أبو مسك
05-08-2007, 03:40 AM
أهمية الوقت
فضيلة الشيخ / محمد بن إسماعيل المقدم
------------
.... مَنْ يهده الله فهو المُهتَد ومَنْ يضلل فلا هادى له ,وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له ,وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه , ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) - ال عمران 102 - , ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) - النساء 1 - , ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) – الأحزاب 70:71 - .
أمَّا بعد ,
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله ,وأحسنَ الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم ,وشرَّ الأمور مُحْدَثَاتُها ,وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة ,وكلَّ بِدْعَةٍ ضلالة ,وكلَّ ضلاله فى النار .
ثمَّ ,أمَّا بعد ,
فَمِمَّا يذكره المؤرخون والمُفَسِّرُون أنَّ أعظم ما يؤثر فى الإنسان بيئتُهُ ,ولا يرتفع تأثيرُ البيئة عن الإنسان إلَّا بعَامِلٍ أقوى وهو عامل العقيدة أى الدين ,فأقوى ما يؤثر فى الإنسان أصلاً الوسطُ أو الجوُّ الفكريُّ أو البيئةُ التى يعيش فيها ,إنْ شاعَ فيها النظام إلتزم الجميعُ بالنظام ,إنْ شاعت فيها الفوضى فالأمر كذاك .
أقوى من تأثير البيئة والعاملُ الوحيدُ الذى يُلْغِى تأثيرَ البيئةِ ويسيطرُ عليه هو تأثير العقيدة ,فالعقيدةُ هى التى تقضى على التأثيرات المنحرفة لهذه البيئة . هذه المنطقة التى ضَمَّت الأمَّةَ الوَسَطَ وهى الأمَّة الإسلامية التى اتسعت شرقاً وغرباً ,هذه المنطقة أصلاً ,يعنى ,كما يذكر هؤلاء المؤرخون ,عُرِفَت بالفَوضَى والتَخَلُّفِ والجَهْلِ ,ولَمْ يرتفع شَأْنُهَا ولَمْ يكن لها ذِكْرٌ إلَّا بتأثير العامل الأقوى من البيئة وهو عاملُ العقيدة حينما أنزل الله عزَّ وجلَّ هذا الكتاب الذى قال فيه سبحانه وتعالى : ( لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) - الأنبياء - 10 - ,فالقرآن فيه الرِفْعَة وفيه المجد وفيه القُوَّة وفيه الكرامة ,فلَمْ يَزُلْ وصف التَخَلُّفِ والمَذَلَّة والفوضى والهَمَجِيَّة عن العرب أو عن الأمَّة التى تعيش فى هذه المنطقة إلا حينما بَزَغَ فيها فَجْرُ العقيدة وفَجْرُ التوحيد فكانت خيرَ أمَّة أُخرِجَت للنَّاس .
فهذه سُنَّة اللهِ سبحانه وتعالى فى هذه الأمَّة خَاصَّة ,أنَّها إذا تخلَّت عن العقيدةِ عادت إلى التأثير الأصلى للبيئة وهو تأثير الفوضى والهَمَجِيَّة والتَخَلُّفِ ,ولا يرتفع عنها هذا الوصف إلَّا بالعودة إلى الإسلام ,وليس لها عزٌّ فِى غَيرِهِ كما قال عُمَرُ رضى الله عنه : ( إنَّا كنَّا أَذَلَّ قومٍ فأَعَزَّنَا اللهُ بهذا الدين ,فمهما نبتغى العزَّ فى غَيرِهِ أذلَّنا اللهُ ) . فإن ابتغت هذه الأمَّةُ النهوضَ والإصلاحَ فى أىِّ مَنْهَجٍ خِلَافَ مَنْهَجِ الإسلام فاحْكُم عليه مُسْبَقَاً بأنَّه فَاشِلٌ وإلى ضَيَاعٍ وإلى خَرَابٍ وإلى فَسَادٍ .
فنقدمُ هذه المقدمةَ بين يدى هذا البَحْثِ وهو مِنَ الأمورِ المُهِمَّةِ ,إِذْ إنَّ قِيمَةََ الوقت ومعرفة حقيقة الوقت وخُطُورَتهِ فى حياة المسلم خَاصَّة ,هذه القيمة إذا عرفنا قَدْرَهَا وقَدَرْنَاهَا حَقَّ قَدْرِهَا لاحْتَجْنَا إلى أنْ تُرضِعهَا الأمهاتُ مع لَبَنِ الأطفال حتى ,يعنى ,يَتَشرَّبَهَا الجيلُ وتُؤَسَّس الأُمَّةُ على هذا المفهوم الخطير ,الذى إذا أنحرفت فيه كان الخُسْرَان وكان الضياع للأمَّة كما نعلم الآن فى الإحصائيات الأخيرة أنَّ المُدَّة التى ,يعنى ,حصيلة إنتاجية العامل المصرى سَبْعٌ وعِشْرُون دقيقة فى اليوم ,سَبْعٌ وعِشْرُون دقيقة ,أقل من نصف ساعة . فطالما استمرت هذه الأمَّة بعيدة عن الإسلام لا يمكن أنْ تنهض ,هذه عقيدة لا تتزعزع ولا ,يعنى , ( ... ) ,وهذه سُنَّةٌ من الله سبحانه وتعالى .
كلٌّ مِنَّا يَمُرُّ برحلة ,كلُّ إنسان ,يعنى ,ينزل أو يدبُّ على هذه الأرض يقطع رحلةً لا بدَّ له منها ,هذه الرحلة بدايتُها لحظةُ الميلاد ونهايتُها ساعةُ الموت ومغادرة هذه الدار إلى الدار الآخرة . هذا الوقت ما بين ساعة الميلاد وبين ساعة الموت ,هذه هى العمر ,هذا هو الزمن ,هذا هو الدهر ,هذا هو الوقت الذى خَصَّه اللهُ عزَّ وجلَّ بخصائصَ وَصِفَاتٍ ليست فى غيره من الأشياء .
---------------------------
أول خصائص هذا الوقت أنَّه أَنْفَسُ نعمةٍ أَنعَمَ اللهُ بها على الإنسان . مَنْ أراد أن يتخيل خَطَرَ الوقت وقيمة الوقت ,يتخيل رَجْلَاً عَاشَ مثلاً سِتِّينَ سنَةً فى معاصى وفى فواحش وفى كبائر بل فى كُفْرٍ والعياذ بالله ,ثمَّ تَابَ فى اللَّمْحَةِ الأخيرةِ قبل أنْ تَأتِيَهُ الغَرْغَرْةُ ,ثمَّ قُبِضَ لِسَاعَتِهِ بعد التوبة النصوح ,فإنَّه بهذه اللحظات القليلة القصيرة التى تَابَ فيها يُغْفَرُ له ما قد سَلَفَ , ( قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ) - الأنفال - 38 - ,فانظر إلى شرف الوقت ,وخطورة الوقت ,لحظات تَابَ فيها إنسانٌ مَسَحَت وجَبَّت وقَطَعَت كلَّ علاقةٍ له بماضيه الطويل العريق فى الكُفْرِ أو الفُسُوقِ أو العِصيَان ,ألا يدل على أنَّ هذا الوقت ,يعنى ,يُعتَبَر تَقْصِير فى حَقِّ الوقت أنْ نقول الوَقْت مِنْ ذَهَبٍ ,كيف ؟! ,الوَقْتُ أغلى من الذهب ,الوَقْتُ هو الحياة ,هو أنفاسُك , ( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) - مريم - 84 - ,العدُّ : عدد الأنفاس التى قُدِّرَ لك أنْكَ ستتنفسها مِنْ هذا الهواء , ( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) ,فآخرُ هذا العدد خروجُ رُوحِكَ وانقطاعُ نَفَسِكَ ,هذا هو العدد الذى يُعَدُّ لكلٍّ مِنَّا ,وهو رِزْقٌ مِنْ رِزْقِ اللهِ المكتوب لكلِّ إنسانٍ بِقَدَرِهِ . فأول خصائص الوقت أنَّه أَنْفَس نِعْمَة وأعظم نِعْمَة أَنْعَمَ اللهُ عزَّ وجَلَّ بها على الإنسانِ ,فَتَرَاهُ أَرْخَص ما يكون عِنْدَ الجُهَّالِ ,وتَرَاهُ أَغْلَى ما يكون عِنْدَ العلماء وعند العقلاء .
كما ذكرنا قيمة الوقت قضية تحتاج إلى أنْ تُرْضَعَ ,إذا أردنا الإصلاح فعلاً وإذا أردنا التربية الصحيحة ,يرضعها الطفلُ مع لَبَنِ الأمَّهَاتِ إذا أمكننا ذلك مِنْ شِدَّةِ أهميتها .
هناك لحظتان مِمَّا يُجَسِّد قيمة الوَقْتِ وخُطُورَتَه . اللحظة الأولى لحظة الإحتِضَار ,حينما يُحْتَضَرُ الإنسان وتخرج رُوحُهُ ويقول ( يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ) - سورة الزمر 56 - ,حينئذٍ مَا مِنْ إنسان يأتيه ملكُ الموتِ إلَّا ويودُّ لو أنَّه يُمْهَل ,يُمْهَل ولو قليلاً حتى يَتَزَوَّدَ من العمل الصالح , ( وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا ) – المنافقون 11 - ,الآية فى آخر سورة المنافقون : ( وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) – المنافقون 10:11 - .
ثمَّ هناك لحظة أخرى تَتَجَلَّى فيها قيمةُ الوَقْتِ وخُطُورَتُهُ ,حينما يَأْوِى أَهْلُ الجنَّة إلى مَنَازِلِهِم ويَأْوِى أَهْلُ النار إلى مَنَازِلِهِم ويرتفع صُرَاخُ أهلِ النار يقولون ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ) – المؤمنون 107 - , ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ) .
