منى السقا
10-24-2007, 08:16 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
دور المرأة في روايات الكتب الستة
بسم الله الرحمن الرحيم
بذل علماء الحديث الأفذاذ جهوداً جبارة في جمع السنة وتدوينها، والحكم على رواياتها، وصنفوا لنا في ذلك العديد من التصانيف، من المسانيد والمجامع والسنن وغيرها، كانت بحق كنوزًا للسنة.. غير أن الكتب الستة، حظيت بالرضا والقبول لدى الأمة الإسلامية قديمًا وحديثًا، لذلك توفرت على دراستها والعناية بها وخدمتها لتـــأخر عهد أصحـــابها ومعاصــرتهم حركة التـــدوين وهي في أوجها، وقبل هذا وذاك لقيمتها الحديثية وحسن الترتيب فيها، لذلك آثرنا الاعتماد على هذه الكتب في هذا المبحث، لبيان جهود المرأة في الرواية ونقل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ونشرها، وليس غرضنا الحصر والاستــــيعاب بقدر ما نهـــدف إلى إجـــلاء القــدر الكافي الذي يبرز لنا المساهمة التي قدمتها المرأة المسلمة على مدى القرون الفاضلة الأولى في الحفاظ على الموروث النبوي، بعد أن عرفنا حظها ومشاركتها في وضع ركائز الإيمان والعمل الصالح والدعوة، وتأسيس الأطر الأخلاقية.
ولتحقيق هذا المراد، استلزم النظر في الأسانيد، والوقوف على دور المرأة راوية للحديث النبوي، وتحديد حقل البحث في الأصول الستة(1) ثم متابعة روايات النساء عبر مختلف الكتب والأبواب منتهين إلى تكوين صورة عن حجم رواية النساء ومضامينها وقيمتها الحديثية والفقهية، مع بيانٍ لسير حركة الرواية عند المرأة عبر هذه القرون. وتوضيح هذه العناصر يكون عبر المطالب التالية:
المطلب الأول: الراويات في الكتب الستة
1- عدد الراويات الصحابيات في الكتب الستة(2):
يبلغ مجموع من لها رواية من الصحابيات في الكتب الستة جميعها سواء من روت عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو من روت عن أحد الصحابة، مائة وخمس عشرة صحابية ثابتة الصحبة، ونضيف إليهن خمس صحابيات راويات مختلف في صحبتهن، وهن: أسماء بنت زيد بن الخطاب(3)، أسماء بنت سعيد بن زيد بن نفيل(4)، صفية بنت الحارث بن طلحة العبدرية(5)، عائشة بنت مسعود بن الأسود(6)، زينب بنت نبيط(7)، إلا أنه ليس لواحدة منهن رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.. أما صفية بنت شيبة، فقد أنكر الدارقطني إدراكها(8)، وفي البخاري التصريح بسماعها عن النبي صلى الله عليه وسلم(9).
أما الحافظ المزي وهو يذكر مسانيد الصحابة في تحفة الأشراف، فقد ذكر مائة واثني عشر مسندًا لصحابيات يروين عن النبي صلى الله عليه وسلم في مجموع الكتب الستة(10).
أما متفرقة، فقد جاءت حسب ما يلي:
- روى البخاري عن إحدى وثلاثين صحابية في جامعه الصحيح.
- روى مسلم عن ست وثلاثين صحابية في جامعه الصحيح.
- روى أبو داود عن خمس وسبعين صحابية في سننه.
- وروى الترمذي عن ست وأربعين صحابية في سننه (الجامع).
- وروى النسائي عن خمس وستين صحابية في سننه (المجتبى).
- وروى ابن ماجه عن ستين صحابية في سننه.
الملاحظ أنه يوجد بعض التفاوت بين أصحاب الأصول في إخراجهم عن الصحابيات قد يصل إلى أكثر من الضعف، كما هو الحال عند أبي داود حيث روى عن أكثر الصحابيات، كذا بالنسبة للنسائي وابن ماجه ويليهم الترمذي، وكون من التزم الصحة كالبخاري ومسلم لم يرويا عن كثير من الصحابيات، فلأنهما لم تصلهما عنهن أسانيد يرضيانها وترتقي إلى الشروط التي التزماها في إخراج الحديث.
2- عدد الراويات غير الصحابيات في الكتب الستة:
سجلنا عدد الراويات غير الصحابيات في مجموع الكتب الستة، فكان مائة وثلاث راويات موزعات على الطبقات:
- ثمان راويات من كبار التابعيات (أي الطبقة الثانية).
- ستًا وأربعين راوية من الطبقة الوسطى من التابعيات (أي الطبقة الثالثة).
- ثلاثًا وعشرين راوية من الطبقة الرابعة.
- خمس راويات من الطبقة الخامسة.
- عشر راويات من الطبقة السادسة.
- عشر راويات من الطبقة السابعة.
- وراوية واحدة من الطبقة الثامنة هي طلحة أم غراب.
ثم تتوقف رواية النساء بعد هذه الطبقة، فلا نسجل راوية واحدة عبر الطبقات الأخيرة المتبقية حتى نصل إلى الشيوخ الستة.
فكما سبق وأن لاحظنا في مبحث الطبقات، أن عدد الراويات يقل تدريجياً مع القرون حتى يندر أن نسجل راوية واحدة في القرن الثالث.. وبالنسبة للأصول الستة، ولما كان حقل البحث محدودًا بها، أمكن إعطاء أرقام دقيقة إلى حد بعيد تؤكد تراجع حركة الرواية عبر القرون، فمجموع الراويات غير الصحابيات خلال هذه القرون، لم يصل إلى عدد الراويات الصحابيات.
