هاجـــــر
09-10-2007, 07:34 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
http://img517.imageshack.us/img517/6279/w6ww6w20050424142851c23zi4.gif
الوصية بكتاب الله تعالى ( القرآن الكريم )
http://img526.imageshack.us/img526/7181/64op2.gif
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه ؛ نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين ، أما بعد :
فإن كتاب الله فيه الهدى والنور ، وهو حبله المتين ، وصراطه المستقيم ، وهو ذكره الحكيم ؛ من تمسك به نجا ، ومن حاد عنه هلك ، يقول الله - عز وجل - في هذا الكتاب العظيم : {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً}[1].
هذا كتاب الله يهدي للتي هي أقوم ؛ يعني : للطريقة التي هي أقوم ، والمسلك الذي هو أقوم ، الذي هو خير الطرق وأقومها وأهداها ، فهو يهدي إليه ، يعني : يرشد إليه ، ويدل عليه ويدعو إليه ؛ وهو توحيد الله وطاعته ، وترك معصيته ، والوقوف عند حدوده ، هذا هو الطريق الأقوم ، وهو المسلك الذي به النجاة .
أنزله الله جل وعلا تبياناً لكل شيء ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ، كما قال - سبحانه - في سورة النحل : {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[2] .
فهو تبيان لكل شيء ، وهدى إلى طريق السعادة ، ورحمة وبشرى ، ويقول - جل وعلا - : {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ}[3] ؛ هدىً لقلوبهم للحق ، وشفاء لقلوبهم من أمراض الشرك والمعاصي والبدع والانحرافات عن الحق ، وشفاء للأبدان من كثير من الأمراض .
وهو بشرى للإنس والجن ، لكنه - سبحانه - ذكر المؤمنين ؛ لأنهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به ، وإلا فهو شفاء للجميع ، كما قال - جل وعلا - : {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً}[4] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
فالقرآن شفاء ودواء للقلوب من جميع الأدواء المتنوعة ؛ أدواء الشرك والمعاصي ، والبدع والمخالفات ، وهو شفاء لأمراض الأبدان أيضاً ، وأمراض المجتمعات ؛ شفاء لأمراض المجتمع وأمراض البدن ، لمن صلحت نيته وأراد الله شفاءه ، يقول - جل وعلا - : {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[5] .
فهو كتاب يخرج الله به الناس من الظلمات ؛ من ظلمات الشرك والمعاصي ، والفرقة والاختلاف ، إلى نور الحق والهدى ، والاجتماع على الخير ، والتعاون على البر والتقوى، وهذا هو صراط الله المستقيم ، وهو توحيد الله ، وأداء فرائضه وترك محارمه ، والتواصي بحقه والحذر من معاصيه ومن مخالفة أمره ، هذا هو صراط الله المستقيم ، وهذا هو النور والهدى ، وهذا هو الطريق الأقوم ، وقال - سبحانه - في سورة الأنبياء : {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}[6] ، وقال - سبحانه - في سورة يس : {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}[7] .
والمقصود : أن الله - جل وعلا - جعل كتابه ذكراً ، وجعله نذارة ، وجعله شفاءً ، وجعله هدى ؛ فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يهتدوا به ، وأن يستقيموا عليه ، وأن يحذروا مخالفته ، قال - جل وعلا - : {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[8] ، وقال - سبحانه - : {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [9] ، وقال - جل وعلا - : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[10] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
وسئلت عائشة - رضي الله عنها – فقيل لها : يا أم المؤمنين : ماذا كان خُلُق النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : (( كان خلقه القرآن )) ، قال - تعالى - : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [11] .
