المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنهجية في دراسة الفقه


أبو حفصة
08-11-2007, 06:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقه من أشرف علوم الشريعة، وأعظمها فائدة ونفعاً، ولذلك ينبغي أن تتوجه همم طلاب العلم إلى دراسته والعناية بتحصيله، وينبغي على طالب العلم أن يعرف المنهجية التي يسير عليها في ذلك، لتكون عوناً له في فهم مسألة أو حل عويصة أو تفسير مفهوم، وهي عبارة عن مقدمات يعرف بها كيف يتدرج في طلب العلم، حتى تكون لديه ملكة يستطيع بها أن يفهم المسائل الفقهية وأدلتها، وأقوال الأئمة واختلافهم فيها، ومن ثم يرجح بينها على ضوء ما تحصل لديه من تأصيل علمي متين.



هذه محاضرة قيمة لفضيلة الشيخ يوسف بن محمد الغفيص -حفظه الله- فهيا بنا نقرأها معًا .

أبو حفصة
08-11-2007, 06:57 PM
المقدمة

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعـد: فهذه كلمات يسيرة، وعبارات وجيزة أو نظرات في المنهجية في دراسة الفقه، أردت من خلالها الوقوف على أهم المسائل التي ينبغي لطالب العلم -ولدارس الفقه خاصة- أن يعلمها، وأن يقف عندها قبل توسعه وتشعبه في دراسة الفقه؛ لتكون عوناً له على فهم مسألة، أو حل عويصة، أو تفسير مفهوم، وقد ركزت فيها على الكلام على فقه المتقدمين والمتأخرين، وذكر ما بينهما من فروق؛ سواء في فهم الدليل، أو الترجيح، أو الخلاف... إلخ. وكما أشرت إنما هي كلمات يسيرة في هذا الموضوع الطويل المتشعب، فحسبي منها أن تكون مقدمات لطالب العلم يستدل بها على ما بعدها.. والله أسأل أن ينفع بها كاتبها وقارئها، إنه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين ......


منهجية التسلسل في طلب العلم
قد يتبادر إلى ذهن البعض أن يُذكر ما هو مقترح في دراسة الفقه من الكتب، وهذا وإن كان داخلاً في هذا العنوان إلا أنه ليس هو المعبر عنه، وأهم منه هو ما يتعلق بقواعد المنهج في هذا الباب.


وأما أن يقال: يقرأ من الكتب كذا وكذا.. فهذا قد لا يكون شأناً منضبطاً؛ فإنه يختلف باختلاف بيئات الناس وقدراتهم.. ثم إن منه قدراً مشتركاً قد يكون من الشائع بين طلبة العلم الاعتبار له، فإذا ذكر ما يتعلق بالاعتقاد -مثلاً- تجد أن ثمة كتباً قد شاع بين طلبة العلم أنها مما يدرس ويحصل ويقصد إلى شرحه والعلم به وما إلى ذلك، كالواسطية لإبن تيمية، والطحاوية وما عليها من الشرح لإبن أبي عز الحنفي، وبعض كتب السنة المتقدمة التي صنفها المصنفون على طريقة الإسناد والرواية، وحكوا فيها جمل الأئمة المتقدمين؛ كالسنة للخلال، والإبانة لإبن بطة، والشريعة للآجري ... فضلاً عما في كتب المحدثين؛ ككتاب الإيمان وكتاب التوحيد للإمام البخاري ، وكتاب الإيمان للإمام مسلم ... وإذا أردت أن تذكر ذكراً عاماً فلك أن تقول: إن ما في كتب ابن تيمية من الرسائل والمصنفات في مسائل الاعتقاد، أو الرد على المخالفين، لا ينبغي لطالب العلم أن يبالغ في الوقوف عنده؛ لأن جملة منه شائعة معروفة، وجملة منه يختلف فيها الاختيار والنظر والتقرير، بحسب ما يقع للناس، وما يقع في بيئاتهم، وما يقع في أبواب العلم عندهم.. وهذا القدر ليس هو الإشكال، وأنا أرى أنه لا ينبغي أن يقع إشكال لطلبة العلم اليوم في مثل هذه المرحلة من تاريخ المسلمين، فيما يقرءونه من العلم.. لم؟ لأن علماء المسلمين قد صنفوا في سائر علوم الشريعة وأبوابها ما يقارب اثني عشر قرناً، وهذه القرون تجد أنها مليئة بالتصانيف في سائر فنون الشريعة؛ من التفسير أو ما يتعلق بعلوم القرآن، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والاعتقاد وما يتعلق بالفرق والرد على المخالفين والمقالات... إلى غير ذلك، فإن كل فن من هذه الفنون وغيرها فيه كتب كثيرة، وفي نفس الوقت لك أن تقول: إن فيه كتباً محققة. أي: صنفها أئمة محققون في هذا الشأن، عارفون به، وأحكموا في تصنيفها، فاجتمع فيها شرف الكتاب من جهة أن المصنف اعتنى به، ومن جهة أن المصنف له في هذا التصنيف تمام الفهم. ولذلك صار من الشائع بين أهل العلم -ولا سيما في الطبقة المتأخرة- أنه إذا ذكر ما يتعلق بعلوم الحديث ذكروا مقدمة ابن الصلاح، وتجد أن هذه المقدمة صارت شائعةً معروفةً يتداولها طلبة العلم ويقرءونها، وربما قرءوا قبلها نزهة النظر للحافظ ابن حجر، ثم ألحقوها بما كتبه عليها ابن حجر من النكت، أو شرح ألفية العراقي للسخاوي في فتح الباري على صحيح البخاري.. وإذا رجعت إلى التفسير تجد أنه كتبت فيه كتب كثيرة، وربما كانت هذه الكتب ليست محققة.. بل فيها من الضلالة والخروج عن تفسير القرآن خروجاً كثيراً، كبعض الكتب التي ألفها من لم يكتبوا آثار أئمة السنة والجماعة، لكن في المقابل فإنه يوجد في علم التفسير من الكتب المحققة المعروفة، فإن هذا الباب قد كتب على أنحاء، وهو ما يسمى بالتفسير بالمأثور، وهذا فيه كتب، ولكن قد شاع بين أهل العلم أن ما كتبه ابن جرير الطبري هو العمدة في ما يسمى بالتفسير المأثور. فإذا قال طالب العلم: ماذا نقرأ في التفسير؟ ففي ظني أن هذا السؤال لا ينبغي أن يكون سؤالًا صعب الجواب؛ لأن هذا من البدهيات.