يقول الحَسَنُ البصريُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى : ( يا ابن آدم إنَّما أنت أيَّام ) ,يعنى لستَ جسداً قويَّاً ,ولستَ مَالاً ,ولستَ وَلَدَاً ,ولستَ .. ,أنت تساوى أيام ,يعنى تساوى زمناً وأوقاتاًً , ( إنَّما أنت أيَّام ) ,ولَمْ يَقُلْ إنَّما أنت سنوات ,إشارة إلى قِصَرِ العُمرِ ,قِصَرِ العُمرِ وأنه سَرْعَانَ ما يَمُرُّ , ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) – المؤمنون 112:114 - , ( يا ابن آدم إنَّما أنت أيَّام ,كلَّمَا ذَهَبَ يومٌ ذَهَبَ بعضُكَ ) ,اُنْتُقِصَ مِنْكَ وقَلَّ حظُّكَ مِنَ الدنيا .
ومِنْ هُنَا فلنا أنْ نَرْثِى لحالِ هؤلاء القوم الذين يحتفلون بمرورِ سَنَةٍ ,كلَّمَا مرَّ بهم سَنَةٍ ,بما يُسَمَّى بِبِدْعَةِ عيد الميلاد ,عيد الميلاد ؟ ,إيه معنى .. ؟ ,لا يمكن لمؤمن يؤمن بالقضاء والقدر يُسَمِّى عيد الميلاد عيداً فَضْلَاً أنْ يحتفل به بالطريقة المَعْهُودَة شَأْن المشركين ,لماذا ؟ ,المؤمنُ يُصَدِّقُ أنَّه حينما كانَ جَنِينَاً فى بَطْنِ أمِّه وبعد أن مرَّ فى بَطْنِ أمِّه عليه مئةٌ أو عشرون ومئة يوم يأتيه المَلَكُ فَيُأمَر بكَتْبِ أربعِ كلمات ,بكَتْبِ هل هو ذكر أم أنثى ,شَقِىٌّ أم سعيدٌ ,مَا رِزْقُه ,مَا أَجَلُه . فيُكْتَب الأَجَلَ ,الأَجَلَ ,لكلِّ نفس لها أَجَل مَقْدُور عند الله سبحانه وتعالى مُنْذُ الأَزَل . فهذا الأَجَل ,كلُّ إنسان له كميَّة من الأيام ,كميَّة من العمر ,عدد محدود من الأنفاس ,كلُّ ,يعنى ,زفير وشهيق بالعدد مَعدُود لكلِّ إنسان له رِزْق مَقْسُوم من هذه الحياة ,فإذاً العمر كلَّمَا امتَدَّ كلَّما نقصت هذه الكمية التى أحصاها الله سبحانه وتعالى ولا ندرى نحن بحقيقتها ,فالأجل ,بتقدم السنوات أنت تزداد قرباً من القبر ,تزداد إقتراباً من القبر ,وفى الحقيقة عمرك ينقص وليس يزيد لأنك تؤمن بالقضاء والقدر وتصدِّق خَبَرَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ,فكلَّمَا مضى يوم كلَّمَا ذَهَبَ بعض منك ,كلَّمَا نقصت وكلَّمَا زاد إقترابك من حفرتك .
لندرك قيمة الوقت نتأمَّل قول النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم : ( إِنَّ فِى يَومِ الجُمُعَة لَسَاعَةٍ لَا يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِم ) ,أو ( عَبْدٌ مُؤمِن يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى شَيئَاً مِنْ أَمْرِ الدنيا أو الآخِرَة إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاه ) . ولو قلنا مثلاً إنَّها ,على القول الراجح الذى يؤيده الحديث ,إنَّها آخر ساعةٍ بعد صلاة العصر ,وساعة قليلة قبل الغروب ,قبل غروب الشمس يوم الجمعة ,الآن هذا اليوم المنصرم هذا كان يوم الجمعة ونحن الآن بدأنا فى ليلة السبت ,مَنْ يستطيع أنْ يُعِيدَ لحظات مِنْ هذا اليوم الذى انقضى ؟ ,لا يمكن أن يعود ,ما وَلَّى لا يمكن أنْ يعود ,وهذا يؤكد خطورة الوقت وخطورة المحافظة على الوقت . ولذلك يقول الحَسَنُ البصريُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى الذى عاصر كثيراً من الصحابة رضى الله عنهم ,الحَسَنُ البصريُّ كان يقول فيه بعض السلف : ( ذلك الرجل الذى يُشْبِهُ كَلَامُهُ كَلَامَ الأنبياء ) ,رجل أوتى من الحكمة مع أنَّه من التابعين لكنَّه آتَاهُ الله الحكمة ,( .. ) أنَّ ذلك سَبَبُهُ أنَّه رَضع من أمِّ سَلَمَة رضى الله تعالى عنها ,فكلامه يُشْبِهُ كلام الأنبياء حتى إنَّ كثيراً مِنَ الناس ,يعنى ,يحفظون عِبَارَاتٍ يظنُّها أحاديث وما هى إلَّا مِنْ عِبَارَاتٍ نطق بها الحَسَنُ البصريُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى . قال الحَسَنُ : ( أَدْرَكْتُ أقواماً كان أحدُهُم أَشَحَّ على عُمُرِه منه على دِرْهَمِه ) ,كان يَشِحُّ بالوقت أكثر مما يَشِحُّ بالدِرْهَمِ والدِينَارِ ,لأنَّ العُمرَ إذا ضَاعَ فَاتَ ولَمْ يُعَوَّض والدِرْهَم إنْ ارْتَحَلَ يوماً يمكن أنْ تُعَوِّضَهُ فى يوم آخر . يقول بعض الشعراء :
إذا مَا مَضَى يَومٌ ولَمْ أصطنع يَدَاً ولَمْ * أَقْتَبِس عِلمَاً فما ذَاكَ مِنْ عُمرِى
فهذا اليوم الذى لم أَزِد فيه قرباً من الله ,لم أصنع يداً أو معروفاً ولم أكتسب فيه علماً جديداً فلا يُحْتَسَب ذلك اليوم من عُمرِى . وقال الوزيرُ ابنُ هُبَيرَة وهو شيخ الإمام ابن الجوزي رَحِمَهُ اللهُ تعالى ,يقول :
وَالوَقْتُ أَنْفَسُ مَا عُنِيتَ بِحِفْظِهِ * وأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَليكَ يَضِيعُ
إذاً هذه أول خِصِّيصَة مِنْ خصائص الوقت أنَّه أعظم نعمة أَنْعَمَهَا اللهُ سبحانه وتعالى على الإنسان لأنَّ الوَقْتَ هو الحياة ,هو الحياة .
الخِصِّيصَة الثانية من خصائص الوقت هى أنَّ مَا مَضَى مِنْهُ لا يعود . يقول الحَسَنُ البصريُّ : ( ما مِنْ يَومٍ يَنشَقُّ فَجْرُهُ إلَّا يُنَادَى : يا ابنَ آدم أنا خَلْقٌ جَدِيد وعلى عَمَلِكَ شَهِيد فَتَزَوَّد مِنِّى فإنِّى إذا مَضيتُ لا أَعُود إلى يَومِ القِيَامَةِ ) .
أيضاً الإشتغالُ بالنَدَمِ ,مُجَرَّد إشتغالك بالنَدَمِ على وقتٍ ضَيَّعْتَهُ من قبل ,هذا تَفْوِيتٌ للحظة الحاضرة التى أنت فيها ,فلا يَنبَغِى أصلاً أنْ تنشغل بالنَدَمِ على وقت فات ,بَل عَمِّرْ هذا الوقت بالأعمالِ الصالحةِ والتَزَوُّدِ للمَعَاد . قال الإمَامُ العَرَويُّ فى ذِكْرِ أنواع الغَيْرَةِ ,قال : ( مِنْهَا الغَيْرَة على وَقْتٍ فَاتَ ) . الإنسان يَتَذكَّر وقتاً ضَاعَ مِنْهُ فِى اللهو فِى العَبَثِ فِى الإسراف ,فيُضيِّع لَحْظَتَهُ الحاضرة فى التَنَدُّمِ والتَأسُّفِ على اللحظة الفائِتة ,يقول : ( وَهَذِهِ غَيْرَةٍ قَاتِلَةٌ ,فَإنَّ الوَقْتَ ( .. ) التقَضِّى ) ,أىْ سريع الإنْقِضَاءِ , ( أَبِىُّ الجانِبِ ,( .. ) الرجوع ) .
فمَنْ فَاتَهُ وَقْتٌ لا يمكنه استِدْرَاكُه البَتَّة ,لأنَّ الوقت الثانى ,لا يوجد وقت بدون واجبات ,الوقت الثانى اسْتَحَقَّ واجبه الخاص ,فإذا فاتك اللحظة الماضية فما سبيل إلى تداركها كما جاء فى المُسْنَدِ مرفوعاً ,وإن كان الحديث ضعيف ,الحديث ضعيف , ( مَنْ أَفْطَرَ يَومَاً مِنْ رَمَضَان مُتَعِمِّدَاً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَقْضِهِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ ) .
ومما ثَبَتَ فى نفس هذا المعنى قول أبى بكر رضى الله عنه لِعُمَرَ رضى الله عنه حين استَخْلَفَهُ : ( إنَّ لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل ,ولله فى الليل حقٌ لا يقبله فى النهار ) .
وقال عُمَر رضى الله عنه : ( إنِّى لأكرَهُ أنْ أَرَى أَحَدَكُم سَبَهْلَلَة ,لا فى عمل دنيا ولا فى عمل آخرة ) . كما يقول بعض الناس : نحن نقتل الوقت . فى الحقيقة هو يقتل نَفْسَهُ ,هو ينتحر إنتحاراً بطيئاً دون أنْ يشعر . يقول بعضُ الشعراءِ :
ومَا المَرْءُ إلَّا راكبٌ ظَهْرَ عُمُرِهِ * عَلَى سَفَرٍ يُفْنِيهِ باليَوْمِ والشَهْرِ
يبيتُ ويُضْحِى كلَّ يومٍ وليلةٍ * بَعِيدَاً عَن الدنيا قَرِيبَاً مِنَ القَبْرِ
الخِصِّيصَة الثالثة من خصائص الوقت سرعة إنْقِضَائِهِ ,سرعة إنْقِضَاء الوقت .
يقول بعضُ الشعراءِ :
مَرَّتْ سنينٌ بالوِصَالِ وبالهَنَا * فكأنَّها مِنْ قُصْرِهَا أيَّامُ
ثُمَّ انْثَنَتْ أيَّامُ هَجْرِى بَعْدَهَا * فكأنَّها مِنْ طُولِهَا أَعْوَامُ
ثُمَّ انْقَضَتْ تِلْكَ السُنُونُ وأَهْلُهَا * فكأنَّها وَكأنَّهُم أَحْلَامُ
فمادام الموتُ نهايةَ كلِّ حيٍّ فمهما طَالَ عُمُر الإنسان فهو قصير ,إنَّ البَعِيدَ مَا لَيسَ بِآتٍ ,لَكن كلُّ مَا هَوَ آتٍ قَرِيبٌ .
يقول بَعْضُهُم :
وإذا كَانَ آخر العمر موتاً * فسواءٌ قصيره والطويل
ومما يُروَى مِنَ الآثَارِ أنَّ نوحاً عليه السلام أَتَاهُ مَلَكُ المَوتِ فقَالَ لَهُ : يَا أطْوَلَ الأنْبِيَاءِ عُمُرَاً ,عاش ألفَ سَنَةٍ ,يَا أطْوَلَ الأنْبِيَاءِ عُمُرَاً كَيفَ وَجَدْتَ الدنيا ,قَالَ : وَجَدْتُهَا كَدَارٍ لَهَا بَابَان دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَرَجْتُ مِنَ الآخَرِ .
ويقول اللهُ عزَّ وجلَّ مشيراً إلى سرعةِ إنْقِضَاء الوقت ,يقول سبحانه وتعالى : (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) – النازعات 46 - ,كلُّ عُمر الدنيا هذا كأنَّهُ عَشِيَّة أو ضُحَاهَا . ويقول عزَّ وجلَّ : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) – يونس 45 - .
فالمقصود إنَّ هذه الخصائص المُهِمَّة للوَقْتِ لا بُدَّ مِنْ تذكرها وعدم الإلتفات إلى قول البعض بأنهم يقتلون الوقت ,يقتلون الوقت ! ,ما هو إلا إنتحار كما ذكرنا ( .. ) .
أيضاً لا بُدَّ أنْ نَنْتَبِهَ إلى أنَّ ( لا يوجد شىء اسمُهُ فَرَاغ ) ,لا يوجد شىء اسمُهُ فَرَاغ ,لأنَّ الفراغ لا يبقى فراغاً ,لكنَّه لا بُدَّ أنْ يُملأ بِخَيْرٍ أو بِشَرٍّ ,يوضِّح هذا قولُ بعض العلماء أَظُنُّهُ الحَسَن البصريّ : ( نَفْسَكَ إنْ لَمْ تَشْغَلَهَا بِالحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالبَاطِلِ ) ,لا يوجد إنسان فارغ ,لا بُدَّ يَنْشَغِل ,فإنْ لَمْ تُبَادِر وتشغل هذه النفس بالحقِّ ,شَغَلَتْكَ هى بالبَاطِلِ . وقال بعض السلف : ( الفَرَاغُ للرجالِ غَفْلَة وللنساءِ ( .. ) ) ,أىْ يُحَرِّك الشَهَوَات .
وقال بعضُهُم :
إنَّ الشبابَ والفراغَ والزِدَى * مَفْسَدَةٌ للمَرْءِ أىَّ مَفْسَدَة
فهذه أيضاً معادلة : الشباب : فُتُوَّة الشباب وقُوَّة الشباب ,والفراغ : الوقت ,والزِدَى : الزِدَى يعنى المال ويُسْر الحال ,تساوى مَفْسَدَةٌ للمَرْءِ أىَّ مَفْسَدَة .
وقال آخر :
لَقَدْ هَاجَ الفَرَاغُ عَليهِ شُغْلَاً * وَأَسْبَابُ الفَرَاغِ مِنَ البَلَاءِ
يعنى , لَقَدْ هَاجَ الفَرَاغُ عَليهِ شُغْلَاً : يعنى تَسَبَّبَ له فى أنْ تعلَّقَ قلبُهُ بالشَهَوَاتِ وأَحْلَامِ اليَقَظَةِ .
---------------------------
نقف مع بعض الآيات التى تُبَيِّنُ قِيمَةَ الزمن ,مِنَ القُرآنِ وَمِنَ السُنَّة :
فيقول الله عزَّ وجلَّ : ( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) – النحل 12 - .
وقال عزَّ وجلَّ : ( وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) – إبراهيم 33 - .
وقال سبحانه : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ) – الإسراء 12 - .
وقال سبحانه ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) – الفرقان 62 - , خِلْفَةً : يعنى يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا الآخر ,فمَنْ فَاتَهُ عَمَلٌ فى أحدهما حاول أنْ يَتَدَارَكَهُ فى الآخرِ ,هذا المقصود مِنْ كلمة ( خِلْفَةً ) ,يعنى يَخْلُفُ الليلُ النهارَ ويَخْلُفُ النهارُ الليلَ بحيث مَنْ فَاتَهُ عَمَلُ الليل حاول أنْ يَتَدَارَكَهُ ويُعَوِّضَهُ فِى النهار .
أيضاً مَعْلُومٌ أنْ الله سبحانه وتعالى إذا أَقْسَمَ بشىءٍ مِنْ خَلْقِهِ فإنَّمَا يفعل سبحانه ذلك لِيَلفِتَ نَظَرَ الخلقِ إلى هذا الشىء ويُنَبِّهَهُم على جَلِيلِ منفعته وآثاره ,فأقسم الله سبحانه وتعالى بأزمانٍ وبأوقاتٍ مُعَيَّنَةٍ يدلُّ على شَرَفِ هذا الزمان لأنها آية مِنْ آيات الله ونعمة من نعم الله على الإنسان ,فقال سبحانه وتعالى : ( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) - الفجر 1:2 - ,حَلَفَ ,أَقْسَمَ بالفَجْرِ ولَياَلٍ عَشْر وهذه زمان ووقت .
وقال سبحانه وتعالى : ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ) - الليل 1:2 - .
وقال عزَّ وجلَّ : ( وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ) - الضحى 1:2 - .
وأقسم سبحانه وتعالى بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وهو الزمن ,وهو الدهر ,وهو العصر ,فقال سبحانه وتعالى : ( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) - العصر 1:3 - ,فالمقصودُ هُنَا بالعصرِ الدهر أو الزمن وذلك لِشََرَفِهِ وقيمته ,كما بَيَّنَا مِنْ قبل فى تفسير سورة العصر ,الله سبحانه وتعالى هنا يقسم بالعصر لأنَّه لا شىء أَنْسَب مِنَ العُمُر ,وفِى تخصيصِ القَسَم بالعصرِ إشارة إلى أنَّ الإنسان يضيفُ المَكَارِهَ والنوائِبَ إليهِ . الناس حينما تسُبُّ الدهرَ : يا خَيبَةَ الدهر ,يا وَيلَ الدهر . فالله سبحانه وتعالى يُقسِمُ بِهِ لِيُبَيِّنَ أنَّ العيبَ فيكم ويحلُّ بكم الخُسرَان بسبب أعمالكم أنتم وليس للدَهْرِ شأنٌ فى ذلك ,ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( لَا تَسُبُّوا الدهْرَ فإنَّ اللهَ هُوَ الدهُرُ ) . فالمقصود ,حَلَفَ اللهُ بالدهر وحََلَفَ بالعصر لِيُبَيِّنَ شرفه ومكانته وأنَّه نعمة مِنْ نِعَمِ اللهِ سبحانه وتعالى وآياته ,فمَنْ ذمَّ الدهر ,فلِمَا ارتكبه فيه مِنْ ,يعنى , تفريط فى جَنْبِ الله وليس لأنَّ الدهر ,يعنى , هو السبب فى ذلك . يقولُ الإمام الرازيُّ فى هذه الآية : ( إنَّ الدهْرَ مُشْتَمِلٌ على الأَعَاجِيب لأنَّه يحصل فيه السرَّاءُ والضرَّاءُ ,والصحة والسقم ,والغنى والفقر ,فلو ضَيَّعْتَ ألفَ سَنَةٍ ) , ( لو ضَيَّعْتَ ألفَ سَنَةٍ ,ثمَّ تُبْتَ فِى اللمحَةِ الأخيرةِ مِنَ العُمُرِ بقيتَ فى الجنَّةِ أَبَدَ الآبَادِ ,فعَلِمْتَ حينئذٍ أنَّ أَشْرَفَ الأشياءِ حَيَاتُك فى هذه اللمحَةِ فكان الدهر والزمان مِنْ جُمْلَةِ أُصُولِ النِعَمِ ) . ونحن نعلم الحديث الصحيح الذى فيه أن رجلاً كان مشركاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأَسْلَمَ ,شهد الشهادتين ,ثمَّ لم يَلبَثْ أنْ نُودِىَ بالجهاد ,خَرَجَ فى الغزو فقُتِلَ فدخل الجنَّة ,يعنى هذا رجل امتدَّ عمره فى الشرك وفى الكفر فأتى تائباً وأَسلَمَ وشَهِدَ الشهادتين ,ولَمْ يصلِّ ,لم يأتِ وقت صلاة ,هو بمجرَّد أنْ أسلم خرج إلى الجهاد فقُتِلَ فى سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم : ( عَمِلَ قَلِيلَاً وَأُجِرَ كَثِيرَاً ) , ( عَمِلَ قَلِيلَاً وَأُجِرَ كَثِيرَاً ) ,فالمقصود أنَّ هَذَا العصر وهذا الزمن بِمُضِيِّهِ مُنتَقَصِ العُمُر ,فإنْ لم يكن فى مقابلة إنتقاص العمر كَسْب وأعمال صالحة صار ذلك النقصان هو عَيْنُ الفُقْرَانِ ,لذلك قال سبحانه : ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) ,الأصل أنَّ كلَّ بنى آدم خاسرون ,( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) ,فاستثنى هؤلاء الطائفة الناجية , ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) .
