محمد كُريم
05-05-2007, 12:13 AM
معنى الهوى فى اللغة والشرع
الهوى هو ميل النفس إلى الشىء يقال:هذا هوى فلان وفلانة هواه رأى مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل فى الحب المذموم كما قال تعالى . وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى النازعات (40-41) ويقال إنما سمى هوى لأنه يهوى بصاحبه وفى قصة أسارى بدر قال عمر رضى الله عنه .فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت . وذكر الحديث وفى السنن أن أعرابياً قال للنبى صلى الله عليه مسلم. جئت أسألك عن الهوى فقال: المرء مع من أحب وكل حال هواء قال تعالى :وأفئدتهم هواء (أبراهيم 43) أى خالية لا تعى شيئاً والهاوية جهنم لأن الكافر يسقط فيها فهوى النفس مأخوذ من الخلو والسقوط لأنه خال من كل شىء ويهوى بصاحبه فيما لا ينبغى . وقيل: سمى بذلك لأنه يهوى بصاحبه فى الدنيا إلى كل داهية وفى الآخرة إلى الهاوية . وقوله تعالى كالذى أستهوته الشياطين فى الأرض حيران (الأنعام 71) أستغوته وزينت له هواه ودعنه إليه. وهوى النفس أرادتها وقيل محبة السنان الشيىء وغلبته على قلبه قال تعالى: ونهى النفس عن الهوى النازعات(40) معناه : نهاها عن شهواتها , وما تدعو إليه من معاصى الله عز وجل وأما قوال الله تعالى " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ” ص (26) فمعناه : ولا تؤثر هواك فى قضائك على الحق والعدل فتجور عن الحق , فيضلك ذلك عن سبيل الله , وقيل : لا تقدتد بهواك المخالف لأمر الله فيضلك عن سبيل الله أى عن طريق الجنة. فالهوى إذاً ميل الطبع إلى ما يلائمه كما قال ابن الجوزى وابن القيم , وهو أيضاً ميل النفس إلى الشهوة
حكم أ تباع الهوى
خلق الميل فى الأنسان لضرورة بقائه: فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل وما شرب ولا نكح فالهوى مستحث لها لما يريده كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغى ذم الهوى مطلقاً ولا مدحه مطلقاً كما أن الغضب لا يذم مطلقا ولا يمدح مطلقا وإنما يذم المفرط من النوعية وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة القدر لأنه يندُر من يقصد العدل فى ذلك ويقف عنده كما أنه يندر فى الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى فى كتابة الأذمة وكذلك فى السنة لم يجىء إلا مذموماً إلا ما جاء منه مقيداً بما يخرج معناه عن الذم كقولهم: هوى حسن, وهوى موافق للصواب. وقد قيل الهوى * لايؤمن.
الهوى يُعمى ويصم
قال الشعبى وسمى هوى لأنه يهوى بصاحبه ومُطلقة يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر فى العاقبة ويحث على نيل الشهوة عاجلاً وإن كانت سببا لأعظم الألام عاجلاً وآجلاً فللدنيا عاقبة قبل الآخرة والهوى يعمى صاحبه من ملاحظتها والمروءة والدين والعقل ينهى عن لذة تعقب ألما وشهوة تورث ندما فكل منها يقول للنفس إذا أرادت ذلك لا تفعلى والطاعة لمن غلب وأوضح ابن القيم أن مدمنى الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنهم قد صارت عندهم منزلة العيش الذى لا بد لهم منه ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرا فى الأحيان غير أن العادة مقتفية ذلك فيلقى نفسه فى المهالك لنيل ما تطالبه به العادة ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقى من حيث قدر السعادة وأغنم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد الذة فهو كالطائر المخدوع بحبة القمح لا هو نال الحبة ولا هو تخلص مما وقع فيه وقال ابن تيمية صاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه فلا يستحضر ما لله ورسوله فى الأمر ويطلبه أصلا ولا يرضى لرضى الله ورسوله ولا يغضب لغضب الله ورسوله بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه فليس قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هى العليا بل قصده الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه أو الغرض من الدنيا فلم يكن لله غضبه ولم يكن مجاهد فى سبيل الله بل إن أصحاب الهوى يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهداً معذوراً لا يغضب الله عليه ويرضون عن من يوافقهم وإن كان جاهلاً سىء القصد ليس له علم ولا حسن قصد فيفضى هذا إلى ان يحمدوا من لا يحمد الله ورسوله ويذموا من لا يذمه الله ورسوله وتصير موادتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله أ.هـ