فلو قرأ طالب العلم فيما يتعلق بالتفسير بالمأثور، وآثار الصحابة ومن بعدهم في كلمات القرآن وتفسيرها ومعانيها، لو قرأ تفسيرابن جرير لكفاه في الجملة، ولا نقول: إنه قد حصل تحصيلاً نهائياً، فهذا يتعذر، إنما نقول: إنه أجمع كتاب في هذا الباب وأصدقه من جهة إمامة مصنفه، وتقدم عصره. وإذا نظرت في ما يسمى بالتفسير الذي كتب على تقدير الأحكام وجدت أن فيه كتباً، لكن ما كتبه القرطبي أجمع كتاب في هذا الباب، وكأنه أشهر كتاب وصل إلى الناس فيما يتعلق بأحكام القرآن.


وإذا ذكرت كتب الفقهاء تجد أن ثمة كتباً تعتبر إماماً في هذا العلم، فإذا ذكرت كتب الفقه المقارن اشتهر عند أهل العلم أن كتاب المغني للموفق محمد بن قدامة المقدسيعلى مختصرأبي القاسم الخرقي، من أشهر وأجود كتب الفقه المقارن، وأن ما كتبه النووي -وإن كان لم يكمله- فيما سماه بالمجموع شرح المهذب، هو من جوامع كتب الفقه، بل وما كتبه أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى.


وإذا ذكرت ما يتعلق بتفسير أو شرح حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما صنف فيه، فإن من أتم هذه الكتب وأجودها -إن لم يكن هو الأجود على الإطلاق- ما كتبه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار والتمهيد على موطأ الإمام مالك، وما ذكره الحافظ ابن حجر، أو ما في فتح الباري لإبن رجب وإن كان لم يكمله. وإذا نظرت فيما يتعلق بما صنفه المتأخرون من أحاديث الأحكام؛ كبلوغ المرام، أو المحرر، أو المنتقى؛ لوجدت من الشروح والتعليقات عليها ما هو معروف، وتجد أن نيل الأوطار للشوكاني يعد من جوامع التعليقات على كتاب يعد من جوامع كتب الأحكام المتأخرة، وهو المنتقى للمجد إبن تيمية رحمه الله.


المقصود من هذه المقدمة: أن ما يتردد كثيراً في مجالس طلبة العلم: ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ وبم نبدأ؟ وهل نقدم شرح الطحاوية على لوامع الأنوار، أم الواسطية قبل ذلك؟.. هذه القضايا من عقل العاقل وفقه الفاقه أن يدرك أنه ليس فيها حكم صارم أو لازم، وكأن هذا هو سلم العلم، فإذا انحاز الطالب أو القارئ عنه شيئاً فقد زل عن سبيل العلماء أو عن الطريق الصحيح للتحصيل؛ لأن هذه في الجملة مسائل يغلب عليها الاجتهاد، وفي الغالب أن حكم الإنسان على نفسه له قدر في التأثير على ذلك، بمعنى أن الناس يختلفون في قدرتهم على التحصيل والاستيعاب والإدراك، فينبغي أن يختار بالدرجة الأولى شيئاً يناسب طاقته وإدراكه وما آتاه الله سبحانه وتعالى.


وفيما يتعلق بالمنهجية في دراسة الفقه فإن هذا موضوع طويل متشعب، وليس المقصود أن نصل فيه إلى النهاية، أو إلى تحقيقات متينة، وإنما المقصود هنا: أن نقف جملةً من الوقفات والقراءات في هذا المفهوم، وسنجملها في عشر مسائل، على ما سيأتي..

أبو حفصة
08-11-2007, 10:31 PM
المسألة الأولى: المـراد بالفقـه

لقد ذُكِرت هذه الكلمة -أعني: كلمة الفقه- في القرآن، فقال الله سبحانه وتعالى: http://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا (http://www.sayadla.com/vb/) http://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الأعراف:179] ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كما في الصحيح-: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، فيُذكر هذا الاسم على معنى عام: وهو الفقه في دين الله. وهذا يشمل الفقه في مسائل الشريعة وفروعها، ويشمل الفقه في مسائل أصول الديانة، وما يتعلق بأحكام الله سبحانه وتعالى والتشريعات والتدبر لأخباره، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، فهذا كله داخل في اسم الفقه العام الذي أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام.



ويذكر هذا الاسم على معنىً خاص، وهو الاسم الإضافي الذي يذكر مقارناً لجملة العلوم الأخرى، فيقال: علم الفقه، وعلم الحديث، وعلم التفسير... الخ، فإذا ذكر الفقه على هذا الاصطلاح -وهو المقصود هنا- فإنه يقصد به: المسائل الفرعية من الشريعة، بحيث تخرج أصول الشريعة؛ سواء كانت هذه الأصول مقدمات وهو ما يسمى بقواعد الشريعة، أو كانت هذه الأصول نتائج وهي ما يسمى بالاعتقاد؛ فإن الأحكام الكلية من النتائج المجمع عليها تعتبر من أصول الدين.


فإذاً يقصد بالفقه: ما يتعلق بمسألة الشريعة وفروعها، ولا يلزم من قولك: إنه يقصد بالفقه ما يتعلق بفروع الشريعة أن يكون هذا العلم لا يقصد به ذكر المجمع عليه، فإنك تعلم أن كتب الفقهاء فيها جزء كبير من مسائل الإجماع، ولكنها في باب التشريع، بمعنى أن هذا الباب يكون قدر منه قد أجمع عليه؛ كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس، أو حتى على بعض التفاصيل التي هي دون ذلك، وتجد أن أكثر هذا الباب إذا فُصلت صوره التي تُنزل على المكلفين أو تطرأ للمكلفين وجدت أن هذه الصور في الجملة تقصر عن مقام الإجماع المحقق. فيكون المقصود بهذه التسمية الخاصة ما يتعلق بالعبادات والمعاملات؛ ولذلك ربما قيل: الفقه ينقسم إلى قسمين: العبادات والمعاملات، وإن كانت المعاملات تلحقها أبواب أخرى في تمام ونهايات كتب الفقه. هذا أمر معروف، وهو مجرد مدخل واصطلاح في هذه المسألة. ......

أبو حفصة
08-14-2007, 04:58 PM
المسألة الثانية: دليـل الفقـه


الأدلة المجمع عليها



من المعلوم أن دليل العقيدة أو أصول الدين هو: الكتاب والسنة والإجماع.


وكذلك إذا ذكرت دليل الفقه فإنك تقول: الكتاب والسنة والإجماع. وهذه الأدلة الثلاثة مجمع عليها بين فقهاء المسلمين أجمعين، وثمة أدلة أخرى، وهي ما سماه أو اصطلحه بعض الأصوليين -وهي تسمية مناسبة-: الأدلة المختلف فيها، وهي تبدأ من القياس، وقول الصحابي، والاستصحاب، وهذه منزلة أولى في ما سمي بالدليل المختلف فيه، ثم تأتي منزلة ثانية دون هذه المنزلة، وهي ما سمي بالمصلحة المرسلة، وعمل أهل المدينة، والاستحسان، ونحو ذلك.


والأصل في دين الإسلام أن الاستدلال يكون بالكتاب والسنة، وهذا كقاعدة شرعية ضرورية الديانة: أن الدليل هو ما جاء عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ومعلوم أن الإجماع إذا ذكر -ومسألة الإجماع فيها كلام كثير- وما عليه جملة من المتقدمين -كما يذكره الشافعي في الرسالة، وابن تيمية في الواسطية وغيرها، ونص عليه أبو محمد بن حزم- أن الإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة أو إجماع الطبقة الأولى من الأمة في المسائل التي ضبط الإجماع فيها، بمعنى: أنه ربما زعم الإجماع على مسائل من الفروع ليس أمرها على باب الإجماع المحقق، ولما أدرك من أدرك من الأصوليين هذا المعنى تكلموا في ما سمي بالإجماع الفقهي والإجماع الظني، أو ما يسمى بالإجماع السكوتي. فإذاً: الإجماع إذا صح وانضبط فإنه مبني على الكتاب والسنة، بمعنى: أنه لا يمكن أن يجمع العلماء على مسألة إلا وفيها نص من الكتاب أو السنة على الحكم، سواء كان هذا النص خاصاً أم بتواتر دلالة عامة.

فإذا قيل: إن كل إجماع فيه نص، فربما كان هذا النص نصاً خاصاً، وربما كان النص -أو معنى النصية هنا- عبارة عن تواتر دلالة على هذا الحكم؛ ولذلك قد تجد أن المجمعين من الأئمة يختلفون في تحصيل مناط هذه المسألة ومبتدئها من دلائل الشريعة.

أبو حفصة
08-14-2007, 05:02 PM
الأدلة المختلف فيها

أما ما بعد ذلك فلو قال قائل: من أين دخل على المسلمين أن يستدلوا على شريعتهم بما ليس من كتاب الله أو سنة نبيه http://www.sayadla.com/vb/images/smilies/smallsmiles/salla-y.jpg، أو الإجماع المبني على النص؟ قيل: ما سمي بالدليل المختلف فيه وأوله القياس، وما يتعلق بأقوال الصحابة، والاستصحاب، ولك أن تقول: إن الاستصحاب قدر متقدم على قول الصحابي؛ لأنه بمعنى المتولد من الدليل الشرعي المنضبط.


وقد قلنا: إن الكتاب والسنة والإجماع هي أدلة لا يجادل أحد في شرعيتها، ومن تكلم في الإجماع لم يتكلم في صدقه إذا صح، إنما تكلم في إمكان صحته، ومتى يكون ممكن الصحة.
وأما إذا صح وانضبط فلا أحد يجادل أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة.


إذًا: فالدليل المختلف فيه لك أن تسميه بالدليل المتولد من دليل الشريعة المنضبط، فالقياس عبارة عن دليل متولد، وكذلك ما يتعلق بالاستصحاب، فهذان الأصلان من الاستدلال -ولا سيما القياس والاستصحاب- لهما قدر شائع عند العلماء، وكأن عامة أهل العلم المتقدمين -أو جماهير الأئمة المتقدمين- كانوا على تصحيح الاستدلال بمسألة القياس، وإن كانوا متفاوتين في اعتبار هذا الدليل، ولا شك أن ثمة فرقاً -مثلًا- بين فقهاء الكوفة وبين فقهاء المحدثين، أو بين أئمة المحدثين -فضلاً عن فقهائهم- في مسألة اعتبار القياس دليلاً، وسوف يأتي التنبيه إليه فيما يلحق من المسائل. المقصود: أن هذه المسائل المختلف فيها هي أدلة شرعية في الجملة.

بـراءة
08-14-2007, 09:25 PM
جزاكم الله خيراااااااااااااااااااا

أبو حفصة
08-16-2007, 09:46 PM
جزاني وإياكم؛

مازال للحديث بقية, فتابعونا.

أبو حفصة
08-17-2007, 10:07 PM
دليل القياس عند المتقدمين


وما يتعلق بمسألة القياس فإن جماهير الأئمة يعتبرونه، وإن كان نقل من نقل من المتأخرين عن بعض المتقدمين الإبطال له، وهذا في مسائل بعينها، أما أنهم يبطلون القياس مطلقاً الذي هو قياس التمثيل أو الشمول فهذا بعيد؛ بل لسائر هؤلاء الأئمة -ولاسيما المحدثين الذين نسب إلى قوم منهم ما يتعلق بإبطال القياس- قول معروف فيما يتعلق بقياس الشمول. وكأن أشد الذين كانوا يغلقون مسألة القياس من المتقدمين وممن صار له أصل مشهور في الفقه هو: داود بن علي (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000360&spid=1119) ، وتجد أن داود بن علي (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000360&spid=1119) تكلم في النص ودليله، مع أن ما يتعلق بدليل النص ومفهومه -كما شرحه ابن حزم (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000032&spid=1119) في سبع صور - عند داود بن علي (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000360&spid=1119) ، تجد أن جملةً كثيرةً منها هي من باب ما يسمى بقياس الشمول، وإن كان ابن حزم (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000032&spid=1119) يحسن التباعد عما يسمى بقياس التمثيل، فإنه يقع في تقارير فقهية مبنية على قياس الشمول.


فما أصل مسألة القياس؟ هي في أصلها مسألة اصطلاح، فإنك تعلم أن القرآن ليس فيه ذكر لمثل هذه الكلمة على هذا التقرير، فإن ما اصطلح عليه هو في الحقيقة: أن القياس رد لحكم لم ينص عليه الشارع إلى آخر قد نص عليه؛ لوجود اتفاق في علته، أو في عموم اللفظ الذي رد به الحكم إلى الحكم الثاني الذي لم ينص عليه، فهو من نقل الحكم إلى الحكم لاتحاد الموجب أو لاتحاد العلة.


فالمقصود: أن الأدلة المختلف فيها كان الأئمة في الجملة يعتبرون قدراً منها. نعم، هناك نوع من الأدلة لم يعتبره الجماهير كعمل أهل المدينة، فإن مالكاً (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000084&spid=1119) وجملةً كانوا يقدمون هذا الدليل ويعتبرونه ويحتجون به، وجملة من الأئمة -كما نص عليه الشافعي (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000072&spid=1119) وغيره أنهم- لا يعتبرون عمل أهل المدينة حجة.


تنبيـه: وأريد أن أنبه في مسألة ما يسمى بالأدلة المختلف فيها إلى أنه: لا يلزم أن يكون من نطق أو استعمل بعض هذه الأدلة أنه كان يراها حجةً لازمة؛ بل ربما اعتبرها حجةً محركةً إلى الحكم، مستظهرة له، أو لك أن تقول: إنها حجة ظنية، بل وربما استعمل من استعمل ما يتعلق بقول الصحابي أحياناً كما يفعله بعض الأحناف، وقد نص ابن تيمية (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000006&spid=1119) على أن الإمام أبا حنيفة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000052&spid=1119) استدل بقول الصحابة في مسائل معروفة، وأن من نقل عنه من أصحابه أنه يعطل مسألة أقوال الصحابة تعطيلاً مطلقاً فإنه ليس شأنه كذلك. نعم، هو ربما جعل قول الصحابي ليس من باب الحكم وإنما من باب الترجيح.


وهذه مسألة لابد من إدراكها لطالب العلم: أن بعض الدليل الذي يسمى دليلاً مختلفاً فيه، لك أن تستعمله إما من باب التحصيل به -أي: تحصيل الحكم به- وإما أن يكون من قرائن ودلائل الترجيح لهذا الحكم. فمثلاً: لو سأل سائل: هل عمل أهل المدينة حجة؟ قيل: الصحيح أنه ليس بحجة، وعلى هذا الجماهير من الأئمة، لكن المسألة إذا كان قدرها على قدر من عدم النص فيها، وصار ما قضت به عمومات الشريعة موافقاً لعمل أهل المدينة؛ صح لك وأنت ترجح في هذه المسألة أن تجعل من قرائن الترجيح أن أهل المدينة النبوية درجوا على هذا العمل في هذه المسألة، فهنا لم يقع لك استدلال مباشر أو تحصيل الحكم بعمل أهل المدينة، وإنما تحصل لك الحكم بجملة من الأدلة، ربما أن كل واحد منها لو انفرد لم يكن محركاً للتمام في الحكم، ولكنها لما اجتمعت صارت من باب القرائن والدلائل المجتمعة.

البــــراءُ بنُ أحمــــــد
08-18-2007, 12:48 AM
جزاك الله خيرا وبارك الله فيك

وإني إن شاء الله متابع

أبو حفصة
08-25-2007, 12:45 AM
المسألة الثالثة: فقه المتقدمين وفقه المتأخرين


لقد ظهر في هذا العصر بين كثير من طلبة العلم التعليق على مسألة: الفرق بين طريقة المتقدمين والمتأخرين في علم الحديث والتصحيح والتضعيف، وما يتعلق بهذا العلم، وإذا تأملت ما يتعلق بشأن الفقه فإن هذه النظرية -إن صح أن تسمى كذلك- يمكن أن تكون نظريةً تستحق قدراً من الدراسة والنظر والاعتبار والمراجعة في ما يتعلق بالفقه، بمعنى: أن ثمة فرقاً بين فقه المتقدمين وبين فقه المتأخرين. وليس هذا من باب أن تقحم الأمة أو المجالس العلمية بفرضيات للمراجعة؛ بل هذا أمر من طبيعة الأحوال وضرورتها، فإنه لا يجادل أحد في أن فقه الأئمة المتقدمين أشرف أداءً وأوعى من فقه متأخريهم، فإن الإمام ليس كالتابع له، فهذا الفرق جزء منه يعتبر جزءاً ضروري الثبوت. ......

منى السقا
09-27-2007, 06:10 AM
باركَ الله فيكَ اخي الفاضل
ونفع بكِ
ماشاء الله
موضوع قيم جزاكَ الله عنا الفردوس الأعلى
ولي عوده واستكمال القرآءة بإذن الرحمن

محمد ناصر الدين
09-27-2007, 10:17 AM
تسجيل حضور ، ولي عودة إن شاء الله تعالى

جزاك الله خيراً أخي الكريم

أبو حفصة
12-10-2007, 08:21 AM
جزاني وإياكم خيرا.

بنت العلويين
12-11-2007, 10:14 AM
بارك الله فيكم و جزاكم كل خير

أبو حفصة
01-03-2008, 11:56 AM
تخريج الأحكام على أقوال الإمام وقواعده



إذا تأملت في مسألة الفقه، وما كتبه الفقهاء المتقدمون كالإمام الشافعي (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000072&spid=1119) في رسالته، وما كتبه المتأخرون، أو طريقة التفقه بوجه عام؛ وجدت أن ثمة فرقاً بين فقه المتقدمين وبين فقه المتأخرين؛ ولاسيما إذا اعتبرت أن ما يتعلق بفقه المتأخرين مجمل جمهوره فيما سمي بالمذاهب الفقهية الأربعة، أو بالمذاهب الفقهية الخمسة، إذا أدخلت مذهب الظاهرية.


بمعنى: أن الفقهاء المتأخرين هم في الجملة: إما حنفي، أو شافعي، أو مالكي، أو حنبلي، أو ظاهري. وحتى يتبين لنا أن هذا التفريق له وجه محقق من جهة العلم يقال: هل الأئمة مالك (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000084&spid=1119) ، والشافعي (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000072&spid=1119) ، وأبو حنيفة (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000052&spid=1119) ، وأحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) ، وداود بن علي (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000360&spid=1119) رحمهم الله.. هل هؤلاء نصوا على سائر هذه المسائل الفقهية التي نص عليها أتباعهم؟ الجواب: قطعاً لا. هل هؤلاء في ما نصوا عليه من المسائل قد نصوا على دليل في ما ذكروه من الحكم؟ الجواب: لا.


إذاً: فثمة قدر كبير من الفروع والمسائل التي أضيفت لفقه مالك (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000084&spid=1119) أو الشافعي (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000072&spid=1119) أو أبي حنيفة (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000052&spid=1119) أو أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) أو داود بن علي (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000360&spid=1119) وهو لم ينطق بها؛ ولذلك عرف الفقهاء في المذاهب الأربعة ما يسمى بالتخريج على أقوال الإمام، وعُرفت أوجه الأصحاب، بل عرفت المحتملات -وهي ما احتمل الفقه عند الأصحاب- وعرفت أقوال الأصحاب... إلى غير ذلك.


إذاً: إذا قرأت كتاباً من كتب الفقهاء، فهل هذا الكتاب محقق على قول هذا الإمام أم أنه ليس محققاً؟ ليس بالضرورة أن تكون سائر أقوال هذا الكتاب -وإن أضيفت إلى مذهب أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) أو الشافعي (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000072&spid=1119) أو مالك (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000084&spid=1119) - وهي أقواله؛ ولذلك لما صنف ابن قدامة (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000288&spid=1119) رحمه الله المقنع، وذكر أنه هو المختار عنده في مذهب الإمام أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) ، فإذا رجعت إلى ما كتب على المقنع مما قصد به تحرير مذهب الإمام أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) أو تحرير مذهب الحنابلة، مثل كتاب الإنصاف؛ فإنك تجد أن صاحب الإنصاف يذكر خلافاً كثيراً على أكثر جمل المقنع: هل المذهب على هذا الوجه، أم على هذه الرواية، أم على الرواية الثانية؟ بمعنى: أنك تجد في فقه الإمام أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) روايات كثيرة قد اختلف أصحابه أيها المذهب، هذا فضلاً عما نسبوه إليه من الرواية أو من التخريج على الرواية وليس قولاً له، فضلاً عما في كتب هذه المذاهب الأربعة وغيرها من الأقوال التي لا يضيفونها إلى الإمام، وإنما يجعلونها من تكميل المذهب، وهي أقوال أو أوجه للأصحاب.


فإذاً: لا شك أن الأئمة لم ينصوا على كل هذه المسائل بالتنصيص، كما أن ما نصوا عليه من المسائل لم ينصوا على حكمه؛ ولذلك استدل الأصحاب لما نقل عن أئمتهم من الأقوال، ولذلك ربما ضعف عندك قول من الأقوال لأحد من المتقدمين من الأئمة لأنك تقرأ في كتاب فقيه متأخر: أن هذا القول بني على دليل كذا وكذا، فيكون هذا الدليل دليلاً ضعيفاً، فإذا قلت: إن هذا الدليل ضعيف؛ حكمت على القول بأنه قول ضعيف، وربما كان التحقيق: أن الإمام الذي قال هذا القول لم يبن قوله على هذا الدليل.


ومن طريف المسائل -وإن كنت لا أحب أن أدخل في ذلك لضيق المجال-: أنه ربما استدل بعض الحنابلة المتأخرين بأدلة كان الإمام أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) يشدد في إبطالها وردها وإنكارها من جهة إسنادها وروايتها، ولكنهم وجدوها في كتب السنة، أو في الرواية، أو كتب الأحكام خاصة؛ فاستودعوها أدلةً؛ لأنها من جهة متنها تدل على الحكم إما نصاً وإما ظاهراً وإما دون ذلك؛ وذلك لأن كثيراً ممن كتب في فقه المذاهب الأربعة لم يكن عالماً بالرواية والإسناد، وما يصح وما يضعف، فربما استدل المتأخرون لقول مالك (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000084&spid=1119) أو أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) أو غيرهم بدليل ضعيف، فيقال: إن هذا القول ضعيف؛ لأن دليله ضعيف. والحق: أن الإمام لم يبن القول على مثل هذا الدليل. بمعنى: أنك تجد أن الحنابلة استودعوا في كتب فقههم المتأخرة جملة ما ذكره أبو داود (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000121&spid=1119) -صاحب الإمام أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) - في سننه، وما ذكره سعيد بن منصور (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000362&spid=1119) ؛ فتجد أن غالب الأدلة في سنن سعيد بن منصور (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000362&spid=1119) ، أو سنن أبي داود (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000121&spid=1119) ، قد نزلها فقهاء الحنبلية على كتب فقههم، وعلى مفصل مسائلهم التي قدر كثير منها ما نطق به الإمام أحمد (http://audio.islam***.net/audio/index.php?page=ft&sh=1119&ftp=alam&id=1000008&spid=1119) . هذا ليس من باب الظلم لهذه الكتب؛ لكنه من باب تحصيل الفرق بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين. إن الفرق بين فقه المتقدمين وفقه المتأخرين ربما يقع امتيازه وتقع فروقه في خمس وقفات:

أبو حفصة
01-09-2008, 09:58 PM
الفرق الأول: في مفهوم الدليل



قال الزهري رحمه الله: (ليس كل شيء نجد فيه الإسناد) .



هذه الكلمة لـ ـمحمد بن شهاب الزهري -وهو إمام مدني متقدم مجمع على إمامته- تعطي إشارة إلى نوع من الفقه الذي كان عليه المتقدمون من الفقهاء الأوائل، ومعنى هذا: أن مفهوم الدليل عند المتقدمين كان عبارة عن فقه استقراء للشريعة، ولذلك فإن المتقدمين من الفقهاء وأولهم صحابة رسول الله http://sayadla.com/vb/images/smilies/smallsmiles/salla-y.jpg ، ثم من بعدهم من التابعين والأئمة قد نصوا على مسائل الفقه، وتكلموا واطرد فق**م قبل أن كتبت ما يسمى بكتب أصول الفقه، بل حتى ما كتبه الشافعي في رسالته ليس عبارة عن نظم أصولي اطرادي على آحاد الفروع من جنس النظم الذي كتبه الغزالي في المستصفى أو البرهان لأبى المعالي الجويني، بل ما ذكر الشافعي في الرسالة فيه تفعيل لمسألة الفقه وشرحه، وربما تأتي الإشارة إلى مقصود الشافعي بذلك في الجملة.



إن مفهوم الدليل عند المتقدمين لم يكن مجرد النص، فإنك إذا تقلدت النص على المسألة، وجعلت لذلك نظاماً: أن ما لا نص فيه من المسائل فإنه يرد إلى أصل عام، كالاستصحاب مثلاً، أو كالقول بالبراءة الأصلية، وربما أن ما لا نص فيه أدخله بعض المتشددين في الفقه في باب الاحتياط والإغلاق.. هذا لا شك أنه لم يكن فقهاً متقدماً، بمعنى: أن المتقدمين كانوا يأخذون النص، وكانوا يأخذون كثيراً من فق**م من قرائن الشريعة العامة، وهذا في الجملة هو الذي فات كثيراً من المتأخرين -إن لم يكن الأكثر من المتأخرين- التحصيل له، بمعنى: أن مالكاً و الزهري و الشافعي وأمثال هؤلاء كانوا على فقه لجملة أبواب الشريعة، وهو ما يسمى بفقه الاستقراء.



وفقه الاستقراء يحصل بوجهين: الوجه الأول: من فقه القرآن والتدبر لكلام الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك كانوا عارفين بفقه القرآن من جهة أحكام القرآن نفسها، أو من جهة مقاصد التشريع في القرآن. الوجه الثاني: أنهم عارفون بمفصل سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفقه الصحابة لهذه السنة، ولذلك مما درجوا عليه: أن كل باب من أبواب الشريعة؛ كباب الطهارة، أو باب الصلاة، أو الزكاة، تجد أن لهم قبل أن ينظروا -كما يصنع كثير ممن يطلب الفقه من المتأخرين- في آحاد المسائل الفقهية، يكون لهم نظر أول هو: تقعيد سبل الاستقراء. هذا النظر الأول هو عبارة عن فقه أو فهم مفهوم الشارع ومقاصده في هذا الباب من الشريعة، فتجد أن باب الزكاة مثلاً فيه أصول شرعية انضبطت، وتجد أن ما يحل من المأكولات وما يحرم فيه أصول قد انضبطت، فيقعدون هذه الأصول التي يحصلونها من القرآن، ومن مجمل سنة النبي http://sayadla.com/vb/images/smilies/smallsmiles/salla-y.jpg ؛ من فعله وقوله وتقريره، فتجد أن عندهم في كل باب من أبواب الشريعة جملةً من الأصول. ثم إذا دخلوا في مسألة الفروع لهذا الباب: فإذا كان الفرع فيه نص استعملوا هذا النص، ويكون هذا النص موافقاً لهذا الباب، وإذا لم يكن هناك نص لهذا الفرع؛ وذلك لأن التفريع الفقهي في الغالب لا يكون متناهياً؛ لأنه اعتبار للطارئ من أحوال المكلفين؛ ولذلك يقول الفقهاء: فإن ترك ركناً.. فإن ترك واجباً.. فإن سلم قبل أن يسجد للسهو.. فإن هذه أمور تعتبر مما يطرأ على المصلي؛ فيردون هذه الطوارئ -وهي الفروع الفقهية التي تشققت في كتب الفقهاء- إلى الأصول المقررة عندهم، بل صار من فق**م أنهم لو وجدوا حديثاً فرداً -أي: من آحاد الرواية على معنى المحدثين الأوائل لا المتكلمين- في باب، وإسناده ليس بذاك التام، ولم يعتبره أئمة الشأن من جهة الصحة، ولو قواه من قواه منهم، ووجدوا أن هذا الحديث يخالف ما يتعلق بأصول هذا الباب؛ وجدت أنهم يقدمون في الحكم اعتبار الأصول في هذا الباب على اعتبار دليل تفرد به من تفرد. مثال: عندما سئل الإمام أحمد عن زكاة حلي النساء، قال: (إن خمسةً من الصحابة يقولون: لا زكاة فيه). فهل مذهب الإمام أحمد: أن كل مسألة للصحابة فيها قول يلتزمه؟ الجواب: لا؛ لكنه يزيد المسائل؛ بمعنى: أنه وجد أن الأصل في باب الزكاة: أن ما يتعلق بأموال القنية والارتفاق في بني آدم كمنازلهم ولباسهم ونحو ذلك لا زكاة فيه، مع أن أجود حديث في هذا الباب هو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجده -على المشهور عند الجمهور- هو عبد الله بن عمرو بن العاص ، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص من أشهر المفتين من الصحابة بأن حلي النساء لا زكاة فيه، وإن كان المتأخرون في كتب الأصول يذكرون قاعدة: إذا خالف الراوي ما روى فإن المقدم عند الجمهور الرواية وليس الرأي، وربما قالوا: هذا مذهب مالكو الشافعي والإمام أحمد ، خلافاً للأحناف الذين يقدمون الرأي على الرواية. وهذه قاعدة متأخرة ليست محكمة، وقد قدم الأئمة فتوى بعض الصحابة التي خالفت ما نقل عنهم من الرواية، بل ربما صار عندهم -كما هو عند أحمدوأمثاله من الأئمة المتقدمين- أن فتوى الصحابي بخلاف ما نقله عنه بعض أصحابه دليل عنده على عدم صحة هذه الرواية عنه، ولذلك لما سئل الإمام أحمد عن حديث طاوس عن ابن عباس في الطلاق وهو في صحيح مسلم : ( كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله، وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ). قال الإمام أحمد: أكثر الناس يروون عن ابن عباس خلاف هذا. فلما وجد أن الفتوى التي شاعت عن ابن عباس أنه استقر أصحابه في نقل فتواه على أنه يفتي أن طلاق الثلاث ثلاث؛ لم يعتمد الإمام أحمد هذه الرواية عن ابن عباس ، مع أن مسلماً قد خرجها في صحيحه.



وبهذا يتبين أن بعض تقعيدات المتأخرين ليست من التقعيدات الصحيحة، وما كان منها ممكناً فهو في كثير من الأحوال لا يكون لازماً.



إذاً: مما يتعلق بمسألة الدليل هو هذا المعنى: التوسيع لمسألة الاستدلال عند المتقدمين على معنى فقه الشريعة، ونحن المتأخرون ندرك أنه ربما تعذر علينا أن نتصور هذا النوع من الدلالة التي لم تتحصل لكثير من المتأخرين؛ لأن الفرق بين التحصيل الذي كان عليه الأوائل يختلف عما حصله المتأخرون من الناس أكثر من أهل العلم منهم.



إذاً: ما يتعلق باعتبار قواعد الشريعة وأصولها؛ نجد أن أحياناً أحياناً يحاول السلوك في مثل هذا المسلك، ونجد أنه يقول -مثلاً-: سجود السهو مبني على خمسة من الأدلة هي: سنة النبي... فيرد مفصل أحكام السهو في الصلاة إلى هذه الأدلة الخمسة. وهذا نوع من القصد الحسن، لكنه لا يصل إلى تقعيد المتقدمين. إذاً: ينبغي على طالب العلم أن يقصد إلى فقه هذا الباب؛ حتى لا يقع في الاضطراب، بل يكون فق** فقهاً مطرداً؛ وهو مراعاة قواعد الشريعة العامة والخاصة في باب من الأبواب. وأؤكد على كلمة الزهري لما قال: ( ليس كل شيء نجد فيه الإسناد) .