كما أن توزيع الراويات عبر الطبقات، يشير إلى عدم توازن نشاط الرواية النسائية في مختلف الحقب الزمانية، حيث اتبعت خط التراجع والانحدار إلى أن نصل إلى الانعدام، والأرقام التي ذكرنا في كل طبقة تؤكد هذا.
3- أحوال الراويات في الكتب الستة:
لا تدخل الصحابيات رضوان الله عليهن جميعًا في نطاق هذا البحــث، لثبــوت العــدالة لهن جميعًا، سواء من روت عــن النبي صلى الله عليه وسلم أو روت عن غيره، وهذا بإجماع الأئمة(11).
أما بالنسبة لغيرهن، فالصفة التي تختص بها الراوية في هذه الأصول من جرح أو تعديل لا تخرج عن هذه الأحوال:
ثقة، مقبولة، لا يعرف حالها (مستورة)، مجهولة.. فهناك:
خمس عشرة راوية ثقة، أغلبهن من الطبقة الثانية والثالثة.
- وثلاثًا وثلاثين راوية مقبولة.
- وما تبقى فهي إما لا يعرف حالها (مستورة) أو مجهولة.
وقد ذكرنا هذه الأعداد فقط، لنلاحظ كثرة الراويات المستورات والمقبولات(12)، وهذا راجع إلى كون أحوال النساء مستورة عند من صنفوا في الرجال.. فلما خفي على هؤلاء أحوال قعيدات البيوت، سرت عليهن ضوابط معرفة الرواة، فكانت شديدة عليهن، خاصة على من لم ترو إلا القليل جدًا من الأحاديث، ولم تكن مشهورة بالطلب.
أما الراويات الثقات، فهن ممن اشتهرن بعلمهن وفضلهن وكثرة روايتهن.. وما يلاحظ أيضًا أننا لم نسجل راوية واحدة تنزل عن المرتبة التاسعة (أي مجهولة)، كما نلاحظ ذلك عند الرواة الرجال، وقد سبق أن أشرنا إلى قول الذهبي في الميزان(13) في عدم وجود راوية اتهمت أو تركوها، وهذا ما يكسب المرأة ميزة تحسب لها في عالم الرواية، تبين نقاء الراوية من شوائب البدع والكذب والضعف الشديد والنكارة.
حجم رواية النساء في الكتب الستة:
استنادًا إلى كتاب تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للمزي، مع الرجوع إلى كتاب تهذيب الكمال في معرفة الرجال للمزي أيضًا، والتقريب لابن حجر(14)، تمكنا من تسجيل:
ألفين وسبعمائة وأربع وستين رواية للنساء في مجموع الكتب الستة (2764 حديثًا) حيث وجدنا:
- ألفين وخمسمائة وتسعة وثلاثين حديثًا للصحابيات الراويات.
- مائتين وخمسة وعشرين حديثًا لسائر الراويات من غير الصحابيات.
وبينما تروي الأربع وثمانون راوية غير صحابية من مختلف الطبقات (225 حديثًا)، تروي المائة والاثنتا عشرة صحابية (2539 حديثًا).. ولمستدرك أن يقول: إن معظم الروايات عند الصحابيات هي في الحقيقة لراوية واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث تروي في مجموع الكتب الست (2081 حديثًا)، فنقول: إننا إذا حذفـنا هذا القدر، أي روايــــات عائـــشة ليبقى العدد (458 حديثًا) ترويها بقية الصحابيات، يكون اختلال في توازن حجم الرواية، حيث تتكثف في مدة قصيرة هي عصر الصحابة لتضمحل خلال القرون اللاحقة.
وملاحظة جديرة بالذكر، هي أن الألفين والواحد والثمانين حديثًا المروية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لم ترو منها تلميذات عائشة الأربع والثلاثون سوى (146 حديثًا تقريبًا)، وهذا قدر ضئيل جدًا، نفسره كما يلي
:
1- أن أم المؤمنين عائشة كانت فريدة عصرها، بل كل العصور، ولعل من المستبعد أن توجد من تضاهيها في علمها وحفظها (ولم توجد).
2- أن أصحاب الحديث ممن صنفوا في هذا الفن، لم يعتمدوا عـــلى كثــــير من روايات النســـاء، لأنها لم تصـــلهم عـــن طرق يرضونها.
3- أن الحركة العلمية لدى النساء كانت محدودة جدًا وغير مشجَّعَة على نطاق واسع بين النساء، خاصة في فترة وجود أكبر المحدثات عائشة رضي الله عنها، وهذا ما نرجحه لتفسير هذا التراجع والزهد في المساهمة في هذا العلم.
المطلب الثاني: مضامين رواية النساء في الكتب الستة:
كانت المرأة المسلمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شديدة الحرص على
تحصيل العلم الذي ينفعها في معرفة أحكام دينها وكيفية أداء واجباتها في علاقتها مع ربها ودورها في مجتمعها. وقد رأينا إقبال النساء على حضور مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إذا ما رأين الرجال قد غلبوهن طلبن منه صلى الله عليه وسلم أن يعين لهن جلسات خاصة بهن، يسألنه عن أمورهن ويتعلمن أحكام الإسلام(15) وسِجِل هذا التنافس الذي عرفته المرأة المسلمة، شاهد على المرتقى العلمي الذي بلغته خاصة في رواية أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي رواية اتسعت لتشمل الأحاديث التي تمس شتى مناحي الحياة، ما تعلق مباشرة بشؤون المرأة أو غير ذلك، مع تفاوت في كثرة روايتها في أبواب وقلتها في أخرى وندرتها في الثالثة وانعدامها في الرابعة، وكل هذا في حقل الكتب الستة المختارة.
1- رواية النساء في الأحكام:
ليس غريبًا أن تكون معظم روايات النساء ترتكز حول الأحكام، بمختلف فروعها، سواء في العبادات، أو المعاملات، أو الأحكام المتعلقة بالآداب العامة كالطعام والشراب واللباس والاستئذان، وما تعلق بضوابط أفعال العباد في حياتهم، حيث إن هذه الأحكام هي المراد الأول من التعلم، ولا تتم معرفة الدين إلا من خلال معرفة أحكامه، لامتثالها والالتزام بحدودها.
وقد سبق أن لاحظنا في مبحث أمهات المؤمنين، أن معظم رواياتهن تتعلق بالأحكام وما ارتبط بالحياة العملية. وهذا يصدق على باقي الصحابيات أيضًا، بحيث تغلب على رواياتهن القضايا التي ارتبطت بها أحكام، وخاصة ما كان في قضايا النساء. ولما كان الحديث يرد أحيانًا في باب من أبواب الأحكام ويرد أيضًا في المناقب مثلاً أو غيرها، يصعب إعطاء أرقام دقيقة حول حجم رواية النساء في الأحكام، لكن لا نتوقف كثيرًا بعد الإطلاع على مسانيد الصحابيات من تحفة الأشراف لنجزم أن رواية النساء يغلب عليها ذكر الأحكام، خاصة في أبواب الطهارة، الحيض، الصلاة، أحكام الصوم، المناسك، الطلاق، الزواج، الرضاع، الأطمعة، اللباس، الأشربة، وغيرها، دون أن ننسى روايات أم المؤمنين عائشة التي كادت تغطي جميع أبواب الفقه.
2- رواية النساء في غير الأحكام:
مع كون روايات النساء في غير أبواب الأحكام قليلة، إلا أنها روايات لها قيمتها، وهي غالبًا ما تكون عمدة في بابها، وسنفصل قليلاً في هذا المطلب:
فقد روت المرأة في الفتن وأشراط الساعة، واشتهرت روايتها، كما فعلت الصحابية أم شريك وهي تروي حديث: (ليفرّن الناس من الدجال في الجبال)(16).. وعن النساء وصلتنا أحاديث في يأجوج ومأجوج(17)، وفي ذكر الجيش الذي يخسف به(18)، (ولا يأتي زمان إلا الذي بعده شرٌّ منه)(19) وأحاديث أخرى.
كما ساهمت الراوية أيضًا في أبواب التفسير بما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية قراءة آية وبيان معانيها، وذكر أسباب نزولها...إلخ، علمًا منها أن كتاب الله الكريم مكمن الأحكام ومحل الهداية. وقد أخذت أم المؤمنين عائشة حصة الأسد في الروايات المتعلقة بالتفسير، إضافة إلى مرويات صحابيات أخريات مثل: أسماء بنت يزيد بن السكن، تروي في القراءات والتفسير، والتابعية معاذة العدوية تروي عن عائشة في التفسير، كذا عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، وأم سعد بنت سعد بن الربيع تروي في القراءات، وغير ذلك.
وفي أبواب العقائد، روت المرأة في القدر وبدء الوحي، والإيمان وغيرها، وهنا أيضًا برزت أم المؤمنين عائشة في الرواية في هذه الأبواب.
كما برزت المرأة في الرواية في المناقب، فروي لها في مناقب الصحابة، وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الروايات، مثل ما ورد في ذكر عمار بن ياسر، وفي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي فضل علي وفضل أصحاب الشجرة، وأصحاب السفينتين (مهاجري الحبشة)، وفضائل المدينة وغيرها.
المطلب الثالث: رواية المرأة عمدة في بابها:
إن الأحاديث الكثيرة التي روتها النساء، وكانت مادتها تتعلق بجميع أمور الحياة من العقائد والعبادات والمعاملات، والأحوال الشخصية والآداب وغيرها، قد اشتركت في نقلها إلى الناس مع الرجل شعوراً منها بمسؤولية التبليغ والأداء. غير أن المدونات الحديثية سجلت لنا سنناً وأحاديث لا يعرف أنه قد رواها إلا النساء، فكانت مرجعاً في الاستدلال الفقهي ووضع القواعد والأصول، فكم من حكم قضي به بناءً على حديث امرأة، وكم من سنة اتبعت ووراءها امرأة.
ومن الأحاديث التي لا يعرف أنه قد رواها إلا النساء، حديث الفريعة في سكنى المتوفى عنها زوجها(20)، وقد تفردت التابعية الجليلة زينب بنت كعب بن عجرة برواية هذا الحديث عن الفريعة، وتلقاه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقبول وقضى به بمحضر من المهاجرين والأنصار(21)، وأخذ به العلماء، واستعمله أيضًا أكثر فقهاء الأمصار وتلقوه بالقبول، وقضوا به.. فهذا محمد بن سيرين يقضي في امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة، نقلها أهلها، أن ترد إلى بيتها في نمط(22)، وكان حجة ردها إلى بيت زوجها حديث الفريعة.. وهكذا ظلت الصحابية الجليلة مرجعًا في هذا الباب لكبار الصحابة والتابعين، يسألونها عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ظل حديثها عمدة المحدثين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
- وممن حظي بهذا الشرف أيضًا، فكانت قصتها حديثًا يروى وسنة متبــعة، وحكــمًا يقضى به، فاطمة بنت قيس فيما روته عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفقة وسكنى المبتوتة(23)، وقد أخذ كبار التابعين هذا الحديث من فم فاطمة وتناقلوه عنها وارتبط باسمها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما عقد العلماء والفقهاء لهذا الحديث نقاشات كثيرة في الحكم المستنبط منه، وذهبوا في ذلك مذاهب، ومرجعهم في ذلك قصة فاطمة بنت قيس.
- وسنن كثيرة تعلقت بأحكام النساء فاهتمت برواياتها، فاشتـهرت عن طريقها، فعرفت أحكام وآثار قيمة لولا النساء ما وصلت إلينا.
- وقد تبلغ الراوية الذروة في الوعي والحفظ والأداء عندما تنفرد وحدها برواية حديث الجساسة الطويل وصفة خروج الدجال(24)، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدث به في المسجد حيث الحشود من النساء والرجال، بعد أن نودي للصلاة جامعة، فرغم طول الحديث ودقة ما فيه من صور ومشاهد وغرابتها، إلا أنه لم يصلنا إلا من طريق امرأة هي فاطمة بنت قيس مرة أخرى، فهذا إن دل على شيء فهو دال على المقدرة العجيبة لحفظ الراوية وذكائها وعلمها وإجادتها لما سمعته، كما فيه الدلالة الواضحة على حضور النساء في كافة المجالس، واهتمامهن بكل القضايا، منهن من يسعفها حفظها فتروي، ومنهن من تكتفي بالدروس والعبر المستنبطة، تستفيد منها.
- وأحاديث أخرى كثيرة، وإن كنا لا نجزم بتفرد النساء بروايتها دون الرجال، لأنها من القضايا المشتركة بين المسلمين، إلا أن رواية النساء فيها أصل وعمدة في بابها، إشارة في ذلك أن عالم الرواية علم بحره واسع، يخوض فيه كل من له قدرة عليه، والاعتماد بعد ذلك على الأتقن والأجود، وفيه أيضًا أن نساء الصدر الأول رضي الله عنهن اكتسبن من الثقة النفسية والمبادرة وحب العلم ما جعلهن مرجعًا محترمًا، وأحيانًا في كثير من القضايا الخاصة والعامة.
- فحديث أم عطية رضي الله عنها في غسل الميت(25) أصل في الباب، لذلك كان جماعة من الصحابة والتابعين يأتونها فيأخذون عنها الحديث، لحسن روايتها وفهمها للأحكام، وكانت قد غسلت بنات النبي صلى الله عليه وسلم زينب وأم كلثوم، والنبي صلى الله عليه وسلم يوج**ا ويرشدها خطوة خطوة حتى استوعبت تمام الفعل والقول النبوي وبرعت فيه، فكانت تغسل الميتات لاختصاصها في هذا المجال ودرايتها فيه.
وفي البصرة اشتهرت أم عطية بفق**ا وفهمها للحديث النبوي وأحكامه، فكانت مقصد الرجال والنساء يأخذون عنها الأحاديث العديدة، وحديثها في غسل آنية رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهور في الصحيح، إذ كان محمد بن سيرين وغيره يأخذون عنها هذا الحكم. وحديثها في خروج الحيّض وذوات الخدور إلى صلاة العيد كان مرجعًا، حتى إن التابعية الجليلة حفصة بنت سيرين تلميذتها النجيبة، كانت تقول: إنهن في البصرة كن يمنعن ذوات الخدور من شهود العيد، حتى أتــت أم عطية البصرة فبينت لهن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروج النساء للعيد، حتى أخبرتهن أن التي لا تجد جلبابًا تعيرها أختها جلبابها، حتى تتمكن من شهود هذا الخير، الأمر الذي استغربته حفصة لعدم بلوغها هذا الحكم وهي سيدة التابعيات حتى جاءت أم عطية البصرة(26) وبثت فيها أحكام النساء المتعلقة بهذا الباب، ثم خلفتها حفصة بنت سيرين في نشر أحكام المصطفى عليه الصلاة والسلام.
- وأسماء بنت عميس وهي تروي حديث فضل أصحاب السفينة(27)، وجدت نفسها مرجعًا وسندًا لبيان منقبة كانت ترى متأخرة فإذا هي متقدمة، ترفع أصحاب الدرجات العلى، ولأجلها تصبح هذه الراوية الصحابية مثابة للسائلين، فكان هذا من تمام سعادتها إذ تقول في هذا: (فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول صلى الله عليه وسلم: ولقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني)(28).
- كما يرجع الفضل في بيان فضل أصحاب الشجرة المبايعين بيعة الرضوان إلى الراوية الصحابية أم مبشر التي كانت من المبايعات في هذه البيعة، تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم تبشير الله لهم بالجنة(29).
- وأحاديث كثيرة روتها النساء وهي مرجع وأصل في بابها، تمس أبواباً كثيرة في كتب الحديث(30)، ولن يجد الباحث عناءً كبيرًا في جمع الأحاديث التي وصلتنا عن طريق النساء، ونقلها عنهن الرواة واعتمدها العلماء، فهي كثيرة، حتى لو استثنينا أحاديث أمهات المؤمنين التي لم تعرف إلا عنهن.. فكم حكم سار، وسنة متبعة، وإجماع قائم، أساسه وحجته ما حفظته امرأة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقارعها فيه أحد.
وفي النهاية نخلص من هذا كله، أن الكتب الستة شاهدة على مساهمة المرأة في الرواية، وإن كانت المساهمة العددية ضئيلة بالنسبة لسائر القرون بالمقارنة مع مساهمة الرواة من الرجال، إلا أن الروايات النسائية لها قيمتها الكبيرة باعتبار مضامينها، خاصة الروايات التي نقلتها الصحابيات رضي الله عنهن جميعًا، إذ كثير منها كما ذكرنا من الروايات المشهورة والمعتمدة في بابها.. وقد أشرنا إلى تراجع الرواية باعتــبار الحجم.. ومع بيــان ما رأينـــاه تفسير لهذا، مما يغني عن الإعادة.
المصدر الشبكة الاسلامية
دور المرأة في روايات الكتب الستة
بسم الله الرحمن الرحيم
بذل علماء الحديث الأفذاذ جهوداً جبارة في جمع السنة وتدوينها، والحكم على رواياتها، وصنفوا لنا في ذلك العديد من التصانيف، من المسانيد والمجامع والسنن وغيرها، كانت بحق كنوزًا للسنة.. غير أن الكتب الستة، حظيت بالرضا والقبول لدى الأمة الإسلامية قديمًا وحديثًا، لذلك توفرت على دراستها والعناية بها وخدمتها لتـــأخر عهد أصحـــابها ومعاصــرتهم حركة التـــدوين وهي في أوجها، وقبل هذا وذاك لقيمتها الحديثية وحسن الترتيب فيها، لذلك آثرنا الاعتماد على هذه الكتب في هذا المبحث، لبيان جهود المرأة في الرواية ونقل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ونشرها، وليس غرضنا الحصر والاستــــيعاب بقدر ما نهـــدف إلى إجـــلاء القــدر الكافي الذي يبرز لنا المساهمة التي قدمتها المرأة المسلمة على مدى القرون الفاضلة الأولى في الحفاظ على الموروث النبوي، بعد أن عرفنا حظها ومشاركتها في وضع ركائز الإيمان والعمل الصالح والدعوة، وتأسيس الأطر الأخلاقية.
ولتحقيق هذا المراد، استلزم النظر في الأسانيد، والوقوف على دور المرأة راوية للحديث النبوي، وتحديد حقل البحث في الأصول الستة(1) ثم متابعة روايات النساء عبر مختلف الكتب والأبواب منتهين إلى تكوين صورة عن حجم رواية النساء ومضامينها وقيمتها الحديثية والفقهية، مع بيانٍ لسير حركة الرواية عند المرأة عبر هذه القرون. وتوضيح هذه العناصر يكون عبر المطالب التالية:
المطلب الأول: الراويات في الكتب الستة
1- عدد الراويات الصحابيات في الكتب الستة(2):
يبلغ مجموع من لها رواية من الصحابيات في الكتب الستة جميعها سواء من روت عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو من روت عن أحد الصحابة، مائة وخمس عشرة صحابية ثابتة الصحبة، ونضيف إليهن خمس صحابيات راويات مختلف في صحبتهن، وهن: أسماء بنت زيد بن الخطاب(3)، أسماء بنت سعيد بن زيد بن نفيل(4)، صفية بنت الحارث بن طلحة العبدرية(5)، عائشة بنت مسعود بن الأسود(6)، زينب بنت نبيط(7)، إلا أنه ليس لواحدة منهن رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.. أما صفية بنت شيبة، فقد أنكر الدارقطني إدراكها(8)، وفي البخاري التصريح بسماعها عن النبي صلى الله عليه وسلم(9).
أما الحافظ المزي وهو يذكر مسانيد الصحابة في تحفة الأشراف، فقد ذكر مائة واثني عشر مسندًا لصحابيات يروين عن النبي صلى الله عليه وسلم في مجموع الكتب الستة(10).
أما متفرقة، فقد جاءت حسب ما يلي:
- روى البخاري عن إحدى وثلاثين صحابية في جامعه الصحيح.
- روى مسلم عن ست وثلاثين صحابية في جامعه الصحيح.
- روى أبو داود عن خمس وسبعين صحابية في سننه.
- وروى الترمذي عن ست وأربعين صحابية في سننه (الجامع).
- وروى النسائي عن خمس وستين صحابية في سننه (المجتبى).
- وروى ابن ماجه عن ستين صحابية في سننه.
الملاحظ أنه يوجد بعض التفاوت بين أصحاب الأصول في إخراجهم عن الصحابيات قد يصل إلى أكثر من الضعف، كما هو الحال عند أبي داود حيث روى عن أكثر الصحابيات، كذا بالنسبة للنسائي وابن ماجه ويليهم الترمذي، وكون من التزم الصحة كالبخاري ومسلم لم يرويا عن كثير من الصحابيات، فلأنهما لم تصلهما عنهن أسانيد يرضيانها وترتقي إلى الشروط التي التزماها في إخراج الحديث.
2- عدد الراويات غير الصحابيات في الكتب الستة:
سجلنا عدد الراويات غير الصحابيات في مجموع الكتب الستة، فكان مائة وثلاث راويات موزعات على الطبقات:
- ثمان راويات من كبار التابعيات (أي الطبقة الثانية).
- ستًا وأربعين راوية من الطبقة الوسطى من التابعيات (أي الطبقة الثالثة).
- ثلاثًا وعشرين راوية من الطبقة الرابعة.
- خمس راويات من الطبقة الخامسة.
- عشر راويات من الطبقة السادسة.
- عشر راويات من الطبقة السابعة.
- وراوية واحدة من الطبقة الثامنة هي طلحة أم غراب.
ثم تتوقف رواية النساء بعد هذه الطبقة، فلا نسجل راوية واحدة عبر الطبقات الأخيرة المتبقية حتى نصل إلى الشيوخ الستة.
فكما سبق وأن لاحظنا في مبحث الطبقات، أن عدد الراويات يقل تدريجياً مع القرون حتى يندر أن نسجل راوية واحدة في القرن الثالث.. وبالنسبة للأصول الستة، ولما كان حقل البحث محدودًا بها، أمكن إعطاء أرقام دقيقة إلى حد بعيد تؤكد تراجع حركة الرواية عبر القرون، فمجموع الراويات غير الصحابيات خلال هذه القرون، لم يصل إلى عدد الراويات الصحابيات.
كما أن توزيع الراويات عبر الطبقات، يشير إلى عدم توازن نشاط الرواية النسائية في مختلف الحقب الزمانية، حيث اتبعت خط التراجع والانحدار إلى أن نصل إلى الانعدام، والأرقام التي ذكرنا في كل طبقة تؤكد هذا.
3- أحوال الراويات في الكتب الستة:
لا تدخل الصحابيات رضوان الله عليهن جميعًا في نطاق هذا البحــث، لثبــوت العــدالة لهن جميعًا، سواء من روت عــن النبي صلى الله عليه وسلم أو روت عن غيره، وهذا بإجماع الأئمة(11).
أما بالنسبة لغيرهن، فالصفة التي تختص بها الراوية في هذه الأصول من جرح أو تعديل لا تخرج عن هذه الأحوال:
ثقة، مقبولة، لا يعرف حالها (مستورة)، مجهولة.. فهناك:
خمس عشرة راوية ثقة، أغلبهن من الطبقة الثانية والثالثة.
- وثلاثًا وثلاثين راوية مقبولة.
- وما تبقى فهي إما لا يعرف حالها (مستورة) أو مجهولة.
وقد ذكرنا هذه الأعداد فقط، لنلاحظ كثرة الراويات المستورات والمقبولات(12)، وهذا راجع إلى كون أحوال النساء مستورة عند من صنفوا في الرجال.. فلما خفي على هؤلاء أحوال قعيدات البيوت، سرت عليهن ضوابط معرفة الرواة، فكانت شديدة عليهن، خاصة على من لم ترو إلا القليل جدًا من الأحاديث، ولم تكن مشهورة بالطلب.
أما الراويات الثقات، فهن ممن اشتهرن بعلمهن وفضلهن وكثرة روايتهن.. وما يلاحظ أيضًا أننا لم نسجل راوية واحدة تنزل عن المرتبة التاسعة (أي مجهولة)، كما نلاحظ ذلك عند الرواة الرجال، وقد سبق أن أشرنا إلى قول الذهبي في الميزان(13) في عدم وجود راوية اتهمت أو تركوها، وهذا ما يكسب المرأة ميزة تحسب لها في عالم الرواية، تبين نقاء الراوية من شوائب البدع والكذب والضعف الشديد والنكارة.
حجم رواية النساء في الكتب الستة:
استنادًا إلى كتاب تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للمزي، مع الرجوع إلى كتاب تهذيب الكمال في معرفة الرجال للمزي أيضًا، والتقريب لابن حجر(14)، تمكنا من تسجيل:
ألفين وسبعمائة وأربع وستين رواية للنساء في مجموع الكتب الستة (2764 حديثًا) حيث وجدنا:
- ألفين وخمسمائة وتسعة وثلاثين حديثًا للصحابيات الراويات.
- مائتين وخمسة وعشرين حديثًا لسائر الراويات من غير الصحابيات.
وبينما تروي الأربع وثمانون راوية غير صحابية من مختلف الطبقات (225 حديثًا)، تروي المائة والاثنتا عشرة صحابية (2539 حديثًا).. ولمستدرك أن يقول: إن معظم الروايات عند الصحابيات هي في الحقيقة لراوية واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث تروي في مجموع الكتب الست (2081 حديثًا)، فنقول: إننا إذا حذفـنا هذا القدر، أي روايــــات عائـــشة ليبقى العدد (458 حديثًا) ترويها بقية الصحابيات، يكون اختلال في توازن حجم الرواية، حيث تتكثف في مدة قصيرة هي عصر الصحابة لتضمحل خلال القرون اللاحقة.
وملاحظة جديرة بالذكر، هي أن الألفين والواحد والثمانين حديثًا المروية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لم ترو منها تلميذات عائشة الأربع والثلاثون سوى (146 حديثًا تقريبًا)، وهذا قدر ضئيل جدًا، نفسره كما يلي
:
1- أن أم المؤمنين عائشة كانت فريدة عصرها، بل كل العصور، ولعل من المستبعد أن توجد من تضاهيها في علمها وحفظها (ولم توجد).
2- أن أصحاب الحديث ممن صنفوا في هذا الفن، لم يعتمدوا عـــلى كثــــير من روايات النســـاء، لأنها لم تصـــلهم عـــن طرق يرضونها.
3- أن الحركة العلمية لدى النساء كانت محدودة جدًا وغير مشجَّعَة على نطاق واسع بين النساء، خاصة في فترة وجود أكبر المحدثات عائشة رضي الله عنها، وهذا ما نرجحه لتفسير هذا التراجع والزهد في المساهمة في هذا العلم.
المطلب الثاني: مضامين رواية النساء في الكتب الستة:
كانت المرأة المسلمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شديدة الحرص على
تحصيل العلم الذي ينفعها في معرفة أحكام دينها وكيفية أداء واجباتها في علاقتها مع ربها ودورها في مجتمعها. وقد رأينا إقبال النساء على حضور مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إذا ما رأين الرجال قد غلبوهن طلبن منه صلى الله عليه وسلم أن يعين لهن جلسات خاصة بهن، يسألنه عن أمورهن ويتعلمن أحكام الإسلام(15) وسِجِل هذا التنافس الذي عرفته المرأة المسلمة، شاهد على المرتقى العلمي الذي بلغته خاصة في رواية أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي رواية اتسعت لتشمل الأحاديث التي تمس شتى مناحي الحياة، ما تعلق مباشرة بشؤون المرأة أو غير ذلك، مع تفاوت في كثرة روايتها في أبواب وقلتها في أخرى وندرتها في الثالثة وانعدامها في الرابعة، وكل هذا في حقل الكتب الستة المختارة.
1- رواية النساء في الأحكام:
ليس غريبًا أن تكون معظم روايات النساء ترتكز حول الأحكام، بمختلف فروعها، سواء في العبادات، أو المعاملات، أو الأحكام المتعلقة بالآداب العامة كالطعام والشراب واللباس والاستئذان، وما تعلق بضوابط أفعال العباد في حياتهم، حيث إن هذه الأحكام هي المراد الأول من التعلم، ولا تتم معرفة الدين إلا من خلال معرفة أحكامه، لامتثالها والالتزام بحدودها.
وقد سبق أن لاحظنا في مبحث أمهات المؤمنين، أن معظم رواياتهن تتعلق بالأحكام وما ارتبط بالحياة العملية. وهذا يصدق على باقي الصحابيات أيضًا، بحيث تغلب على رواياتهن القضايا التي ارتبطت بها أحكام، وخاصة ما كان في قضايا النساء. ولما كان الحديث يرد أحيانًا في باب من أبواب الأحكام ويرد أيضًا في المناقب مثلاً أو غيرها، يصعب إعطاء أرقام دقيقة حول حجم رواية النساء في الأحكام، لكن لا نتوقف كثيرًا بعد الإطلاع على مسانيد الصحابيات من تحفة الأشراف لنجزم أن رواية النساء يغلب عليها ذكر الأحكام، خاصة في أبواب الطهارة، الحيض، الصلاة، أحكام الصوم، المناسك، الطلاق، الزواج، الرضاع، الأطمعة، اللباس، الأشربة، وغيرها، دون أن ننسى روايات أم المؤمنين عائشة التي كادت تغطي جميع أبواب الفقه.
2- رواية النساء في غير الأحكام:
مع كون روايات النساء في غير أبواب الأحكام قليلة، إلا أنها روايات لها قيمتها، وهي غالبًا ما تكون عمدة في بابها، وسنفصل قليلاً في هذا المطلب:
فقد روت المرأة في الفتن وأشراط الساعة، واشتهرت روايتها، كما فعلت الصحابية أم شريك وهي تروي حديث: (ليفرّن الناس من الدجال في الجبال)(16).. وعن النساء وصلتنا أحاديث في يأجوج ومأجوج(17)، وفي ذكر الجيش الذي يخسف به(18)، (ولا يأتي زمان إلا الذي بعده شرٌّ منه)(19) وأحاديث أخرى.
كما ساهمت الراوية أيضًا في أبواب التفسير بما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية قراءة آية وبيان معانيها، وذكر أسباب نزولها...إلخ، علمًا منها أن كتاب الله الكريم مكمن الأحكام ومحل الهداية. وقد أخذت أم المؤمنين عائشة حصة الأسد في الروايات المتعلقة بالتفسير، إضافة إلى مرويات صحابيات أخريات مثل: أسماء بنت يزيد بن السكن، تروي في القراءات والتفسير، والتابعية معاذة العدوية تروي عن عائشة في التفسير، كذا عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، وأم سعد بنت سعد بن الربيع تروي في القراءات، وغير ذلك.
وفي أبواب العقائد، روت المرأة في القدر وبدء الوحي، والإيمان وغيرها، وهنا أيضًا برزت أم المؤمنين عائشة في الرواية في هذه الأبواب.
كما برزت المرأة في الرواية في المناقب، فروي لها في مناقب الصحابة، وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الروايات، مثل ما ورد في ذكر عمار بن ياسر، وفي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي فضل علي وفضل أصحاب الشجرة، وأصحاب السفينتين (مهاجري الحبشة)، وفضائل المدينة وغيرها.
المطلب الثالث: رواية المرأة عمدة في بابها:
إن الأحاديث الكثيرة التي روتها النساء، وكانت مادتها تتعلق بجميع أمور الحياة من العقائد والعبادات والمعاملات، والأحوال الشخصية والآداب وغيرها، قد اشتركت في نقلها إلى الناس مع الرجل شعوراً منها بمسؤولية التبليغ والأداء. غير أن المدونات الحديثية سجلت لنا سنناً وأحاديث لا يعرف أنه قد رواها إلا النساء، فكانت مرجعاً في الاستدلال الفقهي ووضع القواعد والأصول، فكم من حكم قضي به بناءً على حديث امرأة، وكم من سنة اتبعت ووراءها امرأة.
ومن الأحاديث التي لا يعرف أنه قد رواها إلا النساء، حديث الفريعة في سكنى المتوفى عنها زوجها(20)، وقد تفردت التابعية الجليلة زينب بنت كعب بن عجرة برواية هذا الحديث عن الفريعة، وتلقاه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقبول وقضى به بمحضر من المهاجرين والأنصار(21)، وأخذ به العلماء، واستعمله أيضًا أكثر فقهاء الأمصار وتلقوه بالقبول، وقضوا به.. فهذا محمد بن سيرين يقضي في امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة، نقلها أهلها، أن ترد إلى بيتها في نمط(22)، وكان حجة ردها إلى بيت زوجها حديث الفريعة.. وهكذا ظلت الصحابية الجليلة مرجعًا في هذا الباب لكبار الصحابة والتابعين، يسألونها عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ظل حديثها عمدة المحدثين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
- وممن حظي بهذا الشرف أيضًا، فكانت قصتها حديثًا يروى وسنة متبــعة، وحكــمًا يقضى به، فاطمة بنت قيس فيما روته عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفقة وسكنى المبتوتة(23)، وقد أخذ كبار التابعين هذا الحديث من فم فاطمة وتناقلوه عنها وارتبط باسمها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما عقد العلماء والفقهاء لهذا الحديث نقاشات كثيرة في الحكم المستنبط منه، وذهبوا في ذلك مذاهب، ومرجعهم في ذلك قصة فاطمة بنت قيس.