والمعنى : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتدبر القرآن ، ويكثر من تلاوته ، ويعمل بما فيه ؛ فكان خلقه القرآن ؛ تلاوة وتدبراً ، وعملاً بأوامره وتركاً لنواهيه ، وترغيباً في طاعة الله ورسوله ، ودعوة إلى الخير ، ونصيحة لله ولعباده ، إلى غير ذلك من وجوه الخير .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
وقال - تعالى - : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ}[12] . فالقرآن هو أحسن القصص ، وهو خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ونصيحتي لجميع المسلمين - رجالاً ونساءً ، جناً وإنساً ، عرباً وعجماً ، علماء ومتعلمين - نصيحتي للجميع : أن يعتنوا بالقرآن الكريم ، وأن يكثروا من تلاوته بالتدبر والتعقل ، بالليل والنهار ، ولا سيما في الأوقات المناسبة التي فيها القلوب حاضرة للتدبر والتعقل ، والذي لا يحفظه يقرأه من المصحف ، والذي لا يحفظ إلا البعض ، يقرأ ما يتيسر منه ؛ قال - تعالى - : {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[13] .
وإذا كان يعرف الحروف يتهجى ؛ ويقرأ من المصحف حتى يتعلم زيادة ، والذي لا يعلم يتعلم من أمه أو أبيه أو ولده أو زوجته - إن كانت أعلم منه - والتي لا تعرف يعلمها أبوها أو أخوها أو زوجها أو أختها أو غيرهم .
وهكذا يتواصى الناس ويتعاونون ؛ الزوج يعين زوجته ، والزوجة تعين زوجها ، والأب يعين ولده ، والولد يعين أباه ، والأخ يعين أخاه ، والخال والخالة ، وهكذا الكل يتعاونون ويتواصون بهذا الكتاب العظيم ؛ تدبراً وتعقلاً وعملاً ؛ لقول الله - عز وجل - : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[14] ، وقوله - سبحانه - : {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [15] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
ولما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للناس في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع : ((إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به ؛ كتاب الله ))[16] . هكذا يوصيهم - عليه الصلاة والسلام - بكتاب الله ، ويخبرهم أنهم لن يضلوا إن اعتصموا به ، وفي اللفظ الآخر : ((كتاب الله وسنتي))[17] . وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كتاب الله ؛ لأن الله - سبحانه - يقول : {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[18] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
فكتاب الله يأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، قال - تعالى - : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}[19]
، ويقول - جل وعلا - : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا}[20] ، ويقول : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[21] .
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أوصى بالقرآن ؛ فوصيته بالقرآن وصية بالسنة ، وهي : أقواله وأفعاله وتقريراته – كما تقدم - .
ويروى عن علي - رضي الله عنه – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( تكون فتن )) ، فقيل له : يا رسول الله : فما المخرج منها ؟ قال : (( كتاب الله ؛ فيه نبأ ما كان قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ... ))[22] . الحديث .
فهو المخرج من جميع الفتن ، وهو الدال على سبيل النجاة ، وهو المرشد إلى أسباب السعادة ، والمحذِّر من أسباب الهلاك ، وهو الداعي إلى جمع الكلمة ، وهو المحذر من الفرقة والاختلاف ، قال - تعالى - : {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} [23] ، ويقول - جل وعلا - في هذا الكتاب العظيم : {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}[24] ، ويقول – سبحانه وتعالى- : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}[25] .
فهو يدعو إلى الاجتماع على الحق ، والتواصي بالحق ، كما قال - سبحانه - : {والعصر. إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [26] .
وهذه السورة العظيمة القصيرة قد جمعت الخير كله ، ما أبقت شيئاً من الخير إلا ذكرته ، ولا شيئاً من الشر إلا وحذرت منه .
وهؤلاء المستثنون فيها هم الرابحون ؛ من الجن والإنس ، من الذكور والإناث ، من العرب والعجم ، من التجار والفقراء ، من الأمراء وغيرهم ، هم الرابحون ، وهم الناجون من الخسران ، وهم الذين اتصفوا بأربع صفات ، وهي : الإيمان ، والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر .
وهؤلاء هم السالمون من الخسران ، ومن عداهم خاسر على حسب ما فاته من هذه الصفات الأربع .
