المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من هو الذي يعذر بالجهل في العقيدة والأمورالفقهية ؟


منى السقا
12-24-2007, 09:16 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

:::من هو الذي يعذر بالجهل في العقيدة والأمورالفقهية :::

سؤال:
من هم الذي يعذرون بالجهل ؟ وهل يعذر الإنسان بجهله في الأمور الفقهية ؟ أم في أمور العقيدة والتوحيد ؟ وما هو واجب العلماء نحو هذا الأمر ؟.

الجواب:

الحمد لله
دعوى الجهل والعذر به فيه تفصيل ، وليس كل واحد يعذر بالجهل ، فالأمور التي جاء بها الإسلام وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم للناس وأوضحها كتاب الله وانتشرت بين المسلمين لا تقبل فيها دعوى الجهل ، ولا سيما ما يتعلق يالعقيدة وأصل الدين ، فإن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليوضح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينها وشرح لها كل شيء وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وقد انتشر بين المسلمين ، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله عز وجل ، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة ، أو أن صيام رمضان غير واجب أو أن الزكاة غير واجبة ، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب فهذا وأمثاله لا تقبل فيه دعوى الجهل ممن هو بين المسلمين لأنها أمور معلومة بين المسلمين .
وقد علمت بالضرورة من دين الإسلام وانتشرت بين المسلمين فلا تقبل دعوى الجهل في ذلك ، وهكذا إذا ادعى أحد بأنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم والنذر لهم ، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار ، أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء .. فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة وأنه شرك أكبر ، وقد أوضح الله ذلك في كتابه الكريم وأوضحه رسوله صلى الله عليه وسلم وبقي ثلاث عشرة سنة في مكة وهو ينذر الناس هذا الشرك وهكذا في المدينة عشرسنين ، يوضح لهم وجوب إخلاص العبادة لله وحده ويتلو عليهم كتاب الله مثل قوله تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) الإسراء/23 ، وقوله سبحانه : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) الفاتحة/5 ، وقوله عز وجل : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) البينة/5 ، وقوله سبحانه : فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص ) الزمر/2-3 ، وقوله سبحانه : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) الأنعام/162-163 ، وبقوله سبحانه مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ) الكوثر1-2 ، وبقوله سبحانه وتعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) الجن/18 ، وبقوله سبحانه وتعالى : ( ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) المؤمنون/117 ، وهكذا الاستهزاء بالدين والطعن فيه والسخرية به والسب كل هذا من الكفر الأكبر ومما لا يعذر فيه أحد بدعوى الجهل ، لأنه معلوم من الدين بالضرورة أن سب الدين أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر الأكبر وهكذا الاستهزاء والسخرية ، قال تعالى : ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) التوبة/65-66 .
فالواجب على أهل العلم في أي مكان أن ينشروا هذا بين الناس وأن يظهروه حتى لا يبقى للعامة عذر وحتى ينتشر بينهم هذا الأمر العظيم ، وحتى يتركوا التعلق بالأموات والاستعانة بهم في أي مكان في مصر أو الشام أو العراق أو في المدينة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو في مكة أو غير ذلك وحتى ينتبه الحجيج وينتبه الناس ويعلموا شرع الله ودينه ، فسكوت العلماء من أسباب هلاك العامة وجهلهم ، فيجب على أهل العلم أينما كانوا أن يبلغوا الناس دين الله وأن يعلموهم توحيد الله وأنواع الشرك بالله حتى يدعوا الشرك على بصيرة وحتى يعبدوا الله وحده على بصيرة وهكذا ما يقع عند قبر البدوي أو الحسين رضي الله عنه أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني أو عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أو عند غيرهم يجب التنبيه على هذا الأمر وأن يعلم الناس أن العبادة حق لله وحده ليس لأحد فيها حق كما قال الله عز وجل : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) البينة/5 ، وقال سبحانه : ( فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص ) البينة/2-3 ، وقال سبحانه : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) الإسراء/23 ، يعني أمر ربك ، فالواجب على أهل العلم في جميع البلاد الإسلامية وفي مناطق الأقليات الإسلامية وفي كل مكان أن يعلموا الناس توحيد الله وأن يبصروهم بمعنى عبادة الله وأن يحذروهم من الشرك بالله عز وجل الذي هو أعظم الذنوب وقد خلق الله الثقلين ليعبدوه وأمرهم بذلك . لقوله سبحانه : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات/56 ، وعبادته هي : طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وإخلاص العبادة له وتوجيه القلوب إليه ، قال تعالى : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) البقرة/21 .
أما المسائل التي قد تخفى مثل بعض مسائل المعاملات وبعض شؤون الصلاة وبعض شؤون الصيام فقد يعذر فيها الجاهل كما عذر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحرم في جبة وتلطخ بالطيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( اخلع عنك الجبة واغسل عنك هذا الطيب واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك ) ولم يأمره بفدية لجهله ، وهكذا بعض المسائل التي قد تخفى يعلَّم فيها الجاهل ويبصر فيها ، أما أصول العقيدة وأركان الإسلام والمحرمات الظاهرة فلا يقبل في ذلك دعوى الجهل من أي أحد بين المسلمين فلو قال أحد ، وهو بين المسلمين ، إنني ما أعرف أن الزنا حرام فلا يعذر ، أو قال ما أعرف أن عقوق الوالدين حرام فلا يعذر بل يضرب ويؤدب ، أو قال ما أعرف أن اللواط حرام فلا يعذر ، لأن هذه أمور ظاهرة معروفة بين المسلمين في الإسلام .
لكن لو كان في بعض البلاد البعيدة عن الإسلام أو في مجاهل أفريقيا التي لا يوجد حولها مسلمون قد يقبل منه دعوى الجهل وإذا مات على ذلك يكون أمره إلى الله ويكون حكمه حكم أهل الفترة والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة ، فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار ، أما الذي بين المسلمين ويقوم بأعمال الكفر بالله ويترك الواجبات المعلومة ، فهذا لا يعذر ، لأن الأمر واضح والمسلمون بحمد الله موجودون ، ويصومون ويحجون وكل هذا معروف بين المسلمين وفاش بينهم فدعوى الجهل في ذلك دعوى باطلة والله المستعان .

المصدر:
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - م/7 ، ص/132.

:::والله اسأل ان يرزقني واياكم التفقه في الدين والعلم والعمل الصالح الذي يرضيه عنا :::

albadwy_20202020
12-27-2007, 07:00 PM
جزاك الله خيرا

أبو عمر الأندلسي
12-27-2007, 07:40 PM
الحمد لله وبعد
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
(فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه ، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل )
(كشف الشبهات)
وقال الشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى
معلقا على هذه الجملة
(تعليقنا على هذه الجملة من كلام المؤلف رحمه الله:
أولاً: لا أظن الشيخ رحمه الله لا يرى العذر بالجهل اللهم إلا أن يكون منه تفريط بترك التعلم مثل أن يسمع بالحق فلا يلتفت إليه ولا يتعلم ، فهذا لا يعذر بالجهل وإنما لا أظن ذلك من الشيخ لأن له كلاماً أخر يدل على العذر بالجهل
فقد سئل-رحمه الله تعالى-عما يقاتل عليه؟
فأجاب:
أركان الإسلام الخمسة ، أولها الشهادتان ، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقر بها، وتركها تهاوناً ، فنحن وإن قاتلناه على فعلها ، فلا نكفره بتركها ؛ والعلماء أختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود ؛ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو : الشهادتان.
وايضاً: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر ، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع:

النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله ، الذي أظهرناه للناس ؛ واقر أيضاً : أن هذه الإعتقادات في الحجر ، والشجر والبشر ، الذي هو دين غالب الناس : أنه الشرك بالله الذين بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه ، ويقاتل أهله ، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد ، ولا تعلمه ، ولا دخل فيه ، ولا ترك الشرك ، فهو كافر ، نقاتله
بكفره ، لأنه عرف دين الرسول ، فلم يتبعه ، وعرف الشرك فلم يتركه ، مع أنه لا يبغض دين الرسول ، ولا من دخل فيه ولا يمدح الشرك ، ولا يزينه للناس.
النوع الثاني: من عرف ذلك ، ولكنه تبين في سب دين الرسول ، مع إدعائه أنه عامل به ، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر ، ومن عبد أبا علي ، والخضر من أهل الكويت ، وفضلهم على من وحد الله ، وترك الشرك ، فهذا أعظم من الأول ، وفيه قوله تعالى : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين( {سورة البقرة، الآية: 89} وهو ممن قال الله فيه : (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أثمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون( {سورة التوبة ، الآية: 12.}
النوع الثالث: من عرف التوحيد ، وأحبه ، واتبعه ، وعرف الشرك ، وتركه ولكن يكره من دخل في التوحيد ، ويحب من بقي على الشرك ، فهذا أيضاً كافر، فيه قوله تعالى : (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم( {سورة محمد ، الآية 9}
النوع الرابع: من سلم من هذا كله ، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد ، وإتباع أهل الشرك ، وساعين في قتالهم ، ويتعذر بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ، ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضاً كافر ؛ فإنهم لو يأمرونه بترك صوم ، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل؛ ولو يأمرونه بتزوج إمرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم فعل ؛ وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير؛ فهذا أيضاً كافر، وهو ممن قال الله فيهم: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم( -إلى قوله _: (سلطاناً مبيناً( {سورة النساء، الآية: 91} فهذا الذي نقول .
وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم : إنا نكفر بالعموم ، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل ، ومثل هذا وأضعاف أضعافه؛
فكل هذا من الكذب والبهتان ، الذي يصدون به الناس عن
دين الله ورسوله .
وإذا كنا: لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي ، وأمثالهما ، لأجل جهلهم، وعدم من ينب**م ، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ، أو لم يكفر ويقاتل ؟‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍(سبحانك هذا بهتان عظيم( {سورة النور ، الآية: 16}
بل نكفر تلك الأنواع الأربعة ، لأجل محادتهم لله ورسوله ، فرحم الله إمرءاً نظر نفسه ، وعرف أنه ملاق الله ، الذي عنده الجنة والنار؛ وصلى الله على محمد وآله وصحبه ، وسلم .
(*)تتمه :
الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية ، وربما يكون اختلافاً لفظيا في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين ، أي أن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر ، أو هذا الفعل كفر ، أو هذا الترك كفر ، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضى في حقه وانتفاء المانع أو لا
ينطبق لفوات بعض المقتضيات ، أو وجود بعض الموانع.
وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين:
الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام أو لا يدين بشيء ولم يكن يخطر بباله أن ديناً يخالف ما هو عليه الصلاة والسلام فهذا تجري عليه الصلاة والسلام أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله - عز وجل -تعالى- والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله - عز وجل -والله أعلم بما كانوا عاملين ، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب لقوله-تعالى-: (ولا يظلم ربك أحداً( . {سورة الكهف ، الآية: 49} .
وإنما قلنا تجرى عليه الصلاة والسلام أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر ؛ لأنه لا يدين بالإسلام فلا يمكن أن يعطي حكمه ، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة لنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم-رحمه الله تعالى-في كتابه "طريق الهجرتين" عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة.
النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نب** أحد على ذلك فهذا تجري عليه الصلاة والسلام أحكام الإسلام ظاهراً، أما في الآخرة فأمره إلى الله - عز وجل -وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة ، وأقوال أهل العلم:
فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً( {سورة الإسراء ، الآية : 15} وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون( {سورة القصص، ، الآية 59}
وقوله : (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل( ، {سورة النساء، الآية: 165}. وقوله(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء( {سورة إبراهيم، الآية: 4}. وقوله: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون( {سورة التوبة ، الآية: 115} وقوله: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة( {سورة الأنعام ، الآية: 155-157} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان.
وأما السنة: ففي صحيح مسلم 1/134 عن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة-يعني أمة الدعوة-يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".
وأما كلام أهل العلم: فقال في المغني 8/131 "فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام ، بغير دار الإسلام ، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي 3/229 مجموع ابن قاسم: "إني دائماً-ومن جالسني يعلم ذلك مني-من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير ، وتفسيق ، ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة ، وفاسقاً أخرى،
وعاصياً أخرى ، وأني أقرر أن الله-تعالى-قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخيرية القولية ،والمسائل العملية ، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ، ولا بفسق ، ولا بمعصية-إلى أن قال-وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين-إلى أن قال-والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجده حتى تقوم عليه الحجة ، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً" أ . هـ .
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب 1/56 من الدرر السنية: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه ، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره". وفي ص66 "وأما الكذب والبهتان فقولهم إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله ، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهم لأجل جهلهم ، وعدم من ينب**م ، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل" ا.هـ.
إذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب ، والسنة ، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله تعالى ، ولطفه ورأفته ، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه، ولطفه ورأفته، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه ، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل.
فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم ، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفره الله تعالى فهو كمن حرم ما أحل الله ؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه.
وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد ، فقال : إنه كافر ، مع أنه بريء من ذلك ، وحري به أن يعود وصف الكفرعليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنه الله عنهما-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما"(1) وفي رواية : "إن كان كما قال و إلا رجعت عليه"(2) وله من حديث أبي ذر-رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن دعا رجلاً بالكفر ، أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه".(2) يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر: "إن كان كما قال" يعني في حكم الله - تعالى-
وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه الصلاة والسلام إن كان أخوه بريئاً منه ، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به ؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجباً بعمله محتقراً لغيره فيكون جامعاً بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله - تعالى- في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة
-رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله عز وجل الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار". فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:
الأمر الأول: دلالة الكتاب ، والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه ، وتتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى : (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً( {سورة النساء الآية: 115} فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة لرسول من بعد أن يتبين الهدى له. ولكن هل يشترط أن يكون عالماً بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالماً بالمخالفة وإن كان جاهلاً بما يترتب عليها؟
الجواب: الثاني؛ أي أن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما تقتضيه لن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعمله بالمخالفة مع جهله بالكفارة ؛ ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنا يرجم وإن كان جاهلاً بما يترتب على زناه ، وربما لو كان عالماً ما زنا.
ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفر لقوله تعالى -: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم( {سورة النحل ، الآية : 106} .
ومن الموانع أن يغلق عليه الصلاة والسلام فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح ، أو حزن ، أو غضب ، أو خوف ونحو ذلك ، لقوله-تعالى-(وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمد قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً( {سورة الأحزاب ، الآية: 5} وفي صحيح مسلم 2104 عن أنس بن مالك- رضي الله عنه الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ، فأنفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة.
الفرح : اللهم أنت عبدي ، وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح".
ومن الموانع أيضاً أن يكون شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق ، لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلاً في قوله-تعالى-: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم( {سورة الأحزاب ، الآية: 5} . ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلاً في قوله - تعالى-: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها( {سورة البقرة ، الآية : 286}. قال في المغني 8/131: " وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك - يعني يكون كافراً - وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع أستحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله تعالى" إلى أن قال "وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم وإستحلال دماءهم ، وأموالهم ، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم ، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم ، وكذلك يخرج في كل محرم إستحل بتأويل مثل هذا". وفي فتاوى شيخ الإسلام.
ابن تيمية 13/30 مجموع ابن قاسم : "وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن ، لم يقصدوا معارضته ، لكن فهموا منه مالم يدل عليه الصلاة والسلام ، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" وفي ص 210 منه " فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها ، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم . . وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم ، ولا إتباع للسنة ، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن، وقال أيضاً 28/518 من المجموع المذكور: "فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم ، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين" ، لكنه ذكر في 7/217 "أنه لم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره ، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع" . وفي 28/518"أن هذا هو المنصوص عن الأثمة كأحمد وغيره" . وفي 3/282 قال: "والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين ، واتفق على قتالهم أثمة الدين من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم ولم يكفرهم علي بن أبي
طالب، وسعد بن أبي وقاص ، وغيرهما من الصحابة ، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم ، لا لأنهم كفار ، ولهذا لم يسب حريمهم ، ولم يغنم أموالهم ، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع ، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم ، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى ، ولا تستحل دمها ومالها ، وإن كانت فيها بدعة محققة ، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه" . إلى أن قال : "وإذا كان المسلم متأولاً في القتال ، أو التكفير لم يكفر بذلك" . إلى أن قال في ص 288 : "وقد أختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حقل العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره . . والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله - تعالى-: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً (
{سورة الإسراء الآية : 15} . وقوله : (رسلاً مبشرين ومنرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل(. سورة النساء، الآية 165} .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين"(1).
والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً ، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً ، وذلك الأدلة من الكتاب والسنة ، والإعتبار ، وأقوال أهل العلم...
إنتهى المقصود من كلام الشيخ
والحمد لله

ابن همام المنصورى
12-27-2007, 08:11 PM
جزاكم الله خيرا وبارك الله فى شيخنا ابو عمر خير الجزاء

الفقير الى عفو الله
12-27-2007, 08:15 PM
أجركم الله على ما اتيتم به وحفظكم وجعلكم من أهله وخاصته بإذنه تعالى وإيانا وكل عباده الموحدين