- وسنن كثيرة تعلقت بأحكام النساء فاهتمت برواياتها، فاشتـهرت عن طريقها، فعرفت أحكام وآثار قيمة لولا النساء ما وصلت إلينا.
- وقد تبلغ الراوية الذروة في الوعي والحفظ والأداء عندما تنفرد وحدها برواية حديث الجساسة الطويل وصفة خروج الدجال(24)، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدث به في المسجد حيث الحشود من النساء والرجال، بعد أن نودي للصلاة جامعة، فرغم طول الحديث ودقة ما فيه من صور ومشاهد وغرابتها، إلا أنه لم يصلنا إلا من طريق امرأة هي فاطمة بنت قيس مرة أخرى، فهذا إن دل على شيء فهو دال على المقدرة العجيبة لحفظ الراوية وذكائها وعلمها وإجادتها لما سمعته، كما فيه الدلالة الواضحة على حضور النساء في كافة المجالس، واهتمامهن بكل القضايا، منهن من يسعفها حفظها فتروي، ومنهن من تكتفي بالدروس والعبر المستنبطة، تستفيد منها.
- وأحاديث أخرى كثيرة، وإن كنا لا نجزم بتفرد النساء بروايتها دون الرجال، لأنها من القضايا المشتركة بين المسلمين، إلا أن رواية النساء فيها أصل وعمدة في بابها، إشارة في ذلك أن عالم الرواية علم بحره واسع، يخوض فيه كل من له قدرة عليه، والاعتماد بعد ذلك على الأتقن والأجود، وفيه أيضًا أن نساء الصدر الأول رضي الله عنهن اكتسبن من الثقة النفسية والمبادرة وحب العلم ما جعلهن مرجعًا محترمًا، وأحيانًا في كثير من القضايا الخاصة والعامة.
- فحديث أم عطية رضي الله عنها في غسل الميت(25) أصل في الباب، لذلك كان جماعة من الصحابة والتابعين يأتونها فيأخذون عنها الحديث، لحسن روايتها وفهمها للأحكام، وكانت قد غسلت بنات النبي صلى الله عليه وسلم زينب وأم كلثوم، والنبي صلى الله عليه وسلم يوج**ا ويرشدها خطوة خطوة حتى استوعبت تمام الفعل والقول النبوي وبرعت فيه، فكانت تغسل الميتات لاختصاصها في هذا المجال ودرايتها فيه.
وفي البصرة اشتهرت أم عطية بفق**ا وفهمها للحديث النبوي وأحكامه، فكانت مقصد الرجال والنساء يأخذون عنها الأحاديث العديدة، وحديثها في غسل آنية رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهور في الصحيح، إذ كان محمد بن سيرين وغيره يأخذون عنها هذا الحكم. وحديثها في خروج الحيّض وذوات الخدور إلى صلاة العيد كان مرجعًا، حتى إن التابعية الجليلة حفصة بنت سيرين تلميذتها النجيبة، كانت تقول: إنهن في البصرة كن يمنعن ذوات الخدور من شهود العيد، حتى أتــت أم عطية البصرة فبينت لهن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروج النساء للعيد، حتى أخبرتهن أن التي لا تجد جلبابًا تعيرها أختها جلبابها، حتى تتمكن من شهود هذا الخير، الأمر الذي استغربته حفصة لعدم بلوغها هذا الحكم وهي سيدة التابعيات حتى جاءت أم عطية البصرة(26) وبثت فيها أحكام النساء المتعلقة بهذا الباب، ثم خلفتها حفصة بنت سيرين في نشر أحكام المصطفى عليه الصلاة والسلام.
- وأسماء بنت عميس وهي تروي حديث فضل أصحاب السفينة(27)، وجدت نفسها مرجعًا وسندًا لبيان منقبة كانت ترى متأخرة فإذا هي متقدمة، ترفع أصحاب الدرجات العلى، ولأجلها تصبح هذه الراوية الصحابية مثابة للسائلين، فكان هذا من تمام سعادتها إذ تقول في هذا: (فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً، يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول صلى الله عليه وسلم: ولقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني)(28).
- كما يرجع الفضل في بيان فضل أصحاب الشجرة المبايعين بيعة الرضوان إلى الراوية الصحابية أم مبشر التي كانت من المبايعات في هذه البيعة، تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم تبشير الله لهم بالجنة(29).
- وأحاديث كثيرة روتها النساء وهي مرجع وأصل في بابها، تمس أبواباً كثيرة في كتب الحديث(30)، ولن يجد الباحث عناءً كبيرًا في جمع الأحاديث التي وصلتنا عن طريق النساء، ونقلها عنهن الرواة واعتمدها العلماء، فهي كثيرة، حتى لو استثنينا أحاديث أمهات المؤمنين التي لم تعرف إلا عنهن.. فكم حكم سار، وسنة متبعة، وإجماع قائم، أساسه وحجته ما حفظته امرأة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقارعها فيه أحد.
وفي النهاية نخلص من هذا كله، أن الكتب الستة شاهدة على مساهمة المرأة في الرواية، وإن كانت المساهمة العددية ضئيلة بالنسبة لسائر القرون بالمقارنة مع مساهمة الرواة من الرجال، إلا أن الروايات النسائية لها قيمتها الكبيرة باعتبار مضامينها، خاصة الروايات التي نقلتها الصحابيات رضي الله عنهن جميعًا، إذ كثير منها كما ذكرنا من الروايات المشهورة والمعتمدة في بابها.. وقد أشرنا إلى تراجع الرواية باعتــبار الحجم.. ومع بيــان ما رأينـــاه تفسير لهذا، مما يغني عن الإعادة.
المصدر الشبكة الاسلامية