أهل الأهواء والبدع
هم أهل القبلة الذين لا يكون معتقدهم معتقد أهل السنة والجماعة كالذين يكفرون بالكبيرة أو يقولون بعصمة الأئمة أو سقوط التكاليف عن الواصل بزعمهم وكالذين يقدمون العقل على النصوص الشرعية وقد صاروا فرقاً لأتباع أهوائهم وبمفارقة الدين تشتت أهواؤهم فافترقوا ولذلك برأ الله نبيه منهم بقوله لست منهم فى شىء ومن علامات أهل الأهواء أنهم يكفرون المخالف لهم بلا سبب موجب وعادتهم التقاطع والتنافر والتباغض أما أهل السنة فكانوا يتناظرون فى المسألة ما يقصدون إلا الخير ولا يتقاطعون ولا يتبارون حذراً من الفرقة التى نبه عليها قوله تعالى ,( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم فى شىء ) الأنعام (159) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا آل عمران(105)-ولا يسلم العبد من الأهواء والبدع إلا بالرجوع للكتاب والسنة، وأن يكون على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابه الكرام.
وكل خير فى اتباع من سلف وكل شر فى ابتداع من خلف
وما لم يكن يومئذ ديناً فليس باليوم ديناً، ولن يصلح اخر هذة الأمة إلا بما صلح به أولها.
بعض الآيات الواردة فى ذم اتباع الهوى
حذرت الآيات من اتباع الهوى ووبخت أهل الأهواء قال تعالى" أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون". البقرة (87) وقال تعالى " وان كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين". الأنعام (119) وقال "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون". الأعراف (176) وقال "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. الفرقان(43) وقال "أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم". محمد(14) وقال "ان يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى".النجم(23) وقال "وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمرمستقر".القمر(3) وقد حذر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من اتباع أهواء الكفار والمنحرفين فى مواضع كثيره من كتابه كقوله سبحانه"ولاتتبع أهواءهم واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك". المائدة (49) وقال "ولأن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ما لك من الله من ولى ولا نصير". البقرة(120) وقال " ولأن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك اذاً لمن الظالمين" البقرة(145) وقال "ولاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" الكهف (2
بعض الأحاديث الواردة فى ذم اتباع الهوى
قال قطبة بن مالك-رضى الله عنه- كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق و الأعمال والأهواء" رواه الترمذى وصحح الألبانى إسناده – وعن أبى برزة الأسلمى-رضى الله عنه-قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن مما اخشى عليكم شهوات الغى فى بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى" رواه أحمد والبزار والطبرانى وصححه الألبانى،
وفى الحديث "الا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وان هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين – ثنتان وسبعون فى النار، وواحدة فى الجنة وهى الجماعة" وقال "وانه سيخرج من أمتى أقوام تتجارى (أى تتسابق) بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " رواه أبو داود وصححه الألبانى. وعن أبى هريرة-رضى الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كل ابن آدم أصاب من الزنا لا محاله فالعين زناها النظر واليد زناها اللمس والنفس تهوى وتحدث (أى تتحدث) ويصدق ذلك أويكذبه الفرج" وهو فى الصحيحين بمعناه- وفى حديث أنس-رضى الله عنه-"وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" رواه البزار وحسنه الألبانى بمجموع طرقه. وفى حديث أبى ثعلبة الخشنى-رضى الله عنه "حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً،وهوى متبعاً،ودنيا مؤثرة،وإعجاب كل ذى رأى برأيه،فعليك بخاصة نفسك،ودع العوام"الحديث رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وله شواهد يتقوى بها.