أيضاً هناك آيات أُخَر تؤكد هذا المعنى منها قول الله سبحانه وتعالى : ( أولم نعمركم ) ,حينما يتمنى أهل النَّار ويقولون ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا ) , ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) ,فيجيبهم الله بأنَّه امْتَنَّ عليهم بنعمة العُمُر ونعمة الوقت ولكنكم ضيعتموها , ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) - فاطر 37 - .
وقال عزَّ وجلَّ : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) - السجدة 12 - ,لكنَّه يقين لا يفيد ,وَلَاتَ حِينَ مَنْدَم .
وقال عزَّ وجلَّ : ( وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ ) – سبأ 52 - ,كيف ,يعنى ,إذا أتاهم الموت يطلبون الإيمان ويقولون نحن آمنَّا كما قال فرعون عند إحتِضَارِهِ ؟ , ( وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ ) ,كالشخص الذى يتناول شيئاً مِنْ مكان بعيد ,هل يَقَع فى يده وهو بعيد عنه ؟! ,كذلك هم بعيدون من التوبة وبعيدون من الإيمان فى مثل هذا الموقف , ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) ,ليس المقصود ( يَشْتَهُونَ ) من شهوات الأطعمة والأشربة والأنكحة وهذه الأشياء ,لكن المقصود هنا فى حالة إحتِضَارِ الكفَّار حِيلَ بينهم وبين ما يشتهون مِنَ التوبة ومِنَ الكَرَّة ومِنَ الرجوع ليستدركوا ما فات منهم , ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ) – سبأ 54 - ,لأن الدنيا دار إمتحان ,الآخرة دار ظهور النتائج ,فالإنسان فى هذه الدار فى حالة إمتحان ,كلُّ إنسان آتَاهُ الله سبحانه وتعالى العقل وفَطَرَهُ على الإسلام ,وأقام الآيات فى السماوات والأرض براهين واضحات على وحدانية الله سبحانه وتعالى ,بَلْ أرسل الرُسُلَ ,ضمن لهم ألَّا يعذبهم حتى يأتيهم الرُسُلَ ,فجاء الرُسُلَ مبشرين ومنذرين ( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) – النساء 165 - ,ومع ذلك ,يعنى ,غَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا ,وفَرِحُوا بما عندهم من العلم ,و ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) – الروم 7 - . كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كلَّ ( ... ) ( ... ) ,صخَّابٍ فى الأسواق ,جِيفَةٍ بالليل ,حِمَارٍ بالنهار ,عالمٍ بأَمْرِ الدنيا جاهلٍ بأمر الآخرة ) ,فهكذا أكثر الناس فى هذا الزمان ,اغْتَرُّوا بما لديهم مِنْ قُوَّةِ وَمِنْ ذَرَّةٍ ومِنْ جيوش ومِنْ أموال ونَسَوا هذه الحقيقة ونَسَوا ما ينتظرهم من الحساب وأنَّهم هم أنفسهم الذين سوف يصطرخون ,إِنْ لم يتوبوا ,ويقولون : ( فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) – الشعراء 102 - , ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ) المؤمنون 107 - ,فيُجَابُون : ( اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ) المؤمنون 108 - , ( اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ) .
ولِشَرَفِ الوقت يَقْطُفُ السعداء أهل الجَنَّة ثَمَرَة الوقت ويُقَالُ لهم فى الجَنَّة : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) – الحاقة 24 - ,تأمَّلوا كلمةَ الأيَّام ,الوقت ,الزمان ,الذى تعيشون أنتم فيه الآن , ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) . أمَّا الأشقياء فيُقَالَ لهم فى النار : ( ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ) – غافر 75 - .مِنْ أَجْلِ ذلك أَمَرَ الله المؤمنين بالتنافس فى هذا المِضْمَارِ ,التنافس والمسابقة والمسارعة بالخيرات ,لأنَّ الإنسان يجرى والموت يجرى وَرَاءَه ولا بُدَّ هو مُدْرِكُهُ ,أَجَلُهُ سوف يَأتِيهِ ,لو أنَّ ابن آدم يهرب مِنْ رِزقِهِ كما يهرب مِنْ أَجَلِهِ لَأَدرَكَهُ رِزقُهُ كما يدرِكُهُ الموت . فأَجَلُكَ يعدو خلفك وسيلحقك فى موعد مُحَدَّد ,لا يُفَرِّقُ بين جَنِينٍ فى بَطْنِ أمِّه ,جَنِين يأتيه مَلَكُ المَوتِ ويَقْبِضُ رُوحَهُ ,لا يُفَرِّقُ بين صَبِىٍّ لَم تُكتَبْ عليه خَطِيئَة ,ولا بين شَيخٍ ,ولا بين شاب ,ولا بين رَجُلٍ ,ولا بين امرأة ,ولا بين مسلم ,ولا بين كافر ,ولا بين صالح ,ولا بين طَالِحٍ , ( وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا ) – المنافقون 11 - .
فمِنْ أَجْلِ ذلك ومِنْ أَجْلِ خطورة الوقت تَأمَّلُوا مثل هذه الآيات التى نتلوها .
يقول اللهُ عزَّ وجلَّ : ( فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ) – البقرة 148 - ,انظر إلى كلمة الاستباق , ( فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ) ,ابذلوا أقصى ما فى وسعكم لتحصيل الخيرات ما أمكنكم .
ويقول عزَّ وجلَّ فى مَدْحِ الأنبياء : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) – الأنبياء 90 - , ( يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) .
ويقول عزَّ وجلَّ : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ) - الذاريات 50 - , ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ) .
وقال سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) – الجمعة 9 - ,الذهاب الحَثِيث ,مش المقصود الجَرى ,لكن المُسَارَعَة إلى الأعمال الصالحة ,لكن فى الأمور المضمونة ,الرزْق ,ماذا قال ؟ , ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) – الملك 15 - ,أمَّا فى أمور الآخرة قال : ( فَاسْعَوْا ) , ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) .
وقال سبحانه وتعالى : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ ) – الحديد 21 - ,بعض العلماء يُفَسِّر ,يعنى ,مِنْ باب التنوُّع ,يقول إنَّ المقصود ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) يُقَال : هى التكبيرة الأولى مع الإمام فى الصلاة ,فهذا نوع من أنواع المسابقة التى ينبغى أَنْ يُحرَصَ عليها .
وقال موسى عليه السلام : ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) – طه 84 - ,يتسابق مع الزمن , ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) .
ويقول عزَّ وجلَّ : ( وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ) - الأعراف 185 - ,ألَا يشعرون أنهم ربَّما يكون قد اقترب أجلهم وهم لا يشعرون ؟ .
وقال سبحانه وتعالى : ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ) – آل عمران 133 - .
ويقول سبحانه وتعالى ,مَع أَنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نَهَانَا عَنِ التنَافُسِ : ( وَلَا تَنَافَسُوا ) ,يعنى التنافس فى أمور الدنيا ,أمَّا فى الدين فقال : (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) – المطففين 26 - ,هذا سباق ,كما يقول الشاعر :سَوفَ تَدْرِى إِذَا انْجَلَى الغُبَارُ * أَفَرَسٌ تَحْتَكَ أَمْ حِمَارُ
ينكشف فى الآخرة حقيقة العمل الذى كنت عليه ,أمَّا المنافقون فماذا كان شَأْنُهُم ؟ , ( وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى ) – النساء 142 - , ويقول عزَّ وجلَّ : ( وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى ) - التوبة 54 - .
هذه بعض الأدلَّة مِنَ القرآن تُومِئُ وتُشِيرُ إلى خُطُورَةِ الوقت فى حياة الإنسان .
أمَّا أدلَّة السُنَّة فكثيرة منها :
قول النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم الذى رواه عنه مُعَاذ بن جَبَل رضى الله عنه : ( لَيسَ يَتَحَسَّر أَهْلُ الجَنَّةِ عَلَى شَىءٍ ) ,أهل الجنة مع مَا هُمْ فيه من النعيم والبَرَاءَةِ مِنَ التَنْغِيصِ والآلامِ والنَكَدِ ,الشىء الوحيد الذى يتحسرون عليه ,ما هو ؟ ,يقول صلى الله عليه وسلم : ( لَيسَ يَتَحَسَّر أَهْلُ الجَنَّةِ عَلَى شَىءٍ إلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِم لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ) , ( لَيسَ يَتَحَسَّر أَهْلُ الجَنَّةِ عَلَى شَىءٍ إلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِم لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا ) .