فمن آمن بالله ورسوله ، وصدَّق الله في أخباره ، وصدّق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه ، وآمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الآخرة والجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك ، وآمن بأن الله - سبحانه – هو المستحق للعبادة ، وأنه واحد لا شريك له ، وأن العبادة حقه ، وأنه لا تجوز العبادة لغيره ، وصدق بهذا .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
كما أخبر الله في كتابه العظيم ، حيث قال - سبحانه - : {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ}[27]، وقال - تعالى - : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}[28] ، وقال - سبحانه -: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[29] ، وقال - تعالى - : {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[30] ، وقال - تعالى - : {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}[31] ، وقال - سبحانه - : {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}[32] ، وقال - سبحانه - : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[33] ، وقال عز وجل : {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[34] .
فهذا هو أصل الدين وأساس الملة ؛ أن تؤمن بأن الله هو الخالق والرازق ، وأنه هو المعبود الحق ، وأنه - سبحانه - له الأسماء الحسنى والصفات العلى ؛ لا شبيه له ولا كفو له ، ولا شريك له في العبادة ولا في الملك والتدبير .
كما - قال سبحانه - : {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}[35] ، وقال - سبحانه - : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}[36] ،
وقال - سبحانه - : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[37] ، وقال - سبحانه - في سورة الحج : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}[38] ،
وقال - سبحانه - : {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}[39] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة .
والخلاصة : أن الواجب على كل مكلف من الجن والإنس أن يخص الله بالعبادة ، وأن يؤمن إيماناً قاطعاً بأنه الخلاق الرزاق ، لا خالق إلا الله ، ولا رب سواه ، وأنه - سبحانه - المستحق للعبادة ، لا يستحقها أحد سواه ، وهو المستحق لأن يعبد ؛ بالدعاء والخوف والرجاء والصلاة ، والصوم ، والذبح والنذر ، وغيرها ، كلٌ لله وحده لا شريك له ، قال - تعالى - : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}[40] ، وقال - تعالى - : {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[41] .
وهذا هو معنى لا إله إلا الله ؛ فإن معناها : لا معبود بحق إلا الله ، كما قال - تعالى - : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}[42] ؛ يعني : فاعلم أنه لا معبود بحق إلا الله ، فهو المستحق أن يعبد .
ومن عبد الأصنام ، أو أصحاب القبور ، أو الأشجار أو الأحجار ، أو الملائكة أو الأنبياء، فقد أشرك بالله ، وقد نقض قول لا إله إلا الله وخالفها ، وقد خالف قوله - تعالى - : {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[43] ، وخالف قوله - تعالى - : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[44] .
فصار من جملة المشركين ؛ عُبَّاد القبور ، والأصنام والأشجار والأحجار ، الذين يستغيثون بأصحاب القبور ويتبركون بقبورهم ، ويدعونهم أو يطوفون بقبورهم يرجون نفعهم وثوابهم ، أو يستغيثون بهم ، أو يطلبون منهم الولد أو المدد ، أو ما أشبه ذلك مما يفعله عبّاد القبور ، وعبّاد الأصنام ، أو يستغيثون بالنجوم ، أو بالجن أو بالملائكة أو بالأنبياء ، أو بغيرهم من المخلوقات .
كل هذا نقض لقول لا إله إلا الله ، وشرك بالله ينافي التوحيد ويضاده ، ومخالف لقول الله - جل وعلا - {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[45] ، وقوله - تعالى - : {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[46] ، ولقوله - تعالى - : {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[47] ، وقوله - سبحانه - : {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[48] ، وقوله - تعالى - : {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[49] .
فلابد من توحيد الله ، والإخلاص له في صلاتك ، وصومك ، وسائر عباداتك ، وفي ذبحك ، ونذرك ، وخوفك ورجائك ، لابد في كل ذلك من ترك الإشراك بالله والحذر منه ، مع الإيمان بالله - ربك - وأنه خالقك ؛ لا خالق غيره ، ولا رب سواه ، مع الإيمان بأسمائه وصفاته ، وأنه - سبحانه - ذو الصفات العلى والأسماء الحسنى ؛ لا شبيه له ، ولا كفو له ولا ند له .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
كما قال - سبحانه وتعالى - : {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}[50] ، وقال - تعالى - : {فلا تجعلوا لله أنداداً}[51] ، والمراد : أشباه ونظراء ، وقال - تعالى : - {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[52] ، وقال - تعالى - : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}[53] .
وعليه - أيضاً - أن يؤمن بأن كل إنسان مكلف ، يجب أن يؤمن بأن الله - سبحانه - هو خالقه وموجده ، وأنه خالق كل شيء ومالكه ، وأنه هو المستحق أن يعبده ، وأنه هو الإله الحق ، وهو المعبود بالحق .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
[1] سورة الإسراء ، الآيتان 9 ، 10 .
[2] سورة النحل ، الآية 89 .
[3] سورة فصلت ، الآية 44 .
[4] سورة الإسراء ، الآية 9 .
[5] سورة إبراهيم ، الآية 1 .
[6] سورة الأنبياء ، الآية 50 .
[7] سورة يس ، الآيتان 69 ، 70 .
[8] سورة ص ، الآية 29 .
[9] سورة الأنعام ، الآية 155 .
10]] سورة محمد ، الآية 24 .
[11] سورة القلم ، الآية 4 .
[12] سورة يوسف ، الآية 3 .
[13] سورة المزمل ، الآية 30 .
[14] سورة المائدة ، الآية 2 .
[15] سورة العصر.
[16] رواه مسلم في الحج ، برقم : 2137 ، ورواه الترمذي في المناقب ، برقم : 3718 .
[17] رواه الحاكم في المستدرك 1/93 ، عن أبي هريرة ، وفي فيض القدير للمناوي 3/3282 ، وفي كنز العمال ، برقم : 876 .
[18] سورة التغابن ، الآية 12 .
[19] سورة النور ، الآية 54 .
[20] سورة المائدة ، الآية 92 .
[21] سورة النساء ، الآية 80 .
[22] رواه الترمذي في فضائل القرآن ، برقم : 2831 ، والدارمي في فضائل القرآن ، برقم :3197 .
[23] سورة الأنعام ، الآية 159 .
[24] سورة آل عمران ، الآية 105 .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
موقع الشيخ عبد العزيز بن باز
http://img517.imageshack.us/img517/6279/w6ww6w20050424142851c23zi4.gif
الوصية بكتاب الله تعالى ( القرآن الكريم )
http://img526.imageshack.us/img526/7181/64op2.gif
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه ؛ نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين ، أما بعد :
فإن كتاب الله فيه الهدى والنور ، وهو حبله المتين ، وصراطه المستقيم ، وهو ذكره الحكيم ؛ من تمسك به نجا ، ومن حاد عنه هلك ، يقول الله - عز وجل - في هذا الكتاب العظيم : {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً}[1].
هذا كتاب الله يهدي للتي هي أقوم ؛ يعني : للطريقة التي هي أقوم ، والمسلك الذي هو أقوم ، الذي هو خير الطرق وأقومها وأهداها ، فهو يهدي إليه ، يعني : يرشد إليه ، ويدل عليه ويدعو إليه ؛ وهو توحيد الله وطاعته ، وترك معصيته ، والوقوف عند حدوده ، هذا هو الطريق الأقوم ، وهو المسلك الذي به النجاة .
أنزله الله جل وعلا تبياناً لكل شيء ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ، كما قال - سبحانه - في سورة النحل : {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[2] .
فهو تبيان لكل شيء ، وهدى إلى طريق السعادة ، ورحمة وبشرى ، ويقول - جل وعلا - : {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ}[3] ؛ هدىً لقلوبهم للحق ، وشفاء لقلوبهم من أمراض الشرك والمعاصي والبدع والانحرافات عن الحق ، وشفاء للأبدان من كثير من الأمراض .
وهو بشرى للإنس والجن ، لكنه - سبحانه - ذكر المؤمنين ؛ لأنهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به ، وإلا فهو شفاء للجميع ، كما قال - جل وعلا - : {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً}[4] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
فالقرآن شفاء ودواء للقلوب من جميع الأدواء المتنوعة ؛ أدواء الشرك والمعاصي ، والبدع والمخالفات ، وهو شفاء لأمراض الأبدان أيضاً ، وأمراض المجتمعات ؛ شفاء لأمراض المجتمع وأمراض البدن ، لمن صلحت نيته وأراد الله شفاءه ، يقول - جل وعلا - : {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[5] .
فهو كتاب يخرج الله به الناس من الظلمات ؛ من ظلمات الشرك والمعاصي ، والفرقة والاختلاف ، إلى نور الحق والهدى ، والاجتماع على الخير ، والتعاون على البر والتقوى، وهذا هو صراط الله المستقيم ، وهو توحيد الله ، وأداء فرائضه وترك محارمه ، والتواصي بحقه والحذر من معاصيه ومن مخالفة أمره ، هذا هو صراط الله المستقيم ، وهذا هو النور والهدى ، وهذا هو الطريق الأقوم ، وقال - سبحانه - في سورة الأنبياء : {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}[6] ، وقال - سبحانه - في سورة يس : {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}[7] .
والمقصود : أن الله - جل وعلا - جعل كتابه ذكراً ، وجعله نذارة ، وجعله شفاءً ، وجعله هدى ؛ فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس أن يهتدوا به ، وأن يستقيموا عليه ، وأن يحذروا مخالفته ، قال - جل وعلا - : {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[8] ، وقال - سبحانه - : {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [9] ، وقال - جل وعلا - : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[10] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
وسئلت عائشة - رضي الله عنها – فقيل لها : يا أم المؤمنين : ماذا كان خُلُق النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : (( كان خلقه القرآن )) ، قال - تعالى - : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [11] .
والمعنى : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتدبر القرآن ، ويكثر من تلاوته ، ويعمل بما فيه ؛ فكان خلقه القرآن ؛ تلاوة وتدبراً ، وعملاً بأوامره وتركاً لنواهيه ، وترغيباً في طاعة الله ورسوله ، ودعوة إلى الخير ، ونصيحة لله ولعباده ، إلى غير ذلك من وجوه الخير .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
وقال - تعالى - : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ}[12] . فالقرآن هو أحسن القصص ، وهو خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ونصيحتي لجميع المسلمين - رجالاً ونساءً ، جناً وإنساً ، عرباً وعجماً ، علماء ومتعلمين - نصيحتي للجميع : أن يعتنوا بالقرآن الكريم ، وأن يكثروا من تلاوته بالتدبر والتعقل ، بالليل والنهار ، ولا سيما في الأوقات المناسبة التي فيها القلوب حاضرة للتدبر والتعقل ، والذي لا يحفظه يقرأه من المصحف ، والذي لا يحفظ إلا البعض ، يقرأ ما يتيسر منه ؛ قال - تعالى - : {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[13] .
وإذا كان يعرف الحروف يتهجى ؛ ويقرأ من المصحف حتى يتعلم زيادة ، والذي لا يعلم يتعلم من أمه أو أبيه أو ولده أو زوجته - إن كانت أعلم منه - والتي لا تعرف يعلمها أبوها أو أخوها أو زوجها أو أختها أو غيرهم .
وهكذا يتواصى الناس ويتعاونون ؛ الزوج يعين زوجته ، والزوجة تعين زوجها ، والأب يعين ولده ، والولد يعين أباه ، والأخ يعين أخاه ، والخال والخالة ، وهكذا الكل يتعاونون ويتواصون بهذا الكتاب العظيم ؛ تدبراً وتعقلاً وعملاً ؛ لقول الله - عز وجل - : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[14] ، وقوله - سبحانه - : {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [15] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
ولما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للناس في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع : ((إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به ؛ كتاب الله ))[16] . هكذا يوصيهم - عليه الصلاة والسلام - بكتاب الله ، ويخبرهم أنهم لن يضلوا إن اعتصموا به ، وفي اللفظ الآخر : ((كتاب الله وسنتي))[17] . وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كتاب الله ؛ لأن الله - سبحانه - يقول : {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[18] .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
فكتاب الله يأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ، قال - تعالى - : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}[19]
، ويقول - جل وعلا - : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا}[20] ، ويقول : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[21] .
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أوصى بالقرآن ؛ فوصيته بالقرآن وصية بالسنة ، وهي : أقواله وأفعاله وتقريراته – كما تقدم - .
ويروى عن علي - رضي الله عنه – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( تكون فتن )) ، فقيل له : يا رسول الله : فما المخرج منها ؟ قال : (( كتاب الله ؛ فيه نبأ ما كان قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ... ))[22] . الحديث .
فهو المخرج من جميع الفتن ، وهو الدال على سبيل النجاة ، وهو المرشد إلى أسباب السعادة ، والمحذِّر من أسباب الهلاك ، وهو الداعي إلى جمع الكلمة ، وهو المحذر من الفرقة والاختلاف ، قال - تعالى - : {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} [23] ، ويقول - جل وعلا - في هذا الكتاب العظيم : {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}[24] ، ويقول – سبحانه وتعالى- : {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}[25] .
فهو يدعو إلى الاجتماع على الحق ، والتواصي بالحق ، كما قال - سبحانه - : {والعصر. إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [26] .
وهذه السورة العظيمة القصيرة قد جمعت الخير كله ، ما أبقت شيئاً من الخير إلا ذكرته ، ولا شيئاً من الشر إلا وحذرت منه .
وهؤلاء المستثنون فيها هم الرابحون ؛ من الجن والإنس ، من الذكور والإناث ، من العرب والعجم ، من التجار والفقراء ، من الأمراء وغيرهم ، هم الرابحون ، وهم الناجون من الخسران ، وهم الذين اتصفوا بأربع صفات ، وهي : الإيمان ، والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر .
وهؤلاء هم السالمون من الخسران ، ومن عداهم خاسر على حسب ما فاته من هذه الصفات الأربع .
فمن آمن بالله ورسوله ، وصدَّق الله في أخباره ، وصدّق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه ، وآمن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الآخرة والجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك ، وآمن بأن الله - سبحانه – هو المستحق للعبادة ، وأنه واحد لا شريك له ، وأن العبادة حقه ، وأنه لا تجوز العبادة لغيره ، وصدق بهذا .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
كما أخبر الله في كتابه العظيم ، حيث قال - سبحانه - : {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ}[27]، وقال - تعالى - : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}[28] ، وقال - سبحانه -: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[29] ، وقال - تعالى - : {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[30] ، وقال - تعالى - : {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}[31] ، وقال - سبحانه - : {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}[32] ، وقال - سبحانه - : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[33] ، وقال عز وجل : {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[34] .
فهذا هو أصل الدين وأساس الملة ؛ أن تؤمن بأن الله هو الخالق والرازق ، وأنه هو المعبود الحق ، وأنه - سبحانه - له الأسماء الحسنى والصفات العلى ؛ لا شبيه له ولا كفو له ، ولا شريك له في العبادة ولا في الملك والتدبير .
كما - قال سبحانه - : {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}[35] ، وقال - سبحانه - : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}[36] ،
وقال - سبحانه - : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[37] ، وقال - سبحانه - في سورة الحج : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}[38] ،
وقال - سبحانه - : {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}[39] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة .
والخلاصة : أن الواجب على كل مكلف من الجن والإنس أن يخص الله بالعبادة ، وأن يؤمن إيماناً قاطعاً بأنه الخلاق الرزاق ، لا خالق إلا الله ، ولا رب سواه ، وأنه - سبحانه - المستحق للعبادة ، لا يستحقها أحد سواه ، وهو المستحق لأن يعبد ؛ بالدعاء والخوف والرجاء والصلاة ، والصوم ، والذبح والنذر ، وغيرها ، كلٌ لله وحده لا شريك له ، قال - تعالى - : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}[40] ، وقال - تعالى - : {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[41] .
وهذا هو معنى لا إله إلا الله ؛ فإن معناها : لا معبود بحق إلا الله ، كما قال - تعالى - : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}[42] ؛ يعني : فاعلم أنه لا معبود بحق إلا الله ، فهو المستحق أن يعبد .
ومن عبد الأصنام ، أو أصحاب القبور ، أو الأشجار أو الأحجار ، أو الملائكة أو الأنبياء، فقد أشرك بالله ، وقد نقض قول لا إله إلا الله وخالفها ، وقد خالف قوله - تعالى - : {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[43] ، وخالف قوله - تعالى - : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[44] .
فصار من جملة المشركين ؛ عُبَّاد القبور ، والأصنام والأشجار والأحجار ، الذين يستغيثون بأصحاب القبور ويتبركون بقبورهم ، ويدعونهم أو يطوفون بقبورهم يرجون نفعهم وثوابهم ، أو يستغيثون بهم ، أو يطلبون منهم الولد أو المدد ، أو ما أشبه ذلك مما يفعله عبّاد القبور ، وعبّاد الأصنام ، أو يستغيثون بالنجوم ، أو بالجن أو بالملائكة أو بالأنبياء ، أو بغيرهم من المخلوقات .
كل هذا نقض لقول لا إله إلا الله ، وشرك بالله ينافي التوحيد ويضاده ، ومخالف لقول الله - جل وعلا - {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[45] ، وقوله - تعالى - : {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[46] ، ولقوله - تعالى - : {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[47] ، وقوله - سبحانه - : {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[48] ، وقوله - تعالى - : {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[49] .
فلابد من توحيد الله ، والإخلاص له في صلاتك ، وصومك ، وسائر عباداتك ، وفي ذبحك ، ونذرك ، وخوفك ورجائك ، لابد في كل ذلك من ترك الإشراك بالله والحذر منه ، مع الإيمان بالله - ربك - وأنه خالقك ؛ لا خالق غيره ، ولا رب سواه ، مع الإيمان بأسمائه وصفاته ، وأنه - سبحانه - ذو الصفات العلى والأسماء الحسنى ؛ لا شبيه له ، ولا كفو له ولا ند له .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
كما قال - سبحانه وتعالى - : {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}[50] ، وقال - تعالى - : {فلا تجعلوا لله أنداداً}[51] ، والمراد : أشباه ونظراء ، وقال - تعالى : - {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[52] ، وقال - تعالى - : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}[53] .
وعليه - أيضاً - أن يؤمن بأن كل إنسان مكلف ، يجب أن يؤمن بأن الله - سبحانه - هو خالقه وموجده ، وأنه خالق كل شيء ومالكه ، وأنه هو المستحق أن يعبده ، وأنه هو الإله الحق ، وهو المعبود بالحق .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
[1] سورة الإسراء ، الآيتان 9 ، 10 .
[2] سورة النحل ، الآية 89 .
[3] سورة فصلت ، الآية 44 .
[4] سورة الإسراء ، الآية 9 .
[5] سورة إبراهيم ، الآية 1 .
[6] سورة الأنبياء ، الآية 50 .
[7] سورة يس ، الآيتان 69 ، 70 .
[8] سورة ص ، الآية 29 .
[9] سورة الأنعام ، الآية 155 .
10]] سورة محمد ، الآية 24 .
[11] سورة القلم ، الآية 4 .
[12] سورة يوسف ، الآية 3 .
[13] سورة المزمل ، الآية 30 .
[14] سورة المائدة ، الآية 2 .
[15] سورة العصر.
[16] رواه مسلم في الحج ، برقم : 2137 ، ورواه الترمذي في المناقب ، برقم : 3718 .
[17] رواه الحاكم في المستدرك 1/93 ، عن أبي هريرة ، وفي فيض القدير للمناوي 3/3282 ، وفي كنز العمال ، برقم : 876 .
[18] سورة التغابن ، الآية 12 .
[19] سورة النور ، الآية 54 .
[20] سورة المائدة ، الآية 92 .
[21] سورة النساء ، الآية 80 .
[22] رواه الترمذي في فضائل القرآن ، برقم : 2831 ، والدارمي في فضائل القرآن ، برقم :3197 .
[23] سورة الأنعام ، الآية 159 .
[24] سورة آل عمران ، الآية 105 .
http://img517.imageshack.us/img517/5627/47154073ua0.gif
موقع الشيخ عبد العزيز بن باز