بعض الآثارفى ذم اتباع الهوى
قال على-رضى الله عنه- ان أخوف ما اخاف عليكم الهوى وطول الأمل،اما الهوى فيصد عن الحق ، واما طول الأمل، فينسى الأخرة.قال رجل للحسن البصرى: يا أبا سعد أى الجهاد أفضل؟ قال: جهاد هواك وقال ابن تيميه: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج اليهم. وقال المعتصم يوماً لبعض أصحابه: يا فلان إذا نصر الهوى ذهب الرأى. قال عبد الملك بن قريب: مررت بأعرابى به رمد شديد، ودموعه تسيل على خديه فقلت: الا تمسح عينيك؟ قال:نهانى الطبيب عن ذلك، ولاخير فيمن إذا زجر لا ينزجر، وإذا أمر لا يأتمر، فقلت: ألا تشتهى شيئاً؟ فقال: بلى، ولكنى أحتمى، ان اهل النارغلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا. وقال بشر الحافى "البلاء كله فى هواك، والشفاء كله فى مخالفتك إياه" وقال عطاء:" من غلب هواه عقله وجزعه صبره افتضح " وقال أبو على الثقفى: من غلبه هواه توارى عنه عقله، وقال ابن المبارك.
ومن البلاء وللبلاء علامة أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس فى شهواتها والحر يشبع تارة ويجوع
قال بعض السلف "الغالب لهواه أشد من الذى يفتح المدينه وحده " وقالوا: إذا أشكل عليك أمران لا تدرى أيهما أرشد فخالف أقربهما من هواك، فإن أقرب ما يكون الخطأ ففي متابعة الهوى. وقال البعض: إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك، داؤك هواك، ودواؤك ترك هواك ومخالفته وفى تفسير قوله تعالى "أرأيت من اتخذ إلهه هواه " قال الحسن: هو المنافق لا يهوى شىءً إلا ركبه، وقال أيضاً: "يكون المنافق عبد هواه، لا يهوى شيئاً إلا فعله" وقال معاويه: المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى، فاتباع الهوى من المروءة، ومخالفته تنعشها. وقال بن القيم: إن الله سبحانه وتعالى جعل الهوى معتاداً منه لما أنزله على رسوله، وجعل اتباعه مقابلاً لمتابعة الرسالة، وقسم الناس إلى قسمين: أتباع الوحى، وأتباع الهوى، وهذا كثير فى القرآن كقوله تعالى "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون آهواءهم" القصص(50).
عواقب اتباع الهوى
على العبد أن يتأمل كم أضاعت معصيته من فضيلة، وكم أوقعت فى رذيلة، وكم أكلة منعت أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من شهوه كسرت جاهاً، ونكست رأساً، وقبحت ذكراً وأورثت ذماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يغسله الماء، غير أن صاحب الهوى عمياء.
كيف يتخلص العبد من اتباع الهوى
بعون الله وتوفيقه يتم التخلص من هذه الآفة بعزيمة حر يغار لنفسه وعليها وجرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة، وقوة نفس تشجعه، والشجاعه كلها صبر ساعه، وملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه، وإبقاؤة على منزلته عند الله تعالى وفى قلوب عباده، وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى، وإيثاره لذة العفه وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية، والتفكر فى أنه لم يخلق للهوى وإنما هىء لأمراً عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى، وألا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالاً منه، فالحيوان قد يحسن التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وأن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى وأن يكون تحت قهر الشيطان، وأن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل اللذة المطلوبة وأن يعلم أن الهوى ما خالط شيئاً إلا أفسده حتى وإن كان علماً وزهداً، والشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، وقد شبه سبحانه اتباع الهوى بالكلب، ويخشى على من اتبع الهوى يتسلخ من الإيمان وهو لا يشعر وليس هو أهلاً أن يطاع أو يكون إماماً ولا متبوعاً، ولو تأملت السبعة اللذين يظلهم الله عز وجل فى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وجدتهم إنما نالوا ذلك الكل بمخالفة الهوى فجاهد نفسك واستعن بالله واستشعر أنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
منقول
الهوى هو ميل النفس إلى الشىء يقال:هذا هوى فلان وفلانة هواه رأى مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل فى الحب المذموم كما قال تعالى . وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى النازعات (40-41) ويقال إنما سمى هوى لأنه يهوى بصاحبه وفى قصة أسارى بدر قال عمر رضى الله عنه .فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت . وذكر الحديث وفى السنن أن أعرابياً قال للنبى صلى الله عليه مسلم. جئت أسألك عن الهوى فقال: المرء مع من أحب وكل حال هواء قال تعالى :وأفئدتهم هواء (أبراهيم 43) أى خالية لا تعى شيئاً والهاوية جهنم لأن الكافر يسقط فيها فهوى النفس مأخوذ من الخلو والسقوط لأنه خال من كل شىء ويهوى بصاحبه فيما لا ينبغى . وقيل: سمى بذلك لأنه يهوى بصاحبه فى الدنيا إلى كل داهية وفى الآخرة إلى الهاوية . وقوله تعالى كالذى أستهوته الشياطين فى الأرض حيران (الأنعام 71) أستغوته وزينت له هواه ودعنه إليه. وهوى النفس أرادتها وقيل محبة السنان الشيىء وغلبته على قلبه قال تعالى: ونهى النفس عن الهوى النازعات(40) معناه : نهاها عن شهواتها , وما تدعو إليه من معاصى الله عز وجل وأما قوال الله تعالى " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ” ص (26) فمعناه : ولا تؤثر هواك فى قضائك على الحق والعدل فتجور عن الحق , فيضلك ذلك عن سبيل الله , وقيل : لا تقدتد بهواك المخالف لأمر الله فيضلك عن سبيل الله أى عن طريق الجنة. فالهوى إذاً ميل الطبع إلى ما يلائمه كما قال ابن الجوزى وابن القيم , وهو أيضاً ميل النفس إلى الشهوة
حكم أ تباع الهوى
خلق الميل فى الأنسان لضرورة بقائه: فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل وما شرب ولا نكح فالهوى مستحث لها لما يريده كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغى ذم الهوى مطلقاً ولا مدحه مطلقاً كما أن الغضب لا يذم مطلقا ولا يمدح مطلقا وإنما يذم المفرط من النوعية وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة القدر لأنه يندُر من يقصد العدل فى ذلك ويقف عنده كما أنه يندر فى الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى فى كتابة الأذمة وكذلك فى السنة لم يجىء إلا مذموماً إلا ما جاء منه مقيداً بما يخرج معناه عن الذم كقولهم: هوى حسن, وهوى موافق للصواب. وقد قيل الهوى * لايؤمن.
الهوى يُعمى ويصم
قال الشعبى وسمى هوى لأنه يهوى بصاحبه ومُطلقة يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر فى العاقبة ويحث على نيل الشهوة عاجلاً وإن كانت سببا لأعظم الألام عاجلاً وآجلاً فللدنيا عاقبة قبل الآخرة والهوى يعمى صاحبه من ملاحظتها والمروءة والدين والعقل ينهى عن لذة تعقب ألما وشهوة تورث ندما فكل منها يقول للنفس إذا أرادت ذلك لا تفعلى والطاعة لمن غلب وأوضح ابن القيم أن مدمنى الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنهم قد صارت عندهم منزلة العيش الذى لا بد لهم منه ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرا فى الأحيان غير أن العادة مقتفية ذلك فيلقى نفسه فى المهالك لنيل ما تطالبه به العادة ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقى من حيث قدر السعادة وأغنم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد الذة فهو كالطائر المخدوع بحبة القمح لا هو نال الحبة ولا هو تخلص مما وقع فيه وقال ابن تيمية صاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه فلا يستحضر ما لله ورسوله فى الأمر ويطلبه أصلا ولا يرضى لرضى الله ورسوله ولا يغضب لغضب الله ورسوله بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه فليس قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هى العليا بل قصده الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه أو الغرض من الدنيا فلم يكن لله غضبه ولم يكن مجاهد فى سبيل الله بل إن أصحاب الهوى يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهداً معذوراً لا يغضب الله عليه ويرضون عن من يوافقهم وإن كان جاهلاً سىء القصد ليس له علم ولا حسن قصد فيفضى هذا إلى ان يحمدوا من لا يحمد الله ورسوله ويذموا من لا يذمه الله ورسوله وتصير موادتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله أ.هـ
أهل الأهواء والبدع
هم أهل القبلة الذين لا يكون معتقدهم معتقد أهل السنة والجماعة كالذين يكفرون بالكبيرة أو يقولون بعصمة الأئمة أو سقوط التكاليف عن الواصل بزعمهم وكالذين يقدمون العقل على النصوص الشرعية وقد صاروا فرقاً لأتباع أهوائهم وبمفارقة الدين تشتت أهواؤهم فافترقوا ولذلك برأ الله نبيه منهم بقوله لست منهم فى شىء ومن علامات أهل الأهواء أنهم يكفرون المخالف لهم بلا سبب موجب وعادتهم التقاطع والتنافر والتباغض أما أهل السنة فكانوا يتناظرون فى المسألة ما يقصدون إلا الخير ولا يتقاطعون ولا يتبارون حذراً من الفرقة التى نبه عليها قوله تعالى ,( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم فى شىء ) الأنعام (159) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا آل عمران(105)-ولا يسلم العبد من الأهواء والبدع إلا بالرجوع للكتاب والسنة، وأن يكون على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابه الكرام.
وكل خير فى اتباع من سلف وكل شر فى ابتداع من خلف
وما لم يكن يومئذ ديناً فليس باليوم ديناً، ولن يصلح اخر هذة الأمة إلا بما صلح به أولها.
بعض الآيات الواردة فى ذم اتباع الهوى
حذرت الآيات من اتباع الهوى ووبخت أهل الأهواء قال تعالى" أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون". البقرة (87) وقال تعالى " وان كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين". الأنعام (119) وقال "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون". الأعراف (176) وقال "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. الفرقان(43) وقال "أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم". محمد(14) وقال "ان يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى".النجم(23) وقال "وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمرمستقر".القمر(3) وقد حذر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من اتباع أهواء الكفار والمنحرفين فى مواضع كثيره من كتابه كقوله سبحانه"ولاتتبع أهواءهم واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك". المائدة (49) وقال "ولأن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ما لك من الله من ولى ولا نصير". البقرة(120) وقال " ولأن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك اذاً لمن الظالمين" البقرة(145) وقال "ولاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" الكهف (2
بعض الأحاديث الواردة فى ذم اتباع الهوى
قال قطبة بن مالك-رضى الله عنه- كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق و الأعمال والأهواء" رواه الترمذى وصحح الألبانى إسناده – وعن أبى برزة الأسلمى-رضى الله عنه-قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن مما اخشى عليكم شهوات الغى فى بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى" رواه أحمد والبزار والطبرانى وصححه الألبانى،
وفى الحديث "الا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وان هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين – ثنتان وسبعون فى النار، وواحدة فى الجنة وهى الجماعة" وقال "وانه سيخرج من أمتى أقوام تتجارى (أى تتسابق) بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " رواه أبو داود وصححه الألبانى. وعن أبى هريرة-رضى الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كل ابن آدم أصاب من الزنا لا محاله فالعين زناها النظر واليد زناها اللمس والنفس تهوى وتحدث (أى تتحدث) ويصدق ذلك أويكذبه الفرج" وهو فى الصحيحين بمعناه- وفى حديث أنس-رضى الله عنه-"وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" رواه البزار وحسنه الألبانى بمجموع طرقه. وفى حديث أبى ثعلبة الخشنى-رضى الله عنه "حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً،وهوى متبعاً،ودنيا مؤثرة،وإعجاب كل ذى رأى برأيه،فعليك بخاصة نفسك،ودع العوام"الحديث رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وله شواهد يتقوى بها.
بعض الآثارفى ذم اتباع الهوى
قال على-رضى الله عنه- ان أخوف ما اخاف عليكم الهوى وطول الأمل،اما الهوى فيصد عن الحق ، واما طول الأمل، فينسى الأخرة.قال رجل للحسن البصرى: يا أبا سعد أى الجهاد أفضل؟ قال: جهاد هواك وقال ابن تيميه: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج اليهم. وقال المعتصم يوماً لبعض أصحابه: يا فلان إذا نصر الهوى ذهب الرأى. قال عبد الملك بن قريب: مررت بأعرابى به رمد شديد، ودموعه تسيل على خديه فقلت: الا تمسح عينيك؟ قال:نهانى الطبيب عن ذلك، ولاخير فيمن إذا زجر لا ينزجر، وإذا أمر لا يأتمر، فقلت: ألا تشتهى شيئاً؟ فقال: بلى، ولكنى أحتمى، ان اهل النارغلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا. وقال بشر الحافى "البلاء كله فى هواك، والشفاء كله فى مخالفتك إياه" وقال عطاء:" من غلب هواه عقله وجزعه صبره افتضح " وقال أبو على الثقفى: من غلبه هواه توارى عنه عقله، وقال ابن المبارك.
ومن البلاء وللبلاء علامة أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس فى شهواتها والحر يشبع تارة ويجوع
قال بعض السلف "الغالب لهواه أشد من الذى يفتح المدينه وحده " وقالوا: إذا أشكل عليك أمران لا تدرى أيهما أرشد فخالف أقربهما من هواك، فإن أقرب ما يكون الخطأ ففي متابعة الهوى. وقال البعض: إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك، داؤك هواك، ودواؤك ترك هواك ومخالفته وفى تفسير قوله تعالى "أرأيت من اتخذ إلهه هواه " قال الحسن: هو المنافق لا يهوى شىءً إلا ركبه، وقال أيضاً: "يكون المنافق عبد هواه، لا يهوى شيئاً إلا فعله" وقال معاويه: المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى، فاتباع الهوى من المروءة، ومخالفته تنعشها. وقال بن القيم: إن الله سبحانه وتعالى جعل الهوى معتاداً منه لما أنزله على رسوله، وجعل اتباعه مقابلاً لمتابعة الرسالة، وقسم الناس إلى قسمين: أتباع الوحى، وأتباع الهوى، وهذا كثير فى القرآن كقوله تعالى "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون آهواءهم" القصص(50).
عواقب اتباع الهوى
على العبد أن يتأمل كم أضاعت معصيته من فضيلة، وكم أوقعت فى رذيلة، وكم أكلة منعت أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من شهوه كسرت جاهاً، ونكست رأساً، وقبحت ذكراً وأورثت ذماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يغسله الماء، غير أن صاحب الهوى عمياء.
كيف يتخلص العبد من اتباع الهوى
بعون الله وتوفيقه يتم التخلص من هذه الآفة بعزيمة حر يغار لنفسه وعليها وجرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة، وقوة نفس تشجعه، والشجاعه كلها صبر ساعه، وملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه، وإبقاؤة على منزلته عند الله تعالى وفى قلوب عباده، وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى، وإيثاره لذة العفه وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية، والتفكر فى أنه لم يخلق للهوى وإنما هىء لأمراً عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى، وألا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالاً منه، فالحيوان قد يحسن التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وأن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى وأن يكون تحت قهر الشيطان، وأن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل اللذة المطلوبة وأن يعلم أن الهوى ما خالط شيئاً إلا أفسده حتى وإن كان علماً وزهداً، والشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، وقد شبه سبحانه اتباع الهوى بالكلب، ويخشى على من اتبع الهوى يتسلخ من الإيمان وهو لا يشعر وليس هو أهلاً أن يطاع أو يكون إماماً ولا متبوعاً، ولو تأملت السبعة اللذين يظلهم الله عز وجل فى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وجدتهم إنما نالوا ذلك الكل بمخالفة الهوى فجاهد نفسك واستعن بالله واستشعر أنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
منقول