وعن أَنَس بن مَالِك رضى الله عنه ,قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكِم فَسِيلَة ) ,يعنى نَخْلَة صغيرة , ( إنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكِم فَسِيلَة ,فإنْ استَطَاعَ ألَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسهَا فَليَفْعَل ) ,هَلْ فيه تعظيم لقيمة الوَقْتِ أكثر من هذا ؟! ,حتى لو كان خلاص أُذِنَ بخَرَابِ الدنيا ,والتَقَمَ إسْرَافِيلُ القَرْنَ حتى يَنْفُخَ ويَقْضِى على كلِّ مَظَاهِرِ الحَيَاةِ فى الكون ,فَمَعْ ذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( إنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكِم فَسِيلَة ,فإنْ استَطَاعَ ألَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسهَا فَليَفْعَل ) ,هذا فيه إشارة إلى أنَّ الإنسان يَقُومُ بحقِّ الوقت الحاضر ,يعيش اللحظةَ التى هو فيها ,يَقْطَع النظَرَ عن الماضى ,فلا يُفَوِّت وَقْتَه الحَاضِر بالتَنَدُّمِ والتَحَسُّرِ على الماضى ,ويَقْطَعُ نَظَرَهُ أيضاً عن المستقبل حتى لو كان هذا المستقبل لحظة أو جزءاً يَسِير جداً مِنَ اللحظة يُوشِكُ بعده أن تقوم الساعة ويُنْفَخ فى الصور .
وعن عِمَارَة بن خُزَيمَةَ بن ثَابِتٍ رضى الله عنه قال : ( سمعت عُمَرَ بن الخَطَّاب رضى الله عنه يقول لأبى ) ,خُزَيمَةَ بن ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ المَعرُوف ,فيقول له عُمَر رضى الله عنه : ( ما يمنعك أنْ تَغرِسَ أرضَكَ ؟ ) , ( ما يمنعك أنْ تَغرِسَ أرضَكَ ؟ . فقال له أبى : أنا شيخٌ كبير أَمُوتُ غداً . فقال له عُمَر : أَعْزِمُ عليك لَتََغْرِسَنَّهَا ) ,يعنى أَحْلِفُ عليك لا بُدَّ تَغْرِس الأرض ,تزرعها ,أحلف عليه أو أعزم عليك لتغرسنها ,يقول : ( فلقد رأيتُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ يَغْرِسُهَا بِيَدِهِ مَعْ أَبِى ) , ( فلقد رأيتُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ) ,رضى الله عنه , ( يَغْرِسُهَا بِيَدِهِ مَعْ أَبِى ) ,أَيْنَ عُمَر رَضِىَ اللهُ عَنْهُ مِنْ كِسْرَى فَارِس ؟ ,ماذا وقع لكِسْرَى فَارِس ؟ يَحْكُونَ عنه أنَّه خرج يوماً يَتَصَيَّد ,يصطاد ,فوجد شيخاً كبيراً يَغْرِسُ شجرةَ زَيْتُون ,شَجَر الزيْتُون يُثْمِر بعد كَمْ سَنَة ؟, أنا أسأل ,هو هنا بيقول بعد ثلاثين سَنَة ,فيه حد عنده معلومات أدق ؟ ,مفيش . نعم ,يقول : خَرَجَ يوماً كِسْرَى فَارِس يَتَصَيَّد يوماً فوجد شيخاً كبيراً يَغْرِسُ شجرةَ زَيْتُون ,فوقف عليه وقال له : يا هذا أنت شيخ هَرِم والزيتون لا يُثْمِر إلَّا بعد ثلاثين سنة ,فلِمَ تَغْرِسُه ؟ . فقال : أَيُّهَا المَلِك ,زَرَعَ لَنَا مَنْ قَبْلَنَا فَأَكَلنَا ,فنحن نزرع لِمَنْ بعدنا فَيَأكُل . حتى لو كنت أنت لَمْ تَحْصِد هذه الثمرة فَكَمَا ,يعنى ,حَصَدْتَ ثمرةَ مَنْ غَرَسَ مِنْ قبلك ,مِنْ ثلاثين سَنَة فَاتُوا ,لو ماكانُوش زَرَعُوا الزيتون ماكنَّاش نَجِد إحنا الآن ناكله ,فكذلك ,يعنى ,نَغْرِسُ نحن لِمَنْ بعدنا كَمَا أكلنَا وحَصَدْنَا مِنْ ثمرات مَنْ قبلنا . فهذا فَهْمُ عُمَر رضى الله عنه ,يعنى ,مع خُزَيمَةَ بن ثَابِتٍ رضى الله عنه .
مما يُبَيِّن خُطُورَة الزمن والوَقْت مِنَ السُنَّة حديث مُعَاذ بن جَبَل رضى الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم : ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَومَ القِيَامَةِ ) ,يعنى لا ينصرف مِنْ بين يَدَى الله سبحانه وتعالى بَعْدَ الحساب ,لا بُدَّ لِكِلِّ إنسان هيُحَاسَب هيُسأَل هَذِهِ الأسئلة ,يعنى أسئلة إجْبَارِيَّة مش إختياريَّة , ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسأَل عَنْ أَربَعِ خِصَال : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ,وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ ,وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ,وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ) ,فَتَأمَّلُوا ,أَرْبَع أسئلة إجْبَاريِّة منها سُؤَالَان فِى مَادَةِ الوقَتْ ,فِى مَادَةِ الزمن , ( عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ,وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ ) ,مع إن الشباب يدخل فى العُمر لكن خصَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم الشباب لما لَهُ مِنْ قِيمَةٍ مُتَمَيِّزَة ,باعتِبَارِهِ سِنَّ الحَيَوِيَّة وَسِنِّ القُوَّة بين ضَعْفَين ,القُوَّة بين ضَعْفَين ,ضَعْف الطفولة وضَعْف الشيخُوخَة ,فما بين ذلك هو الشباب ,سِنُّ العمل وسِنُّ التحصِيل ,فيعنى ,بعكس ما ,يعنى ,يفهم بعض السفهاء فى هذا الزمان ,يقول : تَمَتَّع بشبابك إنت لسه ,ليه تَلتَحِى ؟ وليه تلتزم بالإسلام ؟ وتمنع نفسك ليه من اللهو والفسق وهذه المعاصى المعروفة ؟ . يقولك : إنت لسه شباب ! . وإن كان المرآة تَحَجَّبَتْ يقول : هذه لسه صغيرة ,لسه شابَّة ,لما تكبر وتعجز . مَع إن المرأة العجوز لا تُشتَهى ولا يُطْمَعُ فِى الغَالِبِ أَنَّهَا تَفْتِنُ أَحَدَاً ,فالمقصود ,يعنى ,قَلَبُوا الآية وهَذِهِ مِنْ تَلبِيسَات الشيطان على الناس ,كقولهم أيضاً : سَاعَة لقلبِكَ وسَاعَة لِربِّك . فيقولون : سَاعَة لِربِّك ,يعنى يعبد ربَّنا ويصلى وكل شىء تمام ,وساعة لقلبك ,يعنى يعصى اللهَ فيها يعنى نُوع مِنَ المُعَادَلَة ,وَيُقَسِّمُونَ الوقت بين سَاعَة لربِّهم وسَاعَة لِشَيطَانِهِم ,فهَذَا أيضاً مِنْ تَلبِيس الشيطان عَلَى النَّاس ,أنْ يُظَن أنَّ فترة الشباب فترة العَبَث واللهو ,ويعنى بَعْد ذلك بَأَه أمَّا يِعَجِّز يبقى يشوف . واضح ؟ ,فهَذَا مِنَ التَّسْوِيف الذى سنتكلم عليه إنْ شاء الله عَمَّا قريب . نَظَراً لخطورة فترة الشباب ترى بعضَ الشعراء يقول :أَلَا لَيْتَ الشبَابَ يَعُودُ يَومَاً * فَأُخْبِرُهُ بِمَا صَنَعَ المَشِيبُ
عَبَّرَ بِـ ( لَيْتَ ) التى فيها تَمَنِّى للمُسْتَحِيل ,لأن كلّ دَاء أَنْزَلَهُ اللهُ لَهُ دَوَاء إلَّا الهَرَم ,إلَّا الشَيخُوخَة ,فلَا يعود الشبابُ أبداً ,فهذه الفرصة أعظم الفُرَص ,فرصة تحصيل الطاعات هى فرصة الشباب ,وهَل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلَّا شَبَابَاً ؟! , ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ) – يونس 83 - ,يعنى ذُريَّة مِنَ الشباب ,أصحاب الكهف كانوا من الشباب , (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ) - الكهف 10 - ,إلى آخره . واضح ؟ ,فتقول حَفْصَة بنت سِيرِين رحمها الله : ( يَا مَعْشَرَ الشباب خُذُوا مِنْ أَنْفُسِكُم وأنتم شَبَاب ,فَإِنِّى مَا رَأَيتُ العَمَلَ إلَّا فِى الشَبَابِ ) ,الطفلُ لَا يَعْمَل ,والعَجُوزُ لَا يَقْوَى عَلَى مَا يَقْوَى عليه الشبَاب .
أيضاً مِنَ الأَحَادِيث التى تُبَيِّن قِيمَة الوقت حديث ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) , ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) ,الغَبْن : أنْ يشترى الإنسانُ بأضعاف الثمن أو يَبِيع بدون ثَمَنِ المِثْل ,فالإنسان إمَّا بَائِع أَو مُشتَرِى ,فإذا اشترى شيئاً بأضعاف ثَمَنِهِ الحقيقي فَقَدْ غُبِنَ ,وإذا بَاعَ شيئاً بأقل مِنْ سِعْرِهِ المِثْل فَقَدْ غُبِنَ ,يعنى فى الحالتين خُسَارة ,واضح ؟ ,فهاتان النعمتان مَغْبُونٌ فيهما كثير مِنَ الناس ,فيعنى ,رَأْسُ مَالِ الإنسانِ فِى هذه الدنيا أمران : الصِحَّة وَالوَقْت ,الصِحَّة وَالفَرَاغ ,فالصِحَّة : ضَيْف ,ضَيْف عَابِر يَعْقُبُهَا السَّقَم ,والفراغ يَعْقُبُه الشُغْل ,فمَنْ جََمَعَ اللهُ له هاتين النعمتين فوَضَعَهُمَا فِى مَوضِعْهِمَا فهو المَغْبُوط ,يُغْبَط على هذا ,وإلَّا فهو المَغْبُون مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلَّم : ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصِحَّة وَالفَرَاغ ) .
وعن ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم : ( اغْتَنِم خَمْسَاً قَبْلَ خَمْسٍ ) , ( اغْتَنِم خَمْسَاً قَبْلَ خَمْسٍ ) ,يعنى إلحق هذه الغَنِيمَة ,لا تدعها تهرب منك فإنَّها ضَيْفٌ عَابِرٌ ,ضَيْف ينزل عليك ثُمَّ سَرعَان ما يخلُفُهُ غيرُهُ , ( شَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ) ,اغتنم شبابك لأنه وقت الطاعات ووقت تحصيل الأعمال , ( اغْتَنِم شَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ,وصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ,غِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ,وفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ,وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ) .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم : ( أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِءٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةٍ ) ,هذا رواه البُخَاريُّ , ( أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِءٍ ) ,الإعْذَارُ : مَعْنَاهُ إِزَالَةِ العُذْرِ ,والمعنى أنَّ هَذَا الشخص لَم يَبْقَ لَهُ اعتذَار ,أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أَمْهَلَهُ ,يعنى إنت كلَّمَا وَضَعْتَ رأسَك على الوِسَادَةِ واستيقظت هَذِهِ نِعْمَة ,لذلك كان عليه الصلاة والسلام أول ما يستيقظ ماذا كان يقول ؟ , ( الحَمْدُ للهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإليه النُّشُور ,الحَمْدُ للهِ الَّذِى رَدَّ عَلَىَّ رُوحِى ,وَعَافَانِى فِى جَسَدِى ,وَأَذِنَ لِى بِذِكْرِهِ ) ,هذه الروح تخرج لأن النوم أخو الموت ,النوم هو المَوْتَةِ الصغرى ,تخرج هذه الروح مِنَ البَدَنِ بكيفية مُعَيَّنَة اللهُ يعلمُهَا ,فأنت فى حالة النوم ميِّت ,هذا شَقِيقُ الموت ,واضح ؟ ,فإذا خرجت روحُكَ مَنْ يعيدها عليك ؟ ,الله سبحانه وتعالى ,إذاً يمُنُّ عليك كلّ يوم بأن يردَّ عليك روحك ليُمهِلَكَ وَيَسْتَعْتِبَكَ ويعطيك فرصة ,فهذه مِنْ أعظم النِعَم ,إنك الصبح تلاقى نفسك لسه حىّ ,إذاً هذه فرصة جليلة ,تُفتَح لك الأبواب , ( إنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِالنهَارِ لِيَتُوبَ مُسِئُ الليل ,ويَبْسُطُ يَدَهُ بِالليل لِيَتُوبَ مُسِئُ النهَارِ ) ,فيعنى ,خَزَائِنُ الله سبحانه وتعالى لا تَنْفَذ ,ونِعَمُهُ على العباد لا تنقطع ولا تُعدُّ ولا تُحصَى ,فهذه مِنْ أعظم النِعَم ,إنّ كان ممكن يأخذ روحَكَ ,ومَا أكثر مَا نسمع عَنْ إنسان لا ,مثلاً ,يَقُمْ ,يعنى ,تَزَوَّد مِنَ التَّقْوَى فَإنَّكَ لَا تَدْرِى * إنْ جَنَّ لَيْلُكَ هَلْ تَعِيشُ إلى الفَجْرِ
فَكَمْ مِنْ سَلِيمٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عْلَّةٍ * وَكَمْ مِنْ سَقِيمٍ عَاشَ حِينَاً مِنَ الدَّهْرِ
وَكَمْ فَتَىً بَاتَ وَأَصْبَحَ ضَاحِكَاً * وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِى
فهَذَا الحديث أيضاً مما يُبَيِّن خطورة الوقت ,أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى إذا أَمْهَلَ الإنسانَ ومَدَّ لَهُ فى عُمُرِهِ حتى بَلَّغَهُ الستِّينَ سَنَةً فليس لَهُ عُذْر عِنْدَ اللهِ ,لم يبق لَهُ أى موضع إعتذار إذا تمادى فى المعاصى ,إذا تمادى فى المعاصى , ( أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِءٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةٍ ) , ولعلَّ هذه هى الحِكْمَة ,حِكْمَة مِنْ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم : ( أَعْمَارُ أُمَّتِى مَا بَينَ سِتِّينَ إلى سَبْعِين وَأَقَلُّهُم مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ ) , ( أَعْمَارُ أُمَّتِى ) ,يعنى أغلب هذه الأمَّة أعمارها تكون بين الستِّين والسبعين , ( وَأَقَلُّهُم مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ ) ,فهذه مِنْ مِنَنِ اللهِ على هذه الأمَّة أنْ يُمْهَلَ لَهُم وَيَمُدَّ فى الأَجَل حتى يتوبوا .
· مما يُبَيِّن قيمة الوقت أيضاً مِنَ السُنَّة قولُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلَّم لمَّا مرَّ مع الصحابة رضى الله عنهم على قَبْرٍ ,فوَقَفَ وقال لهم : ( رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحْقِرُون وَتَنَفَّلُون يَجِدَهُمَا هَذَا فِى عَمَلِهِ أَحَبُّ إِليهِ مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُم ) , ( رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحْقِرُون ) ,ركعتين ,تقول ركعتين دى حاجة بسيطة , ( مِمَّا تَحْقِرُون وَتَنَفَّلُون ) ,يعنى نَافِلَة وسُنَّة , ( يَجِدَهُمَا هَذَا الرَجُل الآن فِى عَمَلِهِ ) ,يعنى يَتَمَنَّى لو يخرج فقط إلى الدنيا يُصَلِّى ركعتين وَيُعَاد فى القَبْرِ ,ليَنْتَهِز هذا الزمن اليَسِير ,خَمْس أو ثَلاث دقائق ممكن ياخدها ركعتين إذا أدَّى الواجبات فيها فقط مثلاً , ( رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحْقِرُون وَتَنَفَّلُون يَجِدَهُمَا هَذَا فِى عَمَلِهِ أَحَبُّ إِليهِ مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُم ) .
· ولمَّا ابْتَنَى النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم مَسْجِدَهُ مِنَ الجَرِيدِ وسَعَفِ النخْلِ ,فقِيل له : يَا رسولَ اللهِ هلَّا اتخذتَ لَبِنَاً . يعنى هلَّا بَنَيتَ المَسجِدَ مِنَ اللبِن ,الطوبِ اللبِن ,فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ,قال : ( بَلْ سُمَامٌ كَسُمَامِ مُوسَى ,وعَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى ,والأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِك ) , ( والأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِك ) .
· وقال صلى الله عليه وسلَّم : ( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ ,وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المنْزِلَ ) ,أَدْلَجَ يعنى مَشَى بالليل ,الإنسان لو مسافر ,كان زمان يسافرون على الدوَابِّ ,الجِمَال أو الفَرَس أو شىء من هذا ,فكان إذا خَشِى الإنسان ألَّا يَصِل إلى البلدة التى يسافر إليها فى المَوعِد أو ,يعنى ,يسافر فى سرعة مناسبة فى وقت مناسب فيُواصِل سَفَرَ النهار بإنه مينامش بالليل ويظل يُدْلِج يعنى يسير فى الليل ,ليه ؟ ,لإنه خاف الفوات ,خاف يفوته هذا السوق أو المعاد اللى هوه عايزه ,فيقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( مَنْ خَافَ أَدْلَجَ ,وَمَنْ أَدْلَجَ ) ,يعنى مَنْ وَاصَلَ سَفَر النهار بِسَفَرِ الليل , ( وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المنْزِلَ ) ,وصل فى الموعد , ( أَلَا إنَّ سِلعَةَ اللهِ غَالِيَة ,أَلَا إنَّ سِلعَةَ اللهِ الجَنَّة ) ,فإذا كان فى تحصيل الأمور الدنيويَّة ,يعنى ,تُعَانُون أشدَّ العَنَاءِ وتبذلون أعظم البَذْلِ لتحصيل هذه المراتب الدنيويَّة ,فكيف بالجَنَّة ؟! ,هَلْ الدنيا عندكم لا توازى الجَنَّة ؟! , ( أَلَا إنَّ سِلعَةَ اللهِ غَالِيَة ,أَلَا إنَّ سِلعَةَ اللهِ الجَنَّة ) .
· أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ببعض الأوامر تُبَيِّن أيضاً مدى أهمية الحرص على الوقت ,فيه أشياء ربما نحن لا نَلتَفِتُ إليها ,مثلاً ,يَجْمَعُهَا كلمة الفُضُول : فُضوُل الكَلَام ,فُضوُل اللباس ,فُضوُل الأكل ,فُضوُل الإختلاط ,فُضوُل الزينَة : فمثلاً فى فضول الزينة ,تضييع الوقت فى الزينة ,والإنسان لا يُغَادِر المرآة ,ويظلّ ,يعنى ,يُهَذِّب فى منظره وهيئته كما تفعل المَاشِطَةُ بِعَرُوسَتِهَا ,فمِنْ ذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ,مع إن القرآن أمر فقال الله عزَّ وجلَّ : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) – الأعراف 31:32 - ,إلى آخر الآيات ,المقصود أنَّ الله سبحانه وتعالى أَبَاحَ لَنَا الزينة وأَحَلَّهَا لَنَا لكن فى نفس الوقت حُذِّرنَا مِنَ الإسراف فيها ومِنْ فضولها حتى لا يضيع الوقت الثمين , فنرى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول مثلاً لأصحابه لمَّا ,يعنى ,لمَّا قيل له : إنَّ الله ,يعنى ,حديث فيه أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتكلم مع الصحابة فسُئِلَ : الرجل يحبُّ أنْ يكون نَعْلُهُ حَسَنَاً ومَلبَسُهُ حَسَنَاً ,فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم : ( إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَال ) ,إذاً لا بأس من النظافة ,من الجمال ,من تحسين الهيئة ,أيضاً قال صلى الله عليه وسلم للصحابة : ( إِنَّكُم قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُم فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُم ,وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُم ,حَتَّى تَكُونُوا كَأنَّكُم شَامَةٌ فِى النَّاس ,فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلَا التفَحُّشَ ) ,الفُحْشَ هو الردئ من القول القبيح ,مع ذلك نَهَى ,فى حديث آخر , ( نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبَّاً ) , ( نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ ) : تسريح الشعر , ( إلَّا غِبَّاً ) يعنى يوم ويوم ,يوم ويومين ,وهكذا ,لكن الإنسان ميجعلش شُغلُهُ الشَّاغِل إنه يقعد ,إيه ؟ ,يسرح شَعْرَ رأسه , ( نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبَّاً ) . وفى حديث آخر ( نَهَى عَنِ الإرْفَاه ) ,الإرفاه : هو الإستكثار مِنَ الزينة ,وإنَّ الشخص لا يزال يُهَيِّئُ نفسَه وَ ,يعنى ,لا يغادر المرآة ,واضح ؟ ,تحسيناً لهيئته ,فالإشتغال بِمِثْلِ هذه الأشياء , ( إِيَّاىَ وَالتَنَعُّم ,فَإنَّ عِبَادَ اللهِ ليسوا بِالمُتَنَعِّمِين ) ,فهذا أيضا من الفضول الذى يضيِّع الوقت ويضيِّع العُمُر .
· مما يُبَيِّن قيمة الوقت مِنَ السُنَّةِ أيضَاً قَولُ النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم : ( مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد عَشْر مَرَّات بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرَاً (أَو بَيتَاً ) فِى الجَنَّة ) ,مُجَرَّد أنْ تقرأ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد عَشْر مرات يُبْنَى لك قَصْر فى الجَنَّة ,إذا ما أعظم قيمة الوقت ,تخيَّل إنسان لو ,الوقت الذى يقرأ فيه قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد لا يتجاوز دقائق معدودة ,لو قيل له يُبْنَى لك ,يعنى ,قَصْر أو بيت فى الدنيا فما كان أسهل ذلك ,فنحن نصدِّق بخَبَرِ النبي صلى الله عليه وسلم ,لو أننا نُوقِن لَمَا ضيَّعنَا وقتنا فِى اللغو وانصرفنا عن هذه الأبواب مِنَ الخيرات .
· وقال صلى الله عليه وسلَّم : ( مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ بِهَا نَخْلَةٌ فِى الجَنَّة ) ,كل مرة تقول سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ تُغْرَس لَكَ نَخْلَة فى الجَنَّة ,فما أكثر ما نضيِّع مِنَ النخْل .
· وقَالَ صلى الله عليه وسلَّم : ( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللسَانِ ,ثَقِيلَتَانِ فِى الميزَانِ ,حَبِيبَتَانِ إلى الرحْمَنِ : سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ,سُبْحَانَ اللهِ العظِيم ) .
· وقال صلى الله عليه وآله وسلَّم : ( مَنْ ظَنَّ بِالنهار أَنْ يُوثِقَه وبالليل أنْ يُكَابِدَه فَعَليه بسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ) ,إذاً أبواب الخيرات كثيرة جداً لا تُحْصَى ,وهذا باب مُسْتَقِلٌّ ,باب الكلام فى فضائل الأعمال ,لكن المقصود الإشارة إلى أنَّه ينبغى اغتِنَامِ الوقت وتعميره بهذه الإعمال الصالحة .
أيضاً مِنْ إحترام الإسلام للوقت وقيمة الوقت أنَّه شرَّع كثيراً من الآداب الشرعيَّة التى تضمن للإنسان ألَّا يضيع وقته ,من هذه التشريعات السامية العظيمة تشريعاتُ الإستئذان ,تشريع الإستئذان ,معنى الإستئذان : طلب الإذن بالدخول فى البيت أو فى الدار . هذا الإستئذان المقصود به أنَّك تسأل هَلْ وقتكم مناسب أنْ أدخل عندكم أم ليس بمناسب ؟ ,رُبَّمَا يكون الرَجُلُ مشغولاً بأىِّ شُغْلٍ مِنْ دِينٍ أو دنيا ,فَشَرَعَ اللهُ عزَّ وجلَّ لنا الاستئذان , ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ) – النور 27 - ,وشَرَعَ الله عزَّ وجلَّ لِصَاحِبِ البيت إذا لم يناسبه ذلك ,إذا كان ذلك سَيُضَيِّع وقتَه فيُضَيِّع مصالح دِينِهِ أو دُنيَاهُ فيُحدِث إضطراباً فى حياته الخاصَّة أو مسئولياته العامَّة فلا حَرَجَ إطلاقاً مِنْ أنْ يقول كما قال عزَّ وجلَّ : ( وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) – النور 28 - ,أذِنَ أنْ يقول صاحب البيت لِمَنْ يَسْتَأذِن : ارجِعْ ,يعنى لَا آذَنُ لك ,هذا حقٌّ شرعيٌّ ,فما أبعَدنَا اليوم عن ,يعنى ,هذه الآداب الشرعية ,الناس الآن لا يكادون يَسْتَسِيغُون هذا الحُكْم وهذا ,يعنى ,كما ذكرنا فى بداية الكلام : الآداب الإسلاميَّة هذه هى التى نَهَضَتْ بهذه الأمَّة ,هى التى أَخْرَجَتْ منها خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس . لمَّا تَخَلِّينَا عن آداب الإسلام عُدْنَا إلى الوَضْع الطبيعي للبيئة فى هذه المنطقة اللِّى هى أصلاً الفَوْضَى والهَمَجِيَّة والتخَلُّف والإنحِطَاط ,فأصبحنا الآن فى مُؤَخِّرَةِ الأُمَم ,لماذا ؟ ,لأننا ضيَّعنا قيمة الوقت ,معلوم إن الله سبحانه وتعالى خَلَقَ النتائج وخَلَقَ لها أسباب توصِّل إليها مَنْ أَخَذَ بهذه الأسباب واحترم هذه السُنَن تَحْصُل له النتيجة ,فَنَجِد الكفَّار عليهم لَعَائنُ الله سواء اليهود أو النصارى أو حتى المَلَاحِدَة ,كيف تَعْظِيمهُم للأمر الواقع ؟ ,وكيف تَعْظِيمهُم لاغْتِنَامِ الوقت ؟ ,حتى إنهم يقولون : الوَقْتُ ,يعنى ,مال أو فلوس ,هُمَّا مش بيقولوا دَهَب ,إحنا بنتَرجِمْهَا دَهَب ,فالمقصود ,يعنى ,كلُّ مَنْ خَرَجَ إلى هذه البلاد الأُورُوبِيَّة مثلاً وكان له معترى وله سقيفة بهؤلاء الكفَّار مع أنَّهُم كُفَّار ,كَيْفَ يَهْتَمُّون بالوقت ؟ ,كيف يُدَقِّقُون فى المواعيد ؟ ,مِنْ أَجْلِ استثمار أوقاتهم فِى تَحْصِيلِ مَتَاع الدنيا وأموال الدنيا ونعيم الدنيا ,فكيف يكون المسلمين الذين المُفْتَرَض فيهم أنَّهم خَيْر أُمَّة أُخْرِجَت للناس ,لا بُدَّ أنْ نَتَعَاون جميعاً على المحافظة على قيمة الوقت و ,يعنى ,التعاضد من أجل اغتنامه بأقصى قَدْرٍ ممكن ,إذا عَادَ المسلمون إلى تعظيم قيمة الوقت يعود لهم عِزُّهُم ومَجْدُهُم .
فمِنَ الأسباب التى تضيِّع الوقت أيضاً فُضُول المُجَالَسَة ,فُضُول المُجَالَسَة ,مَا يُسَمَّى بِجَلَسَات الدرْدَشَة . تَخَيَّلوا مِنَ التجَارَات المُربِحَة حتَّى يَكَاد يَحْتَكِرُهَا النصَارَى ,إيه التجارة اللى بيحتكرها النصارى الآن ؟ ,يعنى مِنْ ضِمْنِ التجارات اللى بيحتكروها وهى كثيرة ,إيه الحاجة اللى بيكسبوا منها جامد أوى ؟ ,الـ إيه ؟ ,اللّب والسُودَانِي يا اخونَّا ,حاجة مش معروفة ؟ ,اللّب والسُودَانِي والحُمُّص وهذه الأشياء ,بلاش الحُمُّص ,اللّب ده ,اللّب الأسمر واللّب الأبيض واللّب الأحمر ,فكل هذه الأشياء ,اللى هيه التسالى بيسموها ,دى عدوَّة الذِّكْر ,عدوَّة العِلْم ,أنا ما أقول أنها حرام ,لكن لأن أحنا نعيش فى فراغ ,هل ممكن إنسان يتلو قرآن وهو بيأَزْأَزْ لبّ ,ده الحرف مِنَ القرآن بِعَشْر حَسَنَات ,إذاً هذا عَمَى فى البَصِيرَة ,هذه قلَّة تَفَكُّر ,إنسان لا ( .. ) ولا يَعْقِل ,طيب سهرات أمام التلفزيون ,يقولَّك بنقتل الوقت ,الولائم ,الدعوات ,السياحة ,السفر ,كلّ هذه الأشياء يقتلون بها الوقت ,وما يقتلون إلَّا أنفسهم وما يشعرون ,فيعنى ,هذا أيضاً ,يعنى ,فُضُول المجالس ,مما يُفْقِدُ الوقت ,يقول بعض السلف : ( إِذَا طَالَ المَجْلِسُ ,صَارَ للشيطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ ) .
ونحن إذا حان الوقت ,إذا ,يعنى ,وَجَدْنَا فُرصَة اليوم وذَكَرْنَا بعض نماذج مِنْ كيفية إحترام السلف للوقت ,هنعجب ,هنعجب ,كيف كان هذا المجتمع يَسْتَسِيغ هذه المفاهيم ,اللى إحنا الآن أصبحنا غُرَبَاء عنها تماماً .
لما نجد الإمام مَجْد الدين ,الإمام جدّ شيخ الإسلام ابن تيمية ,يقول ابنه ,يعنى : ( كَانَ أبى إذا خَرَجَ إلى الخَلَاءِ أَعْطَانِى الكِتَاب ) ,إذا دَخَلَ الخَلَاء يُعْطِيهِ الكِتَابَ ويقول له : ( اقرَأْ عَلَىَّ ) ,حتى فى أثناء جلوسه فى الخلاء لأنّه يحرم عليه إنه يذكر الله وهو على هذه الحالة ,يأتى بالولد الصغير ويَقِف بالكتاب ويَقْرَأ حتى لا يضيع هذا الوقت .
الرسول عليه السلام نفسه ,ماذا كان يقول إذا خَرَجَ مِنَ الخَلَاء ؟ ,يقول : ( غُفْرَانَكَ ) ,ماذا قال العلماء فى تفسيرها ؟ ,قالوا : إن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحالة تَمْنَعُهُ مِنَ الإستغفار ,تَمْنَعُهُ مِنَ الذِّكْر ,من ذِكْرِ الله سبحانه وتعالى الذى يُدَاوِمُ عليه فى كلِّ آنَاءِ الليل وأطراف النهار ,فلمَّا كانت هذه الحالة حالة انْقَطَعَ فيها لِسَانُهُ وليس قَلبُهُ عَنْ ذِكْرِ الله ,يعنى ,عَدَّ هذه مِنَ التقْصِير فِى جَنْبِ اللهِ فَجَبَرَهَا حينما خَرَجَ بقوله : ( غُفْرَانَك ) ,يعنى اغفر لى تَوقُّف لِسَانِى عَن ذِكْرِك هذه اللحظات .
فيعنى ,فُضُول المُخَالَطَة أيضاً ,كثرة مجالس الدردشة ,ويتكلم على اللهو والعَبَث والفِسْق ,وأين كان هذا المساء ,والفريق الفُلَانى عَمَل ,والشخص الفُلَانى عَمَل ,والغيبة والنميمة ,كل هذا الباطل ,الذى قُلنا أنه يقضى على شىء اسمه فَرَاغ ,مفيش حاجة اسمها فَرَاغ ,إنت لازم هتكون مشغول ,إنْ لَم تشغل نفسَك بالحقِّ هى ستشغلك بهذا الباطل ,يقول بعضُ السلف : ( شَتَّان بَيْنَ أقوامٍ مَوتَى تَحْيَا القُلُوبُ بذِكْرِهِم ,وبَيْنَ أَقْوَامٍ أَحيَاء تَمُوتُ القُلُوبُ بِمُخَالَطَتِهِم ) ,قوم موتى أُدْلِجُوا فى التراب مِنَ العلماء ,مِنَ الصحابة ,مِنَ السلف رضى اللهُ عنهم ,إذا ذُكِرُوا تَحْيَا القلوبُ بِذِكْرِهِم وهم أموات ,وقومٌ أحياء تَمُوتُ القُلُوبُ بِمُخَالَطَتِهِم ,فَفُضُول المُخَالَطَة والهَمَجِيَّة فِى ,يعنى ,تَضْيِيع الوقت فى مجالس الدردشة والتسلية والنُّكَت والهِزَار والمَسرَحِيَّات والفيديو والتلفزيون ,كلّ هذه الأشياء ,حتى لو افترضنا إن فيها أشياء مُبَاحَة ,مُجَرَّد حتى لو مُبَاحَة ,هذا مِنَ الخُسرَان ,فما بالك إذا انضمَّ إليها الفساد والفِسْق والعِصيَان .
أيضاً فُضُول الكلام ,هذا تضييع وقت ,فُضُول الكلام ,إذا كانت الحَاجَة تُقْضَى فى كلمتين الثالثة تكون فُضُولاً مِنَ الكلام ,كان صلى الله عليه وسلم ( ينهى عَنِ القِيلِ وقَال وكَثْرَةِ السؤال وإضَاعَةِ المَال ) ,وقال صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيرَاً أو لِيَصْمُت ) , ( فَلْيَقُل خَيرَاً أو لِيَصْمُت ) .
مِنْ ذلك أيضاً فُضُولُ الطعَامِ ,فُضُولُ الطعَامِ ,يقول النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلَّم : ( إنَّ المُؤمِنُ يَأكُلُ فِى مِعَاً وَاحِد ,والكَافِرُ يَأكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ) ,فالمؤمن يأكل مِنْ أَجْلِ أنْ يعيش ,أمَّا الكافر فيَعِيش لِيَأكُل ,الإنسان إذا اطلع على الكتب اللى هيه زى سؤالنا فى كيفية صناعة الأطعمة سَتَجِد نفس نظام هؤلاء الناس الذين يعيشون الدنيا عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة ,كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً ,تجد كل همّه إن الطعام فى ذاته مجرد منظر المائدة تَهْوَى مِنَ الشهوات ,فيعنى ,يعيش ,يَتَنَعَّم ,يعتبر هذه لذّة من اللذات مُجَرَّد أن ينظر إلى مَنْظَر الطعام مُرَتَّب بطريقة مُعَيَّنَة بألوان مُعَيَّنَة ,فتجد إنه كأنّه يعيش مِنْ أَجْلِ أنْ يأكل , ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ) , ( كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ) ,لتسمن , ( وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ) – محمد 12 - ,لتأكل أجسادهم .
أيضاً مِنَ الفُضُول ,الإنسان ينشغل بشىءٍ مَفْضُولٍ عَنْ شىءٍ فَاضِل ,معرفة مَرَاتِب الأعمال ,هناك الأعمال الصالحة نفسها فيها مَرَاتِب ,فيه فَاضِل وفيه مَفْضُول ,فيه فَرْض وفيه نَفْل ,فمِنَ التضْيِيع والخُسْرَان الإنسان يشتغل بالعمل المَفْضُول عمَّا هو أفضل منه مِنَ الأعمال الصالحة فهذا يحتاج لفِقْه دَقِيق فى تحديد وَظِيفَة الوقت ,يقول الله عزَّ وجلَّ : ( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) – الزمر 17:18 - ,كلمة أَحْسَنَهُ هذه أليست إشارة إلى هذا المعنى ؟ ,وهو تَقْدِيم الفَاضِل على المَفْضُولِ مِنَ الأعمال ,ويقول بعضُهم :
وإِذَا فَرَضْتَ العِلمَ فاعلَم أنَّهُ * حِمْلٌ فَأبْصِر أىَّ شَىءٍ تَحْمِلُ
وإِذَا عَلِمْتَ بِأنَّهُ مُتَفَاضِلُ * فاشْغَل فُؤَادَكَ بِالَّذِى هُوَ أَفْضَلُ
مما وَرَدَ فِى السنَّة أيضاً مِنْ بَيَانِ قِيمَة الوَقْتِ وخُطُورَتِهِ عن عُقْبَةَ بن الحَارِث رضى الله عنه قال : ( صَلَّيتُ وَرَاءَ النبي صلى الله عليه وسلم فِى المَدِينَةِ العَطْرَة فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسرِعَاً فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاس ) ,بمجرَّد إنصراف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة العَصْرِ جَرَى مُسرِعَاً وتخطَّى رقاب النَّاس إلى بعض حُجَرِ نِسَاءِهِ , ( فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرعَتِه ,فَخَرَجَ عليهم فَرَأَى أَنَّهُم قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرعَتِهِ ,قال : ذَكَرْتُ شَيئَاً مِنْ سِدْرٍ عندنا ) ,سِدْر : يعنى قِطْعَة مِنَ الذَّهَبِ أو الفِضَّة ,عندنا : يعنى مِن مَالِ الصدَقَة , ( فَكَرِهْتُ أنْ يَحْبِسَنِى ) ,يعنى خَشِيتُ أن يشغلنى الفِكْرُ فيه عن الإقْبَال على الله عزَّ وجلَّ ,فانظروا كيف تَعَجَّل النبيُّ صلى الله عليه وسلم استبراءَ ذِمَّتِهِ مِنْ هذا المال ,يقول : ( فَكَرِهْتُ أنْ يَحْبِسَنِى فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ ) ,فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ يعنى على المُستَحِقِّين .
وعن ابن عُمَر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عيه وسلم قال : ( مَا حَقُّ امرِءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىءٌ يُوصِى بِهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأسِهِ ) ,هذه أيضاً مُبَادَرَة خَشيَة حُضُور الأَجَل وإنقطاعِ العُمُر .
---------------------------
مِنْ آفَاتِ الوَقْتِ التى يكون ثَمَنُهَا فَادِحَاً :
التَّسْوِيف : ,قَاعِدَة ,قَاعِدَة ,الأصل أنَّ العَمَل المُؤجَّل ضَائِع ,يعنى هذه قاعدة فى أىِّ مَسْلَكٍ يَسْلُكُهُ الإنسان ,العَمَل المُؤجَّل ضَائِع ,الأصل كده ,قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ عَبْدِ القَيسِ أَوصِنَا ....