Ghareeb95
04-26-2007, 04:43 PM
مسلمو ساحل العاج .. جرح جديد في جسد الأمة
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/e/eb/LocationCotedIvoire.svg/800px-LocationCotedIvoire.svg.png (http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/e/eb/LocationCotedIvoire.svg)
الأحداث الدائرة في ساحل العاج ترجع أهميتها إلى وجود طرف إسلامي وصفته وسائل الإعلام العالمية ، بل – وللأسف كثير من وسائل الإعلام العربية والإسلامية – بالمتمردين . في سطور هذا الملف نحاول الوصول إلى الحقيقة ومعرفة السبب الحقيقي لحالة الاحتقان التي أصابت المسلمين في ساحل العاج واضطرتهم لإعلان العصيان المسلح والخروج على الحكومة وعلى الرئيس الذي يقولون إن انتخابه غير شرعي . وسوف يتناول الملف تفاصيل القضية من خلال المحاور الآتية :
* مقدمة تاريخية .
* بداية الاضطرابات واضطهاد المسلمين .
* الرئيس جباجبو لم يحم المسلمين .
* بين مسؤولية الجهات الخارجية وتأثير التقسيمات العرقية .
* الكاكاووعلاقته بالأزمة السياسية والاضطرابات .
مقدمة تاريخية
على شاطىء افريقيا الغربي المطل على المحيط الاطلسي تقع جمهورية ساحل العاج بين كل من غانا شرقاً وفولتا العليا ومالي شمالاً وغينياً وليبيريا غرباً والمحيط الاطلسي جنوباً.
يبلغ عدد سكان ساحل العاج 16 نسمة، طبقاً لتقديرات يوليه 2001 ، ويشكل المسلمون نحو 60%، والنصارى نحو 22%، ويشكل أصحاب المعتقدات الإفريقية المحلية نحو 18%، بعضهم مسجلٌ، كذلك، ضمن أعداد النصارى والمسلمين ، وفي ساحل العاج 70 طائفة عرقية قبلية ،و الفرنسية هي اللغة الرسمية في البلاد. ويوجد نحو 60 لهجة محلية،وتعد الديولا أهمها وأكثرها انتشاراً.
تنقسم ساحل العاج إلى 50 إدارة، وقد استقلت عن فرنسا، في السابع من أغسطس عام 1960.
وقد جرت آخر انتخابات، في 26أكتوبر 2000؛ وانتخب لوران جباجبو رئيسا للجمهورية، وحصل على 59.4% من إجمالي الأصوات؛ وحصل روبرت جي، على 32.7%.
فقبائل ماندي، دولا، سينوفا التي تسكن المنطقة الشمالية من جمهورية ساحل العاج هي قبائل مسلمة. اما قبيلتا أجنى وأشانتى والقبائل الاخرى التي تقطن وسط جنوبي جمهورية ساحل العاج فهي في طور بدائي همجي لاتدين بأي دين. ومع ان لهجات السكان تبلغ ستين لهجة فان اللهجات الاكثر شيوعاً هي الماندي والاجنى اما لغة الدولة الرسمية فهي الفرنسية.
يقول كثير من الرواة ان الاسلام دخل في ساحل العاج عن طريق المجاهد الاسلامي الكبير السيد ساموري توري الذي عرف بفضله وعلمه في خدمة الدعوة الاسلامية. والسيد ساموري توري هو جد احمد سيكوتوري رئيس جمهورية غينيا المجاورة لساحل العاج. هذا ويتعبد المسلمون وفق الشريعة الاسلامية على مذهب الامام مالك كما هو الغالب على غرب افريقيا كلها. كما كان لهجرة افراد بعض القبائل المسلمة من هاتين الدولتين الى ساحل العاج والاقامة فيها وتكوين فروع لها لا تلبث طويلاً حتى تنشر دينها وثقافتها في كل مكان تحل به اثر في انتشارالاسلام.
معلوماتنا عن تاريخ هذه الجمهورية القديم ضئيل جداً. وجل ما نعرفه هوان القسم الشمالي منها كان تحت النفوذ الاسلامي منذ القرون الاولى للهجرة فقد كانت مدينة بتوكي تقع على طريق القوافل من مدينة تمبكتو في جمهورية مالي الى مدينة سوكوتو الاسلامية في نيجيريا.
وفي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلادكان القسم الشمالي من جمهورية ساحل العاج تحت سيطرة، دولة مالي الاسلامية. وفي القرن الثامن عشر للميلاد، كانت هذه المنطقة جزءاً من مملكة ابراهيم سمبيجوالغيني.
وقد بدأ البرتغاليون غزو الاراضي الساحلية على خليج غينيا في القرن الخامس عشر. ولما كانت القبائل التي تقطن على ساحل خليج غينيا تتعاطى تجارة العاج،فقد اطلق الاوروبيون على هذا الساحل (ساحل العاج) وفي اواسط القرن التاسع عشر اصبحت الاجزاء الجنوبية من ساحل العاج تحت الحماية الفرنسية. وكان القسم الشمالي من ساحل العاج جزءاً من مملكة موسى التي اعتنق ملكها الاسلام في منتصف القرن التاسع عشر وتسمى بـ (أبي بكر) ولم يدخل تحت السلطة الفرنسية الاّ في عام 1898م عندما هزم الفرنسيون القائد المسلم المشهور في غرب افريقيا (امام المامي ساموريالغيني).
ثم أصبح ساحل العاج مستعمرة فرنسية ثم انتخب اول مجلس له في 1947. وفي عام 1967 منح استقلالاً ذاتياً وتشكلت أول حكومة بموجبه.
وفي عام 1958 اعلنت جمهورية ساحل العاج وفي 1960 اصبحت جمهورية ساحل العاج عضواً في هيئة الامم المتحدة. وكذلك في 1960 وضع دستور جديد لهذه الجمهورية اعلنت فيه حرية الاديان وان الدولة بموجبه ليست لها صبغة دينية.
بداية الاضطرابات واضطهاد المسلمين
ولكن منذ عشر سنوات بدأت هذه البلاد تمر بأزمات سياسية وعرقية واقتصادية وصلت إلى ذروتهافي 19 سبتمبر الماضي، عندما جرت محاولة انقلاب عسكري فاشل، وتبعتها حركة احتجاج مسلحة منظمة.
وكان من نتيجة هذه الأحداث قتل كثير من المسلمين، مثلما حدث في دوالا عاصمة الكاكاو، حيث قتلت كتيبة لمكافحة الشغب قادمة من العاصمة أبيدجان، قتلت معلم في مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم من مالي وسبعة من طلابه ومسلمين آخرين.
وفي هجوم آخر لنفس الكتيبة في حي للمهاجرين المسلمين قتلت 19 مسلما. وقد تجمع المسلمون في المساجد من شدة الرعب.
ويشعر المسلمون في ساحل العاج بالحزن لما وصلت إليه حال البلاد من ظلم وعدوان على المسلمين.
ويقولون إنهم اليوم يأسفون للاوضاع المحزنة للحياة في هذه البلاد، حيث يستمر الاعتداء على المسلمين والتشكيك فيهم، من قبل قوات الأمن، رغم كل خدماتهم لهذه البلاد.
وقد استمرت مصادرة المساجد و اعتقال قادة المسلمين واختطاف مسلمين، وتوزيع منشورات تتهم المسلمين، ونشر مقالات في الصحف وعلى الانترنيت كلها تزعم أن الأحداث الأخيرة سببها المسلمون.
وكان المسلمون قد تحدثوا واشتكوا منذ زمن طويل من الأوضاع المحزنة التي يعيشونها في مدينة دوالا، حيث يشهد الائمة وكثير من المسلمن أن عناصر من أجهزة الأمن تطارد المسلمين وتعذب بعضهم وقتلت بعضهم. وبعض المسلمين يتحدثون عن حملة تصفية عرقية.
الرئيس جباجبو لم يحم المسلمين
وقداجتمع قادة المسلمين في ساحل العاج بالرئيس لورانت جباجبو فور انتخابه، وذلك لطلب ضمانات بسلامة المسلمين في ظل رئاسته بعد المذابح التي تعرضوا لها أثناء فترة الانتخابات. ويذكر أن الحزب الجمهوري الديمقراطي المعارض بزعامة (الحسن وطارا) الذي تتألف اغلبيته من المسلمين قبل بحكومة الرئيس جباجبو في الوقت الحاضر؛ من أجل إعادةالوحدة الوطنية، ولكنه يطالب في الوقت نفسه باجراء انتخابات رئاسية في المستقبل.
وتجدر الإشارة إلى معاناة المسلمين كانت كبيرة من أحداث العنف التي وقعت بين الشرطة وانصار الرئيس جباجبو خلال القلاقل التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي أجبرت الجنرال روبرت جي - الحاكم العسكري السابق - على الفرار منساحل العاج. وكانت المواجهات التي أعقبت تلك الانتخابات قد تحولت إلى ما يشبه الحرب الدينية بين انصار كل من الزعيم الاشتراكي (لوران جباجبو) الممثل لجنوب وغرب البلادذات الأغلبية المسيحية، والذي نصب نفسه رئيسا للبلاد مدعوماً بالجيش، ورئيس الوزراءالاسبق (الحسن وطارا) مرشح تجمع الجمهوريين الممثل لشمال البلاد ذات الأغلبية المسلمة، عندما طالب (وطارا) بإعادة الانتخابات من جديد استناداً إلى أن نتائج الانتخابات الأخيرة لا يمكن اعتمادها؛ لأنها جاءت في إطار حكم عسكري، محذراً من أن انصاره في تجمع الجمهوريين لن يقبلوا بجباجبو رئيساً للبلاد. وإثر ذلك دارت مواجهات عنيفة في شوارع العاصمة ابيدجان بين انصار كل من لوران جباجبو والحسن وطارا، اسفر عنها احراق بعض المساجد والكنائس، كما قتل في هذه المواجهات مئات الأشخاص وجرح الآلاف في العاصمة العاجية ابيدجان، معظمهم من المسلمين، لدرجة انه تم الكشف عن مقبرة جماعية تضم اكثر من 60 من المسلمين قيل أن قوات الشرطة العسكرية هي المسؤولة عنها.
بين مسؤولية الجهات الخارجية وتأثير التقسيمات العرقية
المسلمون في ساحل العاج يتعرضون لابتزاز و اعتداء طال أموالهم و أعراضهم و دمائهم، بتشجيع ظاهر من الدوائر الحكومية و الأمنية في العاصمة الاقتصادية أبيجان. و باستثناءحكومات الدول المعنية بوضع مواطنيها المقيمين في ساحل العاج ( خاصة بوركينا فاسو وغانا و مالي) التي رفعت صوتها لتحتج ضد نظام الرئيس غباغبو، لم يصدر أي موقف من بلدان إسلامية و عربية معروفة بنفوذها في إفريقيا مثل دول المغرب العربي. و يذكر أن المسلمين في ساحل العاج ينقسمون إلى عدد من المجموعات العرقية أبرزها "ديولا" بالإضافة إلى "الأجانب" من بوركينا فاسو الذين يشتغلون في مزارع الككاو منذ عدة عقود و قد حصل معظمهم على الجنسية العاجية. أما المسيحيون الذين تنقسم ولاءاتهم السياسية و العرقية فيتمركزون في الجنوب و الغرب و يسيطرون على المراكز السياسية والاقتصادية في الجنوب حيث تقع العاصمة الاقتصادية أبيجان.
و كعادتها لم تكتف فرنسا بإجلاء رعاياها بل أكدت تأييدها لنظام غباغبو الذي يمثل رأس الفتنة بإطلاق حملة التحريض ضد "الأجانب" ضاربا على وتر الوطنية "الإيفوارية" الحساس. و بالإضافة إلى الدعم الفرنسي اللوجستي أرسلت نيجيريا ثلاث طائرات حربية قبل أن تتراجع احتجاجا على ما اعتبرته تصلبا من النظام و رفضه وقف إطلاق النار، كما أرسلت أنغولا مدرعات وعتاد عسكري دعما لموقف النظام في مواجهة انتفاضة الشمال.
إن ادعاءات النظام عن طبيعة الأحداث تخفي وراءها صراع ديني-عرقي بين الجنوب المسيحي و الشمال المسلم الذي يعد معقل حزب وطارا المعارض. و يفسر ذلك نجاح "المحتجين المسلحين" في الاستيلاء على مدينة بواكي في الشمال و هي ثاني مدينة بعد العاصمة الإدارية أبيجان، بينما لا تزال عدة مدن شمالية أخرى تحت سيطرة "المحتجين المسلحين" و لجأت الحكومة العاجية كما في السابق إلى التلويح بالمؤامرة الخارجية حيث دعا الرئيس غباغبو عبر خطاب متلفز إلى"تطهير البلاد من الأحياء المهترئة" و التي تعني بالنسبة للعاجيين مناطق المقيمين المسلمين القادمين من بوركينا فاسو خاصة و المقدر عددهم بنحو ثلاثة ملايين شخص. وقد سارعت القوات النظامية إلى إحراق ممتلكات الأجانب بعيدا عن أعين وسائل الإعلام الأجنبية حيث تم إسكات إذاعتي فرنسا الدولية و البي بي سي بعد بداية الأحداث.
الكاكاو وعلاقته بالأزمة السياسية والاضطرابات
في الستينيات كان الفرنسيون ورجال السياسة وعلومها في الغرب يقدمون ساحل العاج نموذجاً للاستقرار في عالم الجنوب. كانوا يقولون هذا النظام ليبرالي يؤمن بالاقتصاد الحر،وهو مختلف بل ربما كان الوحيد في كل إفريقيا الذي رفض كل شعارات الاشتراكية الإفريقية وكل ما أبدعه نكروما وسنجور وسيكوتوري وجوليوس نيريري وغيرهم من فلسفات وأفكار حول الشخصية الإفريقية والقومية الإفريقية. وصف الفرنسيون هوفويه بوانييه رئيس هذه الدولة التي استقلت عن فرنسا في أوائل الستينيات وكان في الوقت نفسه نائباً في الجمعية الوطنية الفرنسية، باعتباره فرنسي الجنسية، بأنه أكثر زعماء إفريقيا تحضراً وعلمانية وهي الأوصاف التي كانت تثير حفيظة الرئيس الراحل بورقيبة رئيس تونس، الذي كان يعتبر نفسه الزعيم العقلاني الوحيد في العالم النامي وأول المستغربين.
كان هوفويه بوانييه رجلا قصير القامة بالغ الذكاء استطاع بفضل وجود قوات فرنسية في بلده منذ الاستقلال وبقيت هناك بعد رحيله وحتى هذه ، استطاع أن يقسم الشعب وعمله في ساحل العاج إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول في الشمال وهؤلاء فلاحون وجعل مهمتهم زراعة الكاكاو، وهو المحصول الأساسي الذي جعلها واحدة من أغنى الدول حديثة الاستقلال في غرب إفريقيا. كل هؤلاء - أي الفلاحون - هم من المسلمين. وتنتهي كما تبدأ علاقاتهم بالسلطة عندما ينزلون إلى عواصم المقاطعات التي يعيشون فيها أوإلى أبيدجان العاصمة الكبرى لساحل العاج يحملون أكياس الكاكاو على ظهورهم ويبيعونها ويقبضون ثمنها ويعودون إلى أراضيهم. لا يشاركون في السلطة. لا ينتخبون وقد لايعرفون في أغلب الحالات من هو رئيس هذه الدولة الذي حل محل الحاكم الفرنسي.
النوع الثاني في جنوب الدولة، وهؤلاء كانوا من الوثنيين الذين لايؤمنون بأي ديانة، أو يعبدون الأشجار وقبور جدودهم مع وجود قليل من المسيحيين الذين انتسب إليهم رئيس الدولة. وقد اختار الرئيس لنظامه بعضا من هؤلاء الناس فجعلهم وزراء ورؤساء مصارف وتجارا للكاكاو أي هم الذين يشترون الكاكاو من الفلاحين، وأقام الرئيس بوانييه نظامه مستندا على القوات الفرنسية التي تضمن له الأمن الداخلي والأمن الخارجي وتقوم بمهمة الفصل بين سكان الشمال وسكان الجنوب. لذلك عاش الرئيس بنظامه سالما ومستقرا وصارت بلاده نموذجا للرفاهية والاستقرار والرخاء والسلام في قارة كانت تغلي بالنزاعات والانقلابات العسكرية.
ما يحدث هذه الأيام في ساحل العاج لا يختلف كثيراً عن بقية القارة وإن اختلف كثيراً جداً عن ساحل العاج حين كان يحكمها الزعيم الراحل هوفويه بوانييه. فقد تحرك في ساحل العاج الناس الذين حرموا طويلاً من المشاركة السياسية وتحرك معهم هؤلاء الذين حرموا كثيراً وطويلاً من عائد الثروة الوطنية. وهي تحركات لا تختلف عن الحادث في معظم دول إفريقيا، وفي الوقت نفسه كانت تتحرك قوى من خارج القارة وعصابات عابرة للحدود لنهب ما تبقى تحت الأرض وفوق الأرض في إفريقيا من ثروات، وكانت تمتد وراء هذه العصابات الدولية خيوط تصل إلى سراديب ومكاتب بعض وزارات الخارجية والