وانقضت الحسرات .. ونسيت الكربات ..
برب يفرح بلقياهم ويفرحون .. ويعطيهم ما يؤملون ..
ويشفي صدورهم .. بالنظر إلى الكافرين يتعذبون .. وفي النيران يتقلبون ..
[ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ] ..
* * * * * * * * * *
نعم والله .. قد ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ..
أما الغلام فيتنعم اليوم .. وقد مات في الدنيا .. ومات المؤمنون ..
يموتون .. والله قادر على نصرهم في طرفة عين ؟!
يموت الغلام .. الذي دكت من أجله الجبال .. وثارت لنصره البحار ..
نعم ..
وربك يفعل ما يشاء ويختار ..
ينصر عباده متى شاء .. ويؤخر النصر إذا شاء .. وله في كل ذلك حكمة وغاية ..
يخرج النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة .. فينام تحت شجرة .. فما يوقظه إلا صياح كافر .. قد رفع عليه السيف وهو يقول : من يمنعك مني .. فيقول صلى الله عليه وسلم : يمنعني منك .. الله .. فيسقط السيف من يد الكافر .. بل ويخر الكافر صريعاً .. ويمنعه الله من الموت ..
ويذهب يوماً إلى يهود خيبر .. فيجلس تحت جدار .. فيعزمون على قتله .. فيصعد أحدهم فوق الجدار .. يحمل رحى عظيمة .. فلما كاد أن يلقيها .. يأمر الله نبيه فيقوم من مكانه .. وتسقط الرحى على الأرض .. ويمنعه الله من الموت ..
ومع ذلك .. تضع له اليهودية سماً في شاة .. فلا يُنبَّئ بخبر السم حتى نهش منها نهشة .. فيصيبه سمها .. فلم يزل يعاوده أثر السم حتى مات بسببه ..
وهذا حال أنبياء الله ورسله .. منهم من يعجل له النصر .. ومنهم من يتأخر عنه ..
إبراهيم عليه السلام .. يلقى في النار .. فيقول الله لها كوني برداً وسلاماً على إبراهيم .. ويلبث فيها أياماً حتى خمدت .. وخرج يمشي ليس به بأس .. ويمنعه الله من الموت ..
ونوح عليه السلام .. يكيد له قومه .. فينادي ربه أني مغلوب فانتصر .. فإذا بهذه الكلمات الثلاث .. تهز أبواب السماء فتتدفق بماء منهمر .. وتهز طبقات الأرض فتتفجر عيوناً .. ويهلك المكذبون .. ويمنع الله نبيه عليه السلام ..
ولوط عليه السلام ينادي .. فينجيه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث .. وينجي الله نبيه عليه السلام ..
وانظر إن شئت إلى شعيب .. وإن شئت فانظر إلى هود .. وطالع حال صالح وموسى .. عليهم السلام ..
عجائبُ في نصر الله لهم ..
ومع ذلك .. يُقتل زكريا عليه السلام .. ويذبح يحي .. ويؤذى عيسى حتى رُفِع ..
وله سبحانه الحكمة البالغة .. في تقدير النصر والهزيمة ..
والحق منصور وممتحن فلا تعجب فهذي سنة الرحمن
ولا يضيع الله أجر المحسنين .. سواء ظهر نصرهم في الدنيا أو لم يظهر .. فإنما عليك إلا البلاغ والله بصير بالعباد ..
لكن اليقين عندنا الذي لا يخالطه شك .. أن الله كما نصر محمداًصلى الله عليه وسلم .. وكشف الكفر عن البيت العتيق .. فسوف ينصر أتباعه إلى يوم الدين .. إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ..
فلو أبصرت عيناك وجه محمد ورأيت ما يجري بدار الأرقم
ورأيت مكة وهي تغسل وجهها بالنور من آثار ليل مظلم
وفتحت نافذة لتسمع ما تلا جبريل من آي الكتاب المحكم
ورأيت ميزان العدالة قائماً يُقتص فيه ضحىً من ابن الأيهم
ورأيت كيف غدا بلال سيداً ومضى الطغاة إلى شفير جهنم
لغسلت سيف الحر من صدأ الثرى وعزفت في الميدان ركض الأدهم
وبذلت هذي النفس حتى ينجلي عن قبح وجه الخائن المتلثم
وأرحتنا من كل صاحب زلة يوحي إليك بقصة ابني ضمضم
كم فارس من قومنا لما رأى لهب الرصاص أدار مقلة غيلم
ترك الضحايا خلفه وسعى إلى قبو ليغمض مقلتيه ويحتمي!!
* * * * * * * * * *
ولكن لا يزال للدين فوارس .. يغشون الوغى ويعفون عند المغنم ..
يصاب سعد بن معاذ في الخندق .. فيموت ..
فينزل سبعون ألف ملك من السماء .. يتقدمهم جبريل إلى خاتم الأنبياء ..
فيسرع جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام .. فيقول : يا محمد .. من هذا من أصحابك الذي مات فاهتز لموته عرش الرحمن .. وفتحت له أبواب السماء ..
فيقوم النبي عليه الصلاة والسلام مسرعاً .. ينظر من الذي مات .. يتفقد أصحابه .. أين أبو بكر ؟ عمر ؟ عثمان .. علي .. طلحة ..
فلما خرج فإذا سعد بن معاذ قد مات ..
رجل قد خدم الدين .. وجاهد لرب العالمين ..
فلما مات .. ما فقدته زوجة وولد ودابة ..
وإنما اهتز لموته عرش الرحمن ..
وفقده مسجده ومحرابه .. وسيفه وحرابه ..
بل بكت لموته الأرض والسماء .. وعم الناسَ البكاء ..
لأنه ما عاش لنفسه .. ولا لبيته وفلسه .. وإنما عاش لينصر هذا الدين .. أنفق لأجله ماله .. وفارق داره عياله ..
حتى مات .. فاستبشر أهل السماء بقدومه ..
* * * * * * * * * *
نعم سعد يموت .. فيهتز لموته عرش الرحمن ..
وحنظلة يموت .. فتغسله ملائكة المنان ..
وعاصم بن ثابت يموت .. فيرسل الله إليه جنداً تحمي جسده ..
أما عبد الله أبو جابر فيموت .. في معركة أحد .. ويترك سبع بنيات أيتام ..
فيقبل إليه ولده جابر .. وقد غطوه بثوب .. فجعل يكشف عن وجهه ويبكي .. فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم .. فقال : تبكيه أو لا تبكيه .. ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه ..
ثم قال صلى الله عليه وسلم .. يا جابر .. ألا أخبرك .. إن الله كلم أباك كفاحاً .. فقال : يا عبدي سلني أعطك .. قال :
أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً .. فقال : إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ..
قال : يا رب فأبلغ من ورائي .. فأنزل الله [ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ] ..
ويقرأ الصالحون من بعده هذه الآيات .. فيشتاقون للقاء إخوانهم في الجنات .. فيخوضون الطريق إليها غير مبالين بقلة العدد .. وضعف العدة .. وندرة المناصر ..
أنس بن النضر .. في معركة أحد لما قتِّل المسلمون .. وظهر الكافرون .. وأشيع أن النبي عليه الصلاة والسلام قتل .. واضطرب الناس ..
مرّ أنس بن النضر .. بعمر وطلحة ونفر من الصحابة .. قد تجنبوا ساحة القتال .. وألقوا بسلاحهم ..
فقال : ما يجلسكم ؟
قالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فصاح بهم وقال : فما تضنون بالحياة بعد ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ثم رفع بصره إلى السماء وقال : اللهم إني أعتذر إليك مما فعل هؤلاء .. وأبرأ إليك مما يفعل أولئك ..
ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل .. فوجدوه بين القتلى .. في جسده أكثرُ من سبعين ضربة .. قد مزق جسده .. واغبرّ وجهه .. وسالت دماؤه .. وما عرفته إلا أخته .. بعلامة في طرف أصبعه ..
* * * * * * * * * *
وكما أن في الرجال أبطال .. يصبرون على القيد والأغلال .. والرمي بالنبال ..
ففي النساء كذلك .. صالحات قانتات .. منيبات صابرات .. علقن أنفسهن بالجنات .. وأحبهن رب الأرض والسموات ..
منهن أم عمار بن ياسر .. سميةَ بنتِ خياط ..
لها خبر عجب ..
كانت أمة مملوكة لأبي جهل .. فلما جاء الله بالإسلام .. أسلمت هي وزوجها وولدها ..
فجعل أبو جهل يفتنهم .. ويعذبهم .. ويربطهم في الشمس حتى يشرفوا على الهلاك حراً وعطشاً ..
فكان e يمر بهم وهم يعذبون .. ودماؤهم تسيل على أجسادهم .. وقد تشققت من العطش شفاههم .. وتقرحت من السياط جلودهم .. وحر الشمس يصهرهم من فوقهم ..
فيتألم e لحالهم .. ويقول : صبراً آل ياسر .. صبراً آل ياسر .. فإن موعدكم الجنة ..
فتلامس هذه الكلمات أسماعهم .. فترقص أفئدتهم .. وتطير قلوبهم .. فرحاً بهذه البشرى ..
وفجأة .. إذا بفرعون هذه الأمة .. أبي جهل يأتيهم .. فيزداد غيظه عليهم .. فيسومهم عذاباً ..
ويقول : سبوا محمداً وربه .. فلا يزدادون إلا ثباتاً وصبراً .. عندها يندفع الخبيث إلى سمية .. ثم يستل حربته .. ويطعن بها في فرجها .. فتتفجر دماؤها .. ويتناثر لحمها .. فتصيح وتستغيث .. وزوجها وولدها على جانبيها .. مربوطان يلتفتان إليها ..
وأبو جهل يسب ويكفر .. وهي تحتضر وتكبر .. فلم يزل يقطع جسدها المتهالك بحربته .. حتى تقطعت أشلاءً .. وماتت t ..
نعم .. ماتت .. فلله درها ما أحسن مشهد موتها ..
ماتت .. وقد أرضت ربها .. وثبتت على دينها ..
ماتت .. ولم تعبأ بجلد جلاد .. ولا إغراء فساد ..
* * * * * * * * * *
أما أم شريك غزيةُ الأنصارية ..
أسلمت مع أول من أسلم في مكة البلد الأمين .. فلما رأت تمكن الكافرين .. وضعف المؤمنين ..
حملت هم الدعوة إلى الدين .. فقوي إيمانها .. وارتفع شأن ربها عندها ..
ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهن إلى الإسلام .. وتحذرهن من عبادة ألأصنام ..
حتى ظهر أمرها لكفار مكة .. فاشتد غضبهم عليها .. ولم تكن قرشية يمنعها قومها ..
فأخذها الكفار وقالوا : لولا أن قومك حلفاء لنا لفعلنا بك وفعلنا .. لكنا نخرجك من مكة إلى قومك ..
فتلتلوها .. ثم حملوها على بعير .. ولم يجعلوها تحتها رحلاً .. ولا كساءً .. تعذيباً لها ..
ثم ساروا بها ثلاثة أيام .. لا يطعمونها ولا يسقونها .. حتى كادت أن تهلك ظمئاً وجوعاً ..
وكانوا من حقدهم عليها .. إذا نزلوا منزلاً أوثقوها .. ثم ألقوها تحت حر الشمس .. واستظلوا هم تحت الشجر ..
فبينما هم في طريقهم .. نزلوا منزلاً .. وأنزلوها من على البعير .. وأثقوها في الشمس ..
فاستسقتهم فلم يسقوها ..
فبينما هي تتلمظ عطشاً .. إذ بشيء بارد على صدرها .. فتناولته بيدها فإذا هو دلو من ماء ..
فشربت منه قليلاً .. ثم نزع منها فرفع .. ثم عاد فتناولته فشربت منه ثم رفع .. ثم عاد فتناولته ثم رفع مراراً ..
فشربت حتى رويت .. ثم أفاضت منه على جسدها وثيابها ..
فلما استيقظ الكفار .. وأرادوا الارتحال .. أقبلوا إليها .. فإذا هم بأثر الماء على جسدها وثيابها ..
ورأوها في هيئة حسنة .. فعجبوا .. كيف وصلت إلى الماء وهي مقيدة ..
فقالوا لها : حللت قيودك .. فأخذت سقائنا فشربت منه ؟
قلت : لا والله .. ولكنه نزل علي دلو من السماء فشربت حتى رويت ..
فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : لئن كانت صادقة لدينها خير من ديننا ..
فتفقدوا قربهم وأسقيتهم .. فوجدوها كما تركوها .. فأسلموا عند ذلك .. كلهم .. وأطلقوها من عقالها وأحسنوا إليها ..
أسلموا كلهم بسبب صبرها وثباتها .. وتأتي أم شريك يوم القيامة وفي صحيفتها .. رجال ونساء .. أسلموا على يدها ..
* * * * * * * * * *
نعم .. أقوام هانت عليهم أنفسهم في سبيل الله .. فلم يلتفتوا إلى أجسادهم .. وإنما اهتموا بأرواحهم ..
وإذا كانت النفوس كباراً ** تعبت في مرادها الأجسام
لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وارتدت قبائل من العرب عن الإسلام ..
وظهر أمر ميلمة الكذاب .. وكثر أتباعه ..
انطلق جيش المسلمين لقتال مسيلمة في اليمامة في نجد من جزيرة العرب ..
مضى الجيش من المدينة إلى اليمامة .. فقطع أكثر من ألف كيل حتى وصل اليمامة ..
فإذا مسيلمة قد جمع أكثر من مائة ألف لقتال المسلمين ..
فما كاد المسلمون يستقرون .. حتى قام مسيلمة خطيباً في قومه فقال : اليوم يوم الغيرة .. فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم .. ولم يزل يحثهم .. حتى ثاروا ..
وابتدأ القتال .. وتنازل الأبطال ..
وقعقعت السيوف .. وتتابعت الـحُتوف ..
ورميت الرماح .. وارتفع الصياح ..
وغبرت خيل الرحمن .. وعلت أصوات الفرسان .. وفتحت أبواب الجنان .. وطارت أرواح الشهداء .. واشتاق الأولياء ..
وكان من أول من أصيب أبو عقيل الأنصاري ..أصابه في كتفه الأيسر سهم شل حركته .. فأخرج السهم .. فجرّوه إلى الخيام ..
فلما حمي القتال .. وظهر قوم مسيلمة .. وبدأ بعض المسلمين يفرون ..
وأبو عقيل على فراشه لا يقوى على الحركة ..
سمع صائحاً يقول : يا معاشر الأنصار ! الله الله والكرة على عدوكم ..
قال عبد الله بن عمر : فنهض أبو عقيل .. يتكئ على يمينه .. ويريد سيفه ..
فقلت : ما تريد ؟ ما فيك قتال ..
قال : قد نوه المنادي باسمي ..
قلت له : إنما يقول : يا للأنصار .. و لا يعني الجرحى ..
قال أبو عقيل : أنا من الأنصار وأنا أجيبه والله ولو حبواً ..
قال ابن عمر : فتحزم أبو عقيل .. وأخذ السيف بيده اليمنى ..
ثم خرج وهو ينادي : يا للأنصار ! كرةٌ كيوم حنين .. فاجتمِعوا رحمكم الله .. وجعل يصيح بهم .. ويضرب من رأى من الكفار بسيفه ..
قال ابن عمر : فنظرت إلى أبي عقيل .. وقد قطعت يده المجروحة من المنكب .. فوقعت إلى الأرض .. وجراحه تنزف ..
فلما انتهى القتال .. أقبلت ألتمسه .. فإذا هو صريع بآخر رمق ..
فقلت : أبا عقيل .. فقال ـ بلسان ملتاث ـ: لبيك لمن الدّبَرة ؟
قلت : أبشر .. قد قتل عدو الله ..
فرفع إصبعه إلى السماء وقال : الحمد لله .. ثم مات ..
وهزم الله قوم مسيلمة .. وهربوا وأخذوا يتفرقون في الشعاب ..
ولم يزل الصحابة يسوقونهم أمامهم .. ويضعون السيوف في رقابهم .. وهم مضطربون لا يدرون إلى أين يلجئون ..
حتى وقف حكم بن الطفيل من قوم مسيلمة ثم صاح بقومه :
تحصنوا بالحديقة ..
فتسابقوا إليها .. وقام هو على مرتفع يناديهم .. ويشير لهم .. فرماه عبد الله بن أبي بكر بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله ..
ودخل جيش مسيلمة الحديقة .. وكانت حديقة عظيمة .. طويلةٌ جدرانها .. محصنةٌ أطرافها ..
وأغلقوا بابها .. فجعل الصحابة يطوفون بجدرانها .. ويدفعون أبوابها ..
وقد اشتد حنقهم على الكفار ..
فأقبل البراء بن مالك .. هل رأيت البراء بن مالك ..؟؟ لم تره !!
كان نحيل الجسم .. دقيق الساقين .. صغير اليدين .. قصير القامة .. لكنه كان بطلاً قتل مائة مشرك مبارزة وحده .. فضلاً عمن قتلهم أثناء المعارك ..
أخذ البراء يطوف بالحصن كالأسد .. يزار من حرّ ما يجد .. كيف ينجو الكفار بهذه السهولة .. ثم أخذ ينظر إلى جدار الحديقة فإذا هو رفيع ..
فأقبل إلى باب الحديقة فإذا عنده عدد من الأصحاب ..
فقال لهم : يا معشر المسلمين .. احملوني في ترس .. وألقوني عليهم في الحديقة ..
فعجبوا .. كيف نلقيك وأنت واحد وهم مائة ألف ..
فلا زال بهم .. حتى حملوه في ترس .. ورفعوها بالرماح .. حتى بلغ أعلى الجدار .. فقفز وحده داخل الحديقة ..
فلم يرُعِ الكفار .. إلا وهو بين أيديهم .. فاجتمعوا عليه .. هذا يضربه بسيف .. وذاك يطعنه بخنجر .. والثالث يضربه بعصا ..
وهو يتقي هذا بترسه .. والآخرَ بسيفه .. ويدفع الثالث بيده .. ويزحف جهة الباب ليفتح للمسلمين .. ودماؤه تسيل .. ولحمه يتساقط ..
حتى اتكأ على الباب ففتحه .. وتدافع المسلمون كالسيل إلى الحديقة .. واشتد فيها القتال .. حتى سميت بحديقة الموت ..
وهزم الله جند الكافرين .. أما البراء فقد مضى شهيداً مع المؤمنين ..
* * * * * * * * *
فسبحان من أغرى المنايا بأهله * كأن لها ثأراً .. وليس لها ثأر
ليختار من يختارُ منهم ويصطفي * له الحكمة العُلياْ .. له النهي والأمر
دعتهم ثغور العز من كل موطن * فطاروا سراعاً ما لهم دونها صبر
نفى عنهمُ همًّ التنعم هـمُّهم * فأبدانهم شعث .. وأثوابهم غُبْر
نحافاً وسمراً كالرماح تراهمُ * وتحمد عند الطعن شُعثَ القنا السمر
مضوا يشربون الموت كأساً شهية * ولو أن طعم الموت مستثقل مر
ولكنَّ في ذات الإله ودينه * لمن أُشْرب الإيمانَ .. يُسْتعذب الصِّبر
أبوا أن يعيشوا كالعبيد بعالم * تحَكمَ فيه الظلم .. واستحكم الكفر
ففي الأرض منأى للكريم عن الأذى * وفي الموت منأى عنه إن لزم الأمر
فما عاش من عاش الحياة بذلة * ولو طال ذاك العيش ما بقي الدهر
* * * * * * * * * *
وإن شئت أن تنظر إلى البطولة في عزها .. والعزة في بطولتها ..
فارجع إلى خلافة عمر بن الخطاب .. ثم اخرج مع الجيش الغازي إلى الشام .. سبعةُ آلاف بطل يتقدمهم سعد بن أبي وقاص ..
مضوا يسيرون على الحصى .. منهم الراكب على فرس ومنهم الراكب على بعير .. ومنهم من يمشي على قدميه ..
فلما وصلوا إلى ديار الفرس .. فإذا الفرس ينتظرونهم بجيش أكثر من ثمانين ألفاً .. معهم أحدث آلات القتال ..
فلما نزل سعد بجيشه .. أرسل بعض أصحابه إلى ملكهم العظيم كسرى يدعونه إلى الإسلام ..
فلما دخلوا عليه .. أجلسهم بين يديه .. وكان متكبراً مغتراً بملكه ..
فجعل ينظر إليهم بطَرف عينه .. ويشير إلى ملابسهم .. ويستهزئ بهم .. ويقول : ما تسمون هذا ؟ ويشير إلى أحذيتهم .. فيقولون : نعال .. فيقول : وهذا ؟ فيقولون : رداء .. ثم جعل يشير إلى عصيهم .. ويقول : وهذا .. فيقولون : سياط ..
ثم اتكأ وقال : ما الذي أقدمكم هذه البلاد ؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟
إني لا أعلم في الأرض أمةً كانت أشقى .. ولا أقل عدداً .. ولا أسوأ ذات بينٍ .. منكم .. قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم ..
فإن كان الجوع دعاكم .. فرضنا لكم قوتاً وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم ..
سكت القوم والتفت بعضهم إلى بعض ..
عندها تكلم البطل .. قام المغيرة بن شعبة .. فقال : أيها الملك .. إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً ..
فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أحد أسوأَ حالاً منا ..
وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع .. كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات .. ونرى ذلك طعامَنا ..
وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض .. ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ..
ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً ..
وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حيةٌ كراهية أن تأكل من طعامه ..
حتى بعث الله إلينا رجلاً فدعانا إلى الله .. فنشهد أنه جاء بالحق من عند الحق ..
فنحن ندعوك إلى دينه .. فاختر إن شئت :
الجزيةَ وأنت صاغر .. وإن شئت فالسيف .. أو تسلمُ فتنجي نفسك ..
فعضب كسرى .. وقال : ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستمَ حتى يدفنَه وجندَه في خندق القادسية ..
فلما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالمٍ يسأله ..
فبعث إليه ربعي بن عامر ..
فما وصل ربعي إلى إيوان رستم ..
جلس رستم على سرير من ذهب .. ولبس التاج ..
وأمر فزينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير ..
وأظهروا اليواقيتَ واللآلئَ الثمينة .. والزينةَ العظيمة ..
ثم أَذن لربعي ..
فدخل ربعي بثياب صفيقة .. وسيف قصير .. وفرس قصير .. ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط .. ثم نزل فربطها ببعض تلك الوسائد .. وأقبل يمشي إلى رستم .. وعليه سلاحه ودرعه .. وبيضته على رأسه ..
فقالوا له : ضع سلاحك .. فقال : إني لم آتكم .. وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت ..
فقال رستم : ائذنوا له .. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق ..
فقال رستم : ما جاء بكم ؟
فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى رب العبادة ..
ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ..
فمن قبل رجعنا عنه .. ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله ..
قال : وما موعود الله ؟
قال : الجنة .. لمن مات .. والنصر لمن بقي ..
فقال رستم : هل لكم أن تؤخرونا حتى ننظر ؟
قال : نعم ! كم أحبَّ إليكم ؟ يوماً أو يومين ؟
قال : لا .. بل حتى نكاتب أهل رأينا ..
فقال : ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ..
ثم خرج ربعي ..
فالتفت رستم إلى أصحابه .. وقال : هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟
فقالوا : معاذ الله أن تدع دينك إلى هذا الكلب .. أما ترى ثيابه ..
فقال : ويلكم لا تنظروا إلى الثياب .. وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ..
وتمضي الساعات .. ثم يبتدأ القتال ويهزم الله رستم وأصحابه ..
فروا فرارا ، يجمحون كأنهم * من الذعر فئران تملكها الذعر
إذا ما نزلنا ساحة الكفر في الوغى * تفشى هناك الموت وانتشر الذعر
فإن نحن نلنا ما نريد ونبتغي *فذاك .. وإلا كان في موتنا عذر
ويصطفي الله من المؤمنين شهداء .. ويورث الباقين أرض الكفار وديارهم وأموالهم ..
فسلوا فخامة كسرى عن كتائبنا وجيشه الضخمَ لما مُدَّت القضبُ
سرى يجر ذيول الخزي منـهزماً وكُسِّرت عنده التيجان والحجبُ
* * * * * * * * * *
بل كان الأبطال .. لا يكتفون بالاعتزاز بدينهم .. ولا ببذل أموالهم وأجسادهم .. بل كانوا ينظرون إلى كل ما يستطيعون تقديمه للدين فيقدمونه .. من خبرة ومال .. أو حنكة قتال .. أو عقل راجح ..
أول ما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة .. كان أهلها أخلاطاً من يهود ومشركين .. ومسلمين .. فأراد صلى الله عليه وسلم أن يستصلح المدينة .. ويجمع أهلها على التوحيد ..
وكان كعب بن الأشرف رأساً من رؤوس اليهود يقف له في كل سبيل .. ويصد عن سبيل الله من آمن ..
بل كان يحرض على قتال المسلمين .. وينشد الأشعار .. ويندب من قتل من المشركين يوم بدر .. وكان شاعراً يشبب بنساء المسلمين .. ويهجو النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابَه ..
بل مضى إلى مكة .. يحرض قريشاً على قتال المسلمين .. وإيذاء المستضعفين ..
فسأله كفار قريش لما رأوه يهودياً من أهل الكتاب .. قالوا : يا كعب .. أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه .. ؟ فإنا نطعم الجزور الكوماء .. ونسقي اللبن على الماء .. ونطعم ما هبت الشمال .. فقال لهم: أنتم أهدى منهم سبيلاً ..
فأنزل الله: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً " .. ثم لم يزل يحرضهم .. حتى ما خرج من مكة .. إلا وقد أجمعوا أمرهم على غزو النبي عليه الصلاة والسلام ..
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .. قال لأصحابه يوماً :
من لكعب بن الأشرف .. فإنه قد آذى الله ورسوله ..
فابتدر محمد بن مسلمة وقال : أنا لك به يا رسول الله .. أنا أقتله ..
قال : فافعل إن قدرت على ذلك ..
فخرج محمد بن مسلمة .. ثم احتبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثلاثة أيام ..
وجعل لا يأكل ولا يشرب .. إلا ما يُعْلِق نفسَه ..
فذُكر حاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. فدعاه .. فقال : لم تركت الطعام والشراب ؟
فقال : يا رسول الله .. قلت لك قولاً لا أدري .. هل أَفِي لك به أم لا ..
قال : إنما عليك الجَهد ..
قال : يا رسول الله .. إنه لا بد لنا أن نقول له فيك شيئاً .. ليطمئن إلينا ..
قال : فقولوا ما بدا لكم .. فأنتم في حل من ذلك ..
فاجتمع محمد بن مسلمة وأبو نائلة وكان أخا كعب من الرضاعة .. وعزما على قتله ..
فذهب أبو نائلة إلى كعب .. فتحدث معه وتناشدا الشعر ثم قال :
يا كعب .. إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني ..
قال : أفعل ..
قال : كان قدوم هذا الرجلِ علينا بلاء ..
عادتنا العرب .. ورمتنا عن قوس واحدة .. وقطعت عنا السبيل .. حتى ضاع العيال .. وجهدت الأنفس .. وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا .. وإنه قد سألنا صدقة وعنَّانا .. ونحن لا نجد ما نأكل ولا ما يأكل أولادنا .. وإني قد أتيتك أستسلفك ..
فقال كعب : أنا ابن الأشرف ! أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلاّمة أن الأمر يصير إلى ما أقول .. وأيضا والله لتملنه ..
قال : إنا قد اتبعناه .. فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه .. وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين من تمر ..
فقال كعب : ما دام ليس معكم مال .. فارهنوني شيئاً يكون عندي حتى توْفُوني ..
قال : أيَّ شيء تريد ؟
قال : ارهنوني نساءكم ..
قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ..!!
قال : فارهنوني أبناءكم ..
قال : كيف نرهنك أبناءنا .. فيسب أحدهم .. فيقال : رُهن بوسق أو وسقين .. هذا عار علينا ..
ولكنا نرهنك السلاح ..
وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا به ..
فقال : إن في السلاح لوفاء ..
ثم واعده أن يأتيه ليلاً مع نفر يحملون معه التمر ..
فلما كان الليل أقبل أبو نائلة مع محمدِ بنِ مسلمة .. ورجلين ..
حتى انتهوا إلى حصنه .. فهتف به أبو نائلة .. يا أبا سعيد ..
فأجابه كعب .. ثم قفز من سريره لينزل إليه ..
فتعلقت به امرأته وقالت : أنت امرؤ محارَب .. وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة .. قال : إنه أخي أبو نائلة ..
فقالت : إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم ..
قال : إن الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب .. ثم أقبل عليهم ..
فقال محمد بن مسلمة لأصحابه ..
إذا ما جاء فإني قابض بشعره لأشمه .. ثم أشِمُّكم .. ثم أشمه أخرى .. فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ..
فلما وصل إليهم .. فإذا هو ينفح من ريح الطيب ..
فقال محمد بن مسلمة : ما رأيت كاليوم ريحاً ..
فقال كعب : عندي أعطرُ نساء العرب .. وأكملُ العرب ..
قال محمد : أتأذن لي أن أشم رأسك ؟
قال : نعم .. فشمَّه .. ثم قال : تأذن لأصحابي أن يشموا ..؟
قال : نعم ..
ثم مشى معهم قليلاً يتحدثون .. ثم قال محمد بن مسلمة : تأذن لي أن أشم أخرى ؟
قال : نعم .. فأدخل كلتا يديه في شعره .. وجرَّ رأسه إليه كأنه يشم .. فلما تمكن منه ..
صاح بأصحابه : اضربوا عدو الله !
فتسابقت إلى رقبته سيوفهم .. ومع شدة الظلام .. وتعدد السيوف .. وكثرة اضطرابه .. مزقوا رقبته ولم يصيبوا منه مقتلاً .. وجعل يخور ويصيح ..
قال محمد بن مسلمة : ثم صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار .. فذكرت رمحاً معي فأخذته .. فوضعته عند سرته .. ثم اتكأت عليه حتى بلغت عانته .. فوقع عدو الله ميتاً .. فرجعنا حتى وصلنا المدينة .. فأقبلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشرناه ..
فقال : أفلحت الوجوه .. قلنا : ووجهُك يا رسول الله أفلح ..
فلله در أولئك من أبطال .. تتفجر الشجاعة من عروقهم .. والإيمان من قلوبهم ..
ألا فليعلم الجبناء الذين يتكاسلون عن نصرة الدين .. أو يشكّون إذا رأوا تسلّط الكافرين ..
وليعلم الخورةُ والضعفاءُ .. الذين يضطربون إذا رأوا سلاح المشركين .. أو سمعوا عن جيش الملحدين ..
ليعلمْ هؤلاء وأولئك .. أن القوة ليست دائماً بدبابات وطائرات .. ولا مدافع وغواصات ..
وإنما العقل قوة .. والإيمان قوة .. والحيلة قوة .. بل والله يمد بقوة .. فالملائكة الأشداء .. والصخور الصماء .. والرياح العاتية .. والأمراض القاضية .. والكيد بالكافرين .. بإرعاب قلوبهم .. واختلاف كلمتهم .. وإبطال مكرهم ..
كلها قوى تسقط الطائرات .. وتغرق السفن والغواصات ..
وما يعلم جنود ربك إلا هو ..
يقف موسى عليه السلام .. أمام البحر .. فيضربه بعصاه .. فإذا بالبحر ينقلب جندياً من جنود الله .. فينشق يبساً للمؤمنين ويغرق الكافرين ..
ويلقى إبراهيم عليه السلام في النار .. فإذا بها تكون جندياً من جنود الله .. فتكون عليه برداً وسلاماً ..
ويجتمع الكفار لحرب محمد عليه الصلاة والسلام .. فإذا بالرياح تكون من جند الله .. فتفرق الكفار عن المدينة ..
ويغزو يوشع عليه السلام .. فيقبل عليه الليل وهو لم يفرغ من عدوه .. فإذا بالشمس تنقلب جندياً من جنود الله .. فتحتبس عن المغيب .. وتنير له الدرب .. حتى انتصر ..
ويقبل أبرهة من اليمن ليهدم الكعبة .. فإذا بطيور السماء .. تنقلب إلى جند من جند الله .. وترميه بحجارة من سجيل ..
ويتكبر النمروذ الكافر عن طاعة الله .. فإذا بالذباب يكون من جند الله .. فلا يزال يؤذيه في رأسه حتى مات ..
وما يعلم جنود ربك إلا هو .. وما هي إلا ذكرى للبشر ..
ألا فليعلم الناس جميعاً .. مسلمُهم وكافرهم .. برُّهم وفاجرهم ..
أن هذا الدين عزيز .. تسكب لأجل عزه الدماء .. وتسحق الأشلاء .. فيقوم هذا الدين على أشلاء أنبيائه .. وجماجم أوليائه .. وتوقد مصابيح الهداية بدم الشهداء الأبرار .. الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ..
ليعلموا أن ركب الإسلام سائر بإذن الله .. وأن الله سيُبلِغُ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار .. ولن يدع الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل .. عزاً يعز به الإسلام .. وذلاً يذل به الكفر .
فالأولى بالمقصرين من أهل الإسلام .. والمعادين له من أهل الكفر والشرك .. أن يستسلموا لشرع الله ..
[ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ] ..
إنها سنة الله في هذا الكون لا تتبدل ولا تتغير ..
إن النصر لا يتنزل كما ينزل المطر .. ولا يُمكن المؤمنون وهم قاعدون ..
ومع أن الله قادر على نصر عباده بكن فيكون .. إلا أنه جل جلاله ..
يبتليهم ويجعل طريق النصر صعباً وشائكاً ..
ليُميِّز الصادق من الكاذب .. ويَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ .. ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ..
وليتخذ الشهداء الأبرار .. وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ..
ولأن سلعته غالية .. ولا تشترى إلا بثمن غال .. بأرواح تزهق .. وأموال تنفق .. ودماء تسكب ..
ألا فليعلم الكسالى .. والذين يحبون الراحة والدعة .. أنه لا مكان لهم في صف الأبطال .. فليتنحوا عنه من الآن .. وإلا فإن الأحداث كفيلة بتطهير الصف منهم ..
سنة على سنة تراكم فوقها تعب الطريق وسوء حال المسلم
سنة على سنة وأمتنا على جمر الغضى والحزن يشرب من دمي
يا دار مأساة الشعوب تكلمي وعمي صباح الذل فينا واسلمي
إنا على المأساة نشرب ليلنا سهراً وفي حضن التوجس نرتمي
ما بين مؤتمر ومؤتمر نرى شبحاً يعبر عن خيال مبهم
التوصيات تنام فوق رفوفها نوم الفقير أمام باب الأشأم
شجب وإنكار وتلك حكاية ماتت لتحيا صرخة المستسلم
أأبا الفوارس وجه عبلة شاحب وأمام خيمتها حبائل مجرم
أأبا الفوارس صوت عبلة لم يزل فينا ينادي : ويك عنتر أقدم
ترنو إليك الخيل وهي حبيسة تشكو إليك بعبرة وتحمحم
أأبا الفوارس أمطرت من بعدكم سحبُ الهدى غيثاً هنيء الموسم
لو أن عينك أبصرت إسلامنالخرجت من كهف الضلال المعتم
لو عشت في الإسلام ما عانيت من لون السواد ولا نضحت بمنشم
* * * * * * * * * *
ولا يزال في الإسلام أبطال .. وأول خطوة في طريق البطولة ..
اتباع أوامر الرحمن .. لا بالهوى والنفس والشيطان ..
أول طريق البطولة .. أن تفتخر بطاعة رب العالمين .. وإظهار شعائر الدين ..
أن تجاهر باتباعك سنة خاتم الأنبياء .. وتتشبه برأس الأتقياء ..
إن البطولة أن تثبتَ على دينك .. وتعظمَ شرع ربك ..
ولا تلتفتَ إلى ابتلاء جاحد .. أو استهزاءِ حاقد ..
إن البطولة أن تقرر القرار الشجاع .. بالطاعة والاتباع .. ولا تروغَ روغان الثعالب ..
نعم .. لا تروغُ روغان الثعالب .. تطيع مرة وتعصي مرات .. أو تصلي مع المصلين .. ثم ترقص مع الراقصين .. لا .. بل خذ الكتاب بقوة ..
[أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ] ..
أخرج أبو داود .. عن عائشة t قالت :
والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار .. أشدَّ تصديقاً بكتاب الله .. ولا إيماناً بالتنزيل ..
لقد أنزل في سورة النور الأمرُ بحجاب المؤمنات [ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ] .. فسمعها الرجال.. ثم انقلبوا إليهن .. يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ..
.. يتلو الرجل على امرأته .. وابنته .. وأخته .. وعلى كل ذات قرابته ..
فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرطها - وهو كساء من قماش تلبسه النساء - .. فاعتجرت به .. - لفته على رأسها - ..
وقامت بعضهن إلى أزرهن فشققنها واختمرن بها ..
أي الفقيرة التي لم تجد قماشاً تستر به وجهها .. أخذت إزارها وهو ما يلبس من البطن إلى القدمين ثم شقت منه قطعة غطت بها وجهها ..
تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله في كتابه ..
قالت عائشة : فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان ..
نعم .. تنفيذ مباشر للأمر .. دون تردد أو روغان ..
* * * * * * * * * *
وعند الترمذي أنه جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام .. وعليه خاتم من حديد .. فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام خاتمه .. قال له : ما لي أرى عليك حلية أهل النار ..!! فطرحه الرجل فوراً ..وما رفعه إلى يده بعدها ..
وعند مسلم عن ابن عمر قال : مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء .. فقال : يا عبد الله .. ارفع إزارك .. فرفعته .. ثم قال : زد .. فزدت .. فما زلت أتحراها بعدُ ..
ومن البطولة أن تعمل بالدين .. وإن خالف الأمر هواك .. أو كان على غير مرادك ورضاك ..
نعم .. ليس المهم أن تقتنع بالحكم الشرعي .. لتعمل به ..
لأنك عبد ذليل مغلوب .. لعلام الغيوب ..
وكم من عبد تحدثه بحكم من أحكام الإسلام .. فلا ترى منه التسليم والاستسلام ..
وإنما يتذاكى بعقله .. ويبحث لنفسه عن المخارج والتأويلات ..
ولا تثبت قدم إلاسلام .. إلا على أرض التسليم والاستسلام .. لأحكام الملك العلام ..
وهذا حال المؤمنين ..
[ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ] ..
والأبطال حقاً .. هم الذين تعرض لهم الشهوات .. وتتدافع إليهم المحرمات ..
فيفرون إلى الله منها .. وتغلب عليهم محبته .. وتحيط بهم قوته ..
فهم ليسوا جبناء .. كلما زين لهم الشيطان شهوة طاروا إليها ..
فلا تراهم في حانة خمار .. ولا في مجالس فجار ..
قد عصمهم ربهم من أكل الربا .. وطهر أسماعهم من الغناء ..
بل .. قد يصيبهم العذاب والبلاء .. في سبيل طاعة رب الأرض والسماء ..
والأبطال ليس عندهم مجال للموازنة بين الدين والدنيا ..يختارونها تارة وهو تارة .. كلا .. بل الدين مقدم عندهم أبداً .. لا يخشون لأجله أحداً ..
إذا سلم لهم دينهم .. فلا عليهم ما فاتهم من الدنيا ..
وانظر إلى صهيب الرومي t ..
كان عبداً مملوكاً في مكة .. فلما جاء الله بالإسلام .. صدق وأطاع .. فاشتد عليه عذاب الكافرين ..
ثم أذن النبي عليه الصلاة والسلام للمؤمنين بالهجرة إلى المدينة .. فهاجروا ..
فلما أراد أن يهاجر معهم منعه سادة قريش .. وجعلوا عنده بالليل والنهار من يحرسه .. خوفاً من أن يهرب إلى المدينة ..
فلما كان في إحدى الليالي .. خرج من فراشه إلى الخلاء .. فخرج معه من يرقبه ..
ثم ما كاد يعود إلى فراشه حتى خرج أخرى إلى الخلاء .. فخرج معه الرقيب ..
ثم عاد إلى فراشه .. ثم خرج .. فخرج معه الرقيب ..
ثم خرج كأنه يريد الخلاء .. فلم يخرج معه أحد .. وقالوا : قد شغلته اللات والعزى ببطنه الليلة ..
فتسلل t .. وخرج من مكة .. فلما تأخر عنهم .. خرجوا يلتمسونه .. فعلموا بهربه إلى المدينة ..
فلحقوه على خيلهم .. حتى أدركوه في بعض الطريق .. فلما شعر خلفه .. رقى على ثنية جبل ..
ثم نثر كنانة سهامه بين يديه .. وقال :
يا معشر قريش .. لقد علمتم والله أني أصوبكم رمياً .. ووالله لا تصلون إليَّ حتى أقتل بكل سهم بين يدي رجلاً منكم ..
فقالوا : أتيتنا صعلوكاً فقيراً .. ثم تخرج بنفسك ومالك ..
فقال : أرأيتم إن دللتكم على موضع مالي في مكة .. هل تأخذونه .. وتدعوني أذهب ..
قالوا : نعم ..
فقال : احفروا تحت أسكفة باب كذا فإن بها أواقي من ذهب .. فخذوه ..
واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين من ثياب ..
فرجعوا وتركوه ..
ومضى يطوي قفار الصحراء .. يحمله الشوق ويحدوه الأمل .. في لقاء النبي عليه السلام وأصحابه ..
حتى إذا وصل المدينة .. أقبل إلى المسجد فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. في المسجد ..
وعليه أثر الطريق .. ووعثاء السفر ..
فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام .. قال : ربح البيع يا أبا يحيى .. ربح البيع يا أبا يحيى .. ربح البيع يا أبا يحيى .. ..
نعم والله ربح البيع ..
ولماذا لا يربح البيع .. وهو الذي هان عليه أن يترك المال الذي جمعه بكد الليل وتعب النهار .. ويترك الأرض التي ألفها .. والبلد التي عرفها .. والدار التي سكنها .. في سبيل طلب مرضاة الله ..
* * * * * * * * * *
هذه أخبار الأبطال .. ينسكب الدمع عند ذكرهم .. ويتسابق الدمع عند تذاكر أخبارهم ..
وأمتنا أغنى الأمم بالرجال العظماء ..
ولهم في النفوس مكانةٌ عاليةٌ .. ومنزلةٌ شامخةٌ ..
فوجودهم رحمة .. وذهابهم مصيبة ..
أصنافهم متعددة .. وأعمارهم مختلفة ..
فمنهم العالم الجليل .. والداعية النبيل ..
ومنهم العابد الرباني .. المجاهد الصادق ..
أبطال تبكي السماء لفقدهم .. وتحزن الأرض لفراقهم ..
بل ولا يزال الإسلام ينتظر اليوم مثلهم ..
* * * * * * * * * *

بينات
10-02-2008, 11:27 AM
لتحميل بقية المحاضرات اضغط هنا (http://www.salafishare.com/arabic/27DNL2WLOWJX/YIOGYA5.zip)

لا تنسونا من صالح الدعاء ..

عبد الله المحمدي
01-27-2009, 10:53 AM
جزاك الله ألف خيرا

abo_anas_200
04-15-2009, 10:18 PM
جزاك الله كل خير