عاتكة
10-01-2005, 06:20 PM
شرح موقف أهل السنة بالبرهان بضرورة صوم رمضان برؤية أي بلد من البلدان
رضا أحمد صمدي
في ظهر يوم الأربعاء 14 من فبراير 2001
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الدين يُسْرا ، وما جعل علينا فيه مِنْ حَرَج ، ملة أبينا إبراهيم ، هو سمانا المسلمين من قبل ، وفي هذا ليكون الرسول شهيدا علينا ، ونكون شهداء على الناس.
والصلاة والسلام على مَن أَرْشَدَ الأمة لأَقْوم سبيل ، وهداهم لأيسر طريق ، فأكمل الله به الدين ، وأتم به النعمة ، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .
وبعد : فقد حدث في هذا العام (1421هـ) أن اختلف الناس في هذه البلاد حول بدء صوم رمضان ، فذهب فريق إلى اعتماد أقوال الفلكيين ، وذهب فريق آخر إلى الأخذ برؤية البلدان الأخرى ، وذهب فريق ثالث إلى التشكيك في رؤية بعض البلدان وأخذ بعضها دون بعض وذهب فريق رابع إلى الأخذ بالرؤية في داخل البلاد وعدم الاعتداد بما عداها .
ومن جَرَّاء هذا الاختلاف اختلف صوم المسلمين ، فمنهم من صام :
1- يوم الأحد 26 من نوفمبر
2- ومنهم من صام يوم الإثنين 27 من نوفمبر
3- ومنهم من صام يوم الثلاثاء 28 من نوفمبر .
فكان الذين صاموا يوم الأحد من الذين وصلتهم الأنباء بثبوت الرؤية في الصين وهونج كونج وليبيا وجزيرة فيجي في الباسيفيك ، والذين صاموا يوم الإثنين لم يعتدوا برؤية من رآها في البلدان من المتقدمة وصام تبعا لرؤية غالبية الدول العربية والإسلامية وهو يوم الإثنين ، أما الفريق الثالث فهو الآخذ بالرؤية المحلية .
وينبغي التنويه أن الفريقين الأولين كلاهما من الآخذين بمذهب جمهور العلماء الذي يرى لزم الأخذ برؤية الهلال متى ما ثبتت وأين ما ثبتت ، دون تحديد بقطر أو اعتبار بأقوال الفلكيين .
وأما الفريق الثالث فهم الذين يعملون بالصحيح في مذهب الشافعية أن لكل مطلع رؤيته وأنه لا يتبع أهل مطلع رؤية مطلع آخر .
وأما الذين قالوا باتباع أقوال الفلكيين فإنهم صاموا يوم الثلاثاء أيضا باعتبار أن حساباتهم في هذه البلاد تشير إلى إمكانية رؤية الهلال يوم الإثنين دون غيره ، فعليهم إذا صوم الثلاثاء .
ومما زاد الأمر سوءا أن الاختلاف في عيد الفطر كان أشد مما كان عليه في بدء صوم رمضان ، فقد كان عيد الفطر في العالم على أربعة أيام متوالية .
1- يوم الإثنين 25 من ديسمبر . وذلك في بعض الأنحاء في نيجيريا .
2- يوم الثلاثاء 26من ديسمبر . وذلك في بعض الأنحاء في الصين وتايلند وفي ليبيا .
3- يوم الأربعاء 27من ديسمبر . وذلك في معظم دول العالم العربي والإسلامي وليس في كل الدول كما يزعم البعض .
4- يوم الخميس 28من ديسمبر . وذلك في موريشيوس وبروناي والهند وباكستان وبنجلاديش .
هذا الاختلاف زاد الأمر سوءا ، وأشعر الناس أن الأمة في اختلاف شديد ، ولكن اختلف التقدير في معرفة سبب هذا الاختلاف ، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وفي هذه الأوراق القليلة سنحاول أن نجلي بالحجة والبرهان أن صوم يوم الأحد 26 من نوفمبر ويوم العيد الثلاثاء 27هو الصواب الذي لا صواب غيره ، ونسأل الله أن يثبتنا على هذا الموقف وجميع محبي سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين.
أولا : الرد على أتباع الفلكيين .
انتشرت مجموعة من المعتنين بالحساب الفلكي في هذه البلاد ، وكان لهم جهد مشكور في عمل التقاويم الإسلامية ، لكن حظهم من العلوم الشرعية كان ضئيلا ، فظن القوم أن علمهم هذا يخول لهم الحديث عن الأمور الشرعية والحلال والحرام .
والأساس الذي بنينا عليه موقفنا في عدم اعتبار قول الفلكيين هو قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما : ( نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ ، الشهر هكذا وهكذا ) يعني تسعة وعشرون وثلاثون .
وقد أجمع أهل العلماء الذي يعتد بقولهم على عدم اعتبار أقوال أهل الفلك والحساب في إثبات الرؤية ( كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ) ، بناء على هذا الحديث الذي بين فيه صلى الله عليه وسلم كيفية الرؤية وأنها لا تعتمد على الحساب والكتابة ، وأنه مَبْنِيٌّ على العَدِّ العادي .
ولا يقال إن هذا فيه دعوة إلى الجهل والتخلف ، فمن اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقد كفر ، ومن خَطَّأَ أهلَ العلم لِفَهْمِهِمْ أن هذا الحديث يمنع من اعتماد الحساب في الأمور الأخرى مثل الفرائض والتجارة ونحو ذلك فقد افترى على العلماء وعليه جزاء المفترين.
غاية ما في الحديث بيانُ سهولة أمر ثبوت الرؤية وأنه لا يؤخذ فيه بالحساب لأن المقصود بالكتابة والحساب في ذلك الزمان العلوم التي تؤهل صاحبها لعمل الحساب الفلكي ،ولا شك أن هذا قليل في الأمة بل في كل الأمم ، وليس المقصود النهي عن مجرد الكتابة ، وكيف لنا أن نفهم أن هذا الحديث ينهى عن تعلم الكتابة والحساب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حَضَّ على تعلم الكتابة فقال : ( قَيِّدُوْا العِلْمَ بِالكِتَابَةِ ) رواه الخطيب البغدادي في تقييد العلم وله طرق يكون بمجموعها حسنا . كما حَضَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعلم الحساب ، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تَعَلَّمُوْا الفَرَائِضَ وعَلِّمُوْهَا) رواه ابن ماجة وفي إسناده مقال خفيف .
وبهذا يظهر عدم صحة مذهب من يرى اتباع حسابات الفلكيين ، حتى لو كانت صحيحة في نفس الأمر ، إلا أن الشارع لم يُعَلِّقْ عليها حكما شرعيا معتبرا ، حتى في تقدير العدة والنذور وتعليق الأحكام الشرعية على الأزمنة فمرده إلى التقدير الشرعي البسيط .
وهناك أمر آخر جدير بالتنبيه عليه ، وهو أن الرؤية التي ثبتت في الصين وفي هونج كونج وفي فيجي وفي ليبيا ( أي في مشرق الأرض ومغربه ) هي رؤية عين ، ورؤية العين يقينية ، والعددُ الذي رَأَى الهلال نَافَ على العشرين ( ستةَ عَشَرَةَ منهم في الصين ) ، ومثل هؤلاء يمثلون خبرا يفيد التواتر ، فلو حصل النفي من البلاد الأخرى بعدم الرؤية لا يكون نَفْيُهُمْ هذا تَوَاتُرَاً ، لأنَّ عَدَمَ العِلْمِ لَيْسَ عِلْمَاً بالعَدَم ، ولا يمكن أن يجتمع هؤلاء من مشارق الأرض ومغاربها على الكذب أو الجهل بطريقة الرؤية حال كون تلك الرؤية استند بعضها إلى حساب فلكي كما في ليبيا ، وبعضها استند إلى انتشار أفق الرؤية مثل ما كان في الصين ، حيث ثبت في شمالها وجنوبها .
ومعلوم أن الحسابات لا تخطئ ، ولكن الحاسب يخطيء ، ومعلوم أن التقدير العددي لا يَتَخَلَّف ، ولكن يقينيته عند المقدِّر والحاسب لا عند كل الناس ، فكيف نجعل ما هو يقين عن فرد يقينا عند سائر الناس ؟
الرد على من قال بالصوم برؤية كل بلد دون رؤية البلاد الأخرى
لاشك أن الخلاف في هذه المسألة مُعْتَبَرٌ ، وأن القائلين به من العلماء معدودون في الأئمة الأعلام ، ولكن هذا لا يدل على صحة المذهب والقول ، بل كل قول مَرَدُّه إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم .
ونحن ما زلنا نؤكد على أن الأمة لن تجتمع أو تَتَوَحَّدَ إلا بأن تُوَحِّدَ رؤيتها ، وتأخذ كل البلاد بالرؤية السابقة في أي بلد ظهر ، ولا مانع من الاستئناس بأقوال الفلكيين ، لكن لا تكون هي المحك في رفض الرؤية وقبولها ، بل المحك إنما هو في ثبوت الرؤية بالوجه الشرعي المعتبر الذي سنذكره لاحقا إن شاء الله .
والمذهب القائل بالأخذ برؤية البلد المحلية دون سائر البلاد معمول به في معظم الدول الإسلامية لغلبة التقليد واتباع المذاهب ، وعدم الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس أحد حجة في مسائل الشرع حتى لو كانت بلاد الحرمين ، لأن الحجة لا تكون إلا فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فمعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم تأكد أمره بتعليق الصوم والإفطار على الرؤية ، حيث قال فيما رواه البخاري وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ..,...) وفي رواية : ( إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا .. ) وهذا خطاب عام للأمة كلها أن تصوم بالرؤية ، لا تخصيص فيه ببلد أو بقوم أو بعشيرة أو بحدود سياسية أو بهيئة أو جمعية ، وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن ابن عمر قال : تَرَاءَى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه وأ مر الناس بصيامه .
وعن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الهلال قال أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا . رواه أبو داود والترمذي وقال : والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم قالوا تقبل شهادة رجل واحد في الصيام وبه يقول بن المبارك والشافعي وأحمد وأهل الكوفة قال إسحاق لا يصام إلا بشهادة رجلين ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين . ( ملحوظة : قد ثبت الخلاف كما بينه صاحب الفتح وسبل السلام ونيل الأوطار وغيرهم ) .
قال الصنعاني في سبيل السلام عند شرح هذا الحديث : فيه دليل على قبول خبر الواحد في الصوم ودلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة إذا لم يطلب صلى الله عليه وسلم من الإعرابي إلا الشهادة وفيه أن الأمر في الهلال جار مجرى الإخبار لا الشهادة .
وكل هذا صريح في عموم الأخذ بالرؤية دون تقييد أو تخصيص ، وأما ما استدل به القائلون باختلاف المطالع من حديث كُرَيْب عن ابن عباس في صحيح مسلم وغيره ، ومُلَخَّصُه أن كُرَيْبَاً كان بالشام ورأى الهلال مع معاوية بن أبي سفيان ليلة الجمعة ، ثم عاد إلى ابن عباس في الحجاز آخر شهر رمضان ، فلما سأله ابن عباس متى رأيتم الهلال : قال رأيناه ليلة الجمعة ، فأخبره ابن عباس أنهم رأوه في الحجاز ليلة السبت ، فقال له كريب : ألا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه ( وكان إذ ذاك هو الخليفة ) فقال ابن عباس : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهذا الحديث ليس صريحا في إثبات اختلاف المطالع ، فإن الحجة فيه إنما هو فيما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلام ابن عباس : هكذا أمرنا .. لا يحتمل إلا أن أمر رسول الله صلى الله وسلم هو قوله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته .. ) ، ففهم ابن عباس من ذلك أن له رؤية مستقلة وأنه لايلزمه اتباع معاوية .
وإذا كان هذا فهم ابن عباس فليس بحجة ، لأن قول الصحابي ليس بحجة عند جماهير العلماء إذا انفرد ، ولأن حديث كريب يتحدث عن العلم بالرؤية عند نهاية الشهر كما في بعض روايات الحديث ، وفي مثل هذه الحالة لايلزم أهل بلد رؤية البلد الآخر ، وفرض المسالة المختلف فيها فيما لو علم أهل بلد رؤية بلد آخر في أول الشهر هل يلزمهم أم لا ؟
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن الحسن البصري في رجل كان بمصر من الأمصار فصام يوم الإثنين وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد فقال لا يقضي ذلك اليوم الرجل ولا أهل مصره إلا أن يعلموا أن أهل مصر من أمصار المسلمين قد صاموا يوم الأحد فيقضونه.
وهذه الفتوى من الحسن البصري تثبت أن ما قاله ابن عباس إنما هو رَأْيٌ ارْتَآَهُ ، وفَهْمٌ فَهِمَهُ من الحديث وليس هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كما قد يَفْهَمُ البعض.
والعجيب أن في حديث كريب جواز مخالفة الرعية للإمام في صوم رمضان وفطره ، لأن ابن عباس خالف معاوية ولم يأخذ برؤيته ، ومع ذلك فأصحاب هذا المذهب يلزمون الناس بالأخذ برؤية حاكم كل إقليم دون غيره .
والأعجب من ذلك أن كل أهل العلم ممن قالوا بهذا الحديث لم يعلقوا الرؤية بالحدود السياسية وإنما علقه بعضهم بمطلع الهلال وبعضهم ربطه بمسافة القصر ، ولم يقل أحد من أهل العلم البتة أن الرؤية يعمل بها في إطار الحدود السياسية الجغرافية ، فهذا زور وبهتان وكذب على الشرع وعلى العلماء الأعلام .
وقس على ذلك ما حدث هذا العام ، فإن الرؤية التي ثبتت في الصين وهونج كونج تعتبر رؤية شرعية على كل المذاهب ، لأن الصين مطلع واحد مع تايلند ، ولو قدر أن الصين كانت في حدود تايلند لأخذوا بالرؤية ولكنها السياسية وآفاتها التي تفرض على البعض تحريف الدين وتشوي** .
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن شيخ الإسلام ابن تيمية أناط المسألة على بلوغ الخبر بوجه معتبر ، ولم يحدد ذلك بمطلع أو بمسافة أونحو ذلك .
وبهذا البيان يتضح لنا ضعف حجة أصحاب هذا المذهب ، والأمر يحتمل أكثر من هذا ولكن رغبة في الاختصار لجأنا إلى تسهيل العبارة وتقصيرها .
الرد على الرافضين للرؤية الشرعية للهلال في الصين هذا العام
مضى معنا أن ابن عمر رأى الهلال وحده فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالأخذ برؤيته ، وكذلك مر معنا حديث الأعرابي الذي أخبر برؤية الهلال فاعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم خبره وأمر الناس بالصيام .
وقد مضى علينا دهور عديدة ونحن نقرر هذا المعنى ونؤكد عليه في كل مناسبة ، وقد أجمع أهل العلم على قبول خبر الجَمْع الكثير في رؤية الهلال ، واختلفوا في قبول خبر الواحد ، والجمهور على قبوله ، لكنهم أجمعوا على أن المعتبر في الرائين أن يكونوا مسلمين ، وأنه لا تقبل شهادة الكافر والذي علم فسقه وفجوره .
ولو رأى هلال رمضان مسلم واحد فلا أظن أن هناك خلاف بين أهل السنة القائلين باتحاد المطالع في قبول خبره والعمل بمقتضاه .
وما زال أهل السنة في تايلند يعملون برؤية السعودية مع أنها في كثير من السنين كانت تدخل رمضان برؤية واحد ، وكان ذلك الواحد لا نعرف عنه أي شيء سوى أنهم اعتمدوا شهادته في إحدى المحاكم .
وقد حصلت المشكلة في هذه السنة حينما تواتر الخبر برؤية الهلال في الصين ، فاضطرب بعض أهل السنة وحاق بهم من القلق والشك والحيرة ما الله به عليم ، وهدى الله أهل الإيمان واليقين والسنة الحقة على الثبات على ما كانوا عليه ، فنحمد الله تعالى على ما أنعم من توفي وهداية.
رضا أحمد صمدي
في ظهر يوم الأربعاء 14 من فبراير 2001
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الدين يُسْرا ، وما جعل علينا فيه مِنْ حَرَج ، ملة أبينا إبراهيم ، هو سمانا المسلمين من قبل ، وفي هذا ليكون الرسول شهيدا علينا ، ونكون شهداء على الناس.
والصلاة والسلام على مَن أَرْشَدَ الأمة لأَقْوم سبيل ، وهداهم لأيسر طريق ، فأكمل الله به الدين ، وأتم به النعمة ، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .
وبعد : فقد حدث في هذا العام (1421هـ) أن اختلف الناس في هذه البلاد حول بدء صوم رمضان ، فذهب فريق إلى اعتماد أقوال الفلكيين ، وذهب فريق آخر إلى الأخذ برؤية البلدان الأخرى ، وذهب فريق ثالث إلى التشكيك في رؤية بعض البلدان وأخذ بعضها دون بعض وذهب فريق رابع إلى الأخذ بالرؤية في داخل البلاد وعدم الاعتداد بما عداها .
ومن جَرَّاء هذا الاختلاف اختلف صوم المسلمين ، فمنهم من صام :
1- يوم الأحد 26 من نوفمبر
2- ومنهم من صام يوم الإثنين 27 من نوفمبر
3- ومنهم من صام يوم الثلاثاء 28 من نوفمبر .
فكان الذين صاموا يوم الأحد من الذين وصلتهم الأنباء بثبوت الرؤية في الصين وهونج كونج وليبيا وجزيرة فيجي في الباسيفيك ، والذين صاموا يوم الإثنين لم يعتدوا برؤية من رآها في البلدان من المتقدمة وصام تبعا لرؤية غالبية الدول العربية والإسلامية وهو يوم الإثنين ، أما الفريق الثالث فهو الآخذ بالرؤية المحلية .
وينبغي التنويه أن الفريقين الأولين كلاهما من الآخذين بمذهب جمهور العلماء الذي يرى لزم الأخذ برؤية الهلال متى ما ثبتت وأين ما ثبتت ، دون تحديد بقطر أو اعتبار بأقوال الفلكيين .
وأما الفريق الثالث فهم الذين يعملون بالصحيح في مذهب الشافعية أن لكل مطلع رؤيته وأنه لا يتبع أهل مطلع رؤية مطلع آخر .
وأما الذين قالوا باتباع أقوال الفلكيين فإنهم صاموا يوم الثلاثاء أيضا باعتبار أن حساباتهم في هذه البلاد تشير إلى إمكانية رؤية الهلال يوم الإثنين دون غيره ، فعليهم إذا صوم الثلاثاء .
ومما زاد الأمر سوءا أن الاختلاف في عيد الفطر كان أشد مما كان عليه في بدء صوم رمضان ، فقد كان عيد الفطر في العالم على أربعة أيام متوالية .
1- يوم الإثنين 25 من ديسمبر . وذلك في بعض الأنحاء في نيجيريا .
2- يوم الثلاثاء 26من ديسمبر . وذلك في بعض الأنحاء في الصين وتايلند وفي ليبيا .
3- يوم الأربعاء 27من ديسمبر . وذلك في معظم دول العالم العربي والإسلامي وليس في كل الدول كما يزعم البعض .
4- يوم الخميس 28من ديسمبر . وذلك في موريشيوس وبروناي والهند وباكستان وبنجلاديش .
هذا الاختلاف زاد الأمر سوءا ، وأشعر الناس أن الأمة في اختلاف شديد ، ولكن اختلف التقدير في معرفة سبب هذا الاختلاف ، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وفي هذه الأوراق القليلة سنحاول أن نجلي بالحجة والبرهان أن صوم يوم الأحد 26 من نوفمبر ويوم العيد الثلاثاء 27هو الصواب الذي لا صواب غيره ، ونسأل الله أن يثبتنا على هذا الموقف وجميع محبي سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين.
أولا : الرد على أتباع الفلكيين .
انتشرت مجموعة من المعتنين بالحساب الفلكي في هذه البلاد ، وكان لهم جهد مشكور في عمل التقاويم الإسلامية ، لكن حظهم من العلوم الشرعية كان ضئيلا ، فظن القوم أن علمهم هذا يخول لهم الحديث عن الأمور الشرعية والحلال والحرام .
والأساس الذي بنينا عليه موقفنا في عدم اعتبار قول الفلكيين هو قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما : ( نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ ، الشهر هكذا وهكذا ) يعني تسعة وعشرون وثلاثون .
وقد أجمع أهل العلماء الذي يعتد بقولهم على عدم اعتبار أقوال أهل الفلك والحساب في إثبات الرؤية ( كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ) ، بناء على هذا الحديث الذي بين فيه صلى الله عليه وسلم كيفية الرؤية وأنها لا تعتمد على الحساب والكتابة ، وأنه مَبْنِيٌّ على العَدِّ العادي .
ولا يقال إن هذا فيه دعوة إلى الجهل والتخلف ، فمن اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقد كفر ، ومن خَطَّأَ أهلَ العلم لِفَهْمِهِمْ أن هذا الحديث يمنع من اعتماد الحساب في الأمور الأخرى مثل الفرائض والتجارة ونحو ذلك فقد افترى على العلماء وعليه جزاء المفترين.
غاية ما في الحديث بيانُ سهولة أمر ثبوت الرؤية وأنه لا يؤخذ فيه بالحساب لأن المقصود بالكتابة والحساب في ذلك الزمان العلوم التي تؤهل صاحبها لعمل الحساب الفلكي ،ولا شك أن هذا قليل في الأمة بل في كل الأمم ، وليس المقصود النهي عن مجرد الكتابة ، وكيف لنا أن نفهم أن هذا الحديث ينهى عن تعلم الكتابة والحساب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حَضَّ على تعلم الكتابة فقال : ( قَيِّدُوْا العِلْمَ بِالكِتَابَةِ ) رواه الخطيب البغدادي في تقييد العلم وله طرق يكون بمجموعها حسنا . كما حَضَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعلم الحساب ، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تَعَلَّمُوْا الفَرَائِضَ وعَلِّمُوْهَا) رواه ابن ماجة وفي إسناده مقال خفيف .
وبهذا يظهر عدم صحة مذهب من يرى اتباع حسابات الفلكيين ، حتى لو كانت صحيحة في نفس الأمر ، إلا أن الشارع لم يُعَلِّقْ عليها حكما شرعيا معتبرا ، حتى في تقدير العدة والنذور وتعليق الأحكام الشرعية على الأزمنة فمرده إلى التقدير الشرعي البسيط .
وهناك أمر آخر جدير بالتنبيه عليه ، وهو أن الرؤية التي ثبتت في الصين وفي هونج كونج وفي فيجي وفي ليبيا ( أي في مشرق الأرض ومغربه ) هي رؤية عين ، ورؤية العين يقينية ، والعددُ الذي رَأَى الهلال نَافَ على العشرين ( ستةَ عَشَرَةَ منهم في الصين ) ، ومثل هؤلاء يمثلون خبرا يفيد التواتر ، فلو حصل النفي من البلاد الأخرى بعدم الرؤية لا يكون نَفْيُهُمْ هذا تَوَاتُرَاً ، لأنَّ عَدَمَ العِلْمِ لَيْسَ عِلْمَاً بالعَدَم ، ولا يمكن أن يجتمع هؤلاء من مشارق الأرض ومغاربها على الكذب أو الجهل بطريقة الرؤية حال كون تلك الرؤية استند بعضها إلى حساب فلكي كما في ليبيا ، وبعضها استند إلى انتشار أفق الرؤية مثل ما كان في الصين ، حيث ثبت في شمالها وجنوبها .
ومعلوم أن الحسابات لا تخطئ ، ولكن الحاسب يخطيء ، ومعلوم أن التقدير العددي لا يَتَخَلَّف ، ولكن يقينيته عند المقدِّر والحاسب لا عند كل الناس ، فكيف نجعل ما هو يقين عن فرد يقينا عند سائر الناس ؟
الرد على من قال بالصوم برؤية كل بلد دون رؤية البلاد الأخرى
لاشك أن الخلاف في هذه المسألة مُعْتَبَرٌ ، وأن القائلين به من العلماء معدودون في الأئمة الأعلام ، ولكن هذا لا يدل على صحة المذهب والقول ، بل كل قول مَرَدُّه إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم .
ونحن ما زلنا نؤكد على أن الأمة لن تجتمع أو تَتَوَحَّدَ إلا بأن تُوَحِّدَ رؤيتها ، وتأخذ كل البلاد بالرؤية السابقة في أي بلد ظهر ، ولا مانع من الاستئناس بأقوال الفلكيين ، لكن لا تكون هي المحك في رفض الرؤية وقبولها ، بل المحك إنما هو في ثبوت الرؤية بالوجه الشرعي المعتبر الذي سنذكره لاحقا إن شاء الله .
والمذهب القائل بالأخذ برؤية البلد المحلية دون سائر البلاد معمول به في معظم الدول الإسلامية لغلبة التقليد واتباع المذاهب ، وعدم الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس أحد حجة في مسائل الشرع حتى لو كانت بلاد الحرمين ، لأن الحجة لا تكون إلا فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فمعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم تأكد أمره بتعليق الصوم والإفطار على الرؤية ، حيث قال فيما رواه البخاري وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ..,...) وفي رواية : ( إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا .. ) وهذا خطاب عام للأمة كلها أن تصوم بالرؤية ، لا تخصيص فيه ببلد أو بقوم أو بعشيرة أو بحدود سياسية أو بهيئة أو جمعية ، وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن ابن عمر قال : تَرَاءَى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه وأ مر الناس بصيامه .
وعن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الهلال قال أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا . رواه أبو داود والترمذي وقال : والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم قالوا تقبل شهادة رجل واحد في الصيام وبه يقول بن المبارك والشافعي وأحمد وأهل الكوفة قال إسحاق لا يصام إلا بشهادة رجلين ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين . ( ملحوظة : قد ثبت الخلاف كما بينه صاحب الفتح وسبل السلام ونيل الأوطار وغيرهم ) .
قال الصنعاني في سبيل السلام عند شرح هذا الحديث : فيه دليل على قبول خبر الواحد في الصوم ودلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة إذا لم يطلب صلى الله عليه وسلم من الإعرابي إلا الشهادة وفيه أن الأمر في الهلال جار مجرى الإخبار لا الشهادة .
وكل هذا صريح في عموم الأخذ بالرؤية دون تقييد أو تخصيص ، وأما ما استدل به القائلون باختلاف المطالع من حديث كُرَيْب عن ابن عباس في صحيح مسلم وغيره ، ومُلَخَّصُه أن كُرَيْبَاً كان بالشام ورأى الهلال مع معاوية بن أبي سفيان ليلة الجمعة ، ثم عاد إلى ابن عباس في الحجاز آخر شهر رمضان ، فلما سأله ابن عباس متى رأيتم الهلال : قال رأيناه ليلة الجمعة ، فأخبره ابن عباس أنهم رأوه في الحجاز ليلة السبت ، فقال له كريب : ألا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه ( وكان إذ ذاك هو الخليفة ) فقال ابن عباس : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهذا الحديث ليس صريحا في إثبات اختلاف المطالع ، فإن الحجة فيه إنما هو فيما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلام ابن عباس : هكذا أمرنا .. لا يحتمل إلا أن أمر رسول الله صلى الله وسلم هو قوله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته .. ) ، ففهم ابن عباس من ذلك أن له رؤية مستقلة وأنه لايلزمه اتباع معاوية .
وإذا كان هذا فهم ابن عباس فليس بحجة ، لأن قول الصحابي ليس بحجة عند جماهير العلماء إذا انفرد ، ولأن حديث كريب يتحدث عن العلم بالرؤية عند نهاية الشهر كما في بعض روايات الحديث ، وفي مثل هذه الحالة لايلزم أهل بلد رؤية البلد الآخر ، وفرض المسالة المختلف فيها فيما لو علم أهل بلد رؤية بلد آخر في أول الشهر هل يلزمهم أم لا ؟
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن الحسن البصري في رجل كان بمصر من الأمصار فصام يوم الإثنين وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد فقال لا يقضي ذلك اليوم الرجل ولا أهل مصره إلا أن يعلموا أن أهل مصر من أمصار المسلمين قد صاموا يوم الأحد فيقضونه.
وهذه الفتوى من الحسن البصري تثبت أن ما قاله ابن عباس إنما هو رَأْيٌ ارْتَآَهُ ، وفَهْمٌ فَهِمَهُ من الحديث وليس هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كما قد يَفْهَمُ البعض.
والعجيب أن في حديث كريب جواز مخالفة الرعية للإمام في صوم رمضان وفطره ، لأن ابن عباس خالف معاوية ولم يأخذ برؤيته ، ومع ذلك فأصحاب هذا المذهب يلزمون الناس بالأخذ برؤية حاكم كل إقليم دون غيره .
والأعجب من ذلك أن كل أهل العلم ممن قالوا بهذا الحديث لم يعلقوا الرؤية بالحدود السياسية وإنما علقه بعضهم بمطلع الهلال وبعضهم ربطه بمسافة القصر ، ولم يقل أحد من أهل العلم البتة أن الرؤية يعمل بها في إطار الحدود السياسية الجغرافية ، فهذا زور وبهتان وكذب على الشرع وعلى العلماء الأعلام .
وقس على ذلك ما حدث هذا العام ، فإن الرؤية التي ثبتت في الصين وهونج كونج تعتبر رؤية شرعية على كل المذاهب ، لأن الصين مطلع واحد مع تايلند ، ولو قدر أن الصين كانت في حدود تايلند لأخذوا بالرؤية ولكنها السياسية وآفاتها التي تفرض على البعض تحريف الدين وتشوي** .
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن شيخ الإسلام ابن تيمية أناط المسألة على بلوغ الخبر بوجه معتبر ، ولم يحدد ذلك بمطلع أو بمسافة أونحو ذلك .
وبهذا البيان يتضح لنا ضعف حجة أصحاب هذا المذهب ، والأمر يحتمل أكثر من هذا ولكن رغبة في الاختصار لجأنا إلى تسهيل العبارة وتقصيرها .
الرد على الرافضين للرؤية الشرعية للهلال في الصين هذا العام
مضى معنا أن ابن عمر رأى الهلال وحده فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالأخذ برؤيته ، وكذلك مر معنا حديث الأعرابي الذي أخبر برؤية الهلال فاعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم خبره وأمر الناس بالصيام .
وقد مضى علينا دهور عديدة ونحن نقرر هذا المعنى ونؤكد عليه في كل مناسبة ، وقد أجمع أهل العلم على قبول خبر الجَمْع الكثير في رؤية الهلال ، واختلفوا في قبول خبر الواحد ، والجمهور على قبوله ، لكنهم أجمعوا على أن المعتبر في الرائين أن يكونوا مسلمين ، وأنه لا تقبل شهادة الكافر والذي علم فسقه وفجوره .
ولو رأى هلال رمضان مسلم واحد فلا أظن أن هناك خلاف بين أهل السنة القائلين باتحاد المطالع في قبول خبره والعمل بمقتضاه .
وما زال أهل السنة في تايلند يعملون برؤية السعودية مع أنها في كثير من السنين كانت تدخل رمضان برؤية واحد ، وكان ذلك الواحد لا نعرف عنه أي شيء سوى أنهم اعتمدوا شهادته في إحدى المحاكم .
وقد حصلت المشكلة في هذه السنة حينما تواتر الخبر برؤية الهلال في الصين ، فاضطرب بعض أهل السنة وحاق بهم من القلق والشك والحيرة ما الله به عليم ، وهدى الله أهل الإيمان واليقين والسنة الحقة على الثبات على ما كانوا عليه ، فنحمد الله تعالى على ما أنعم من توفي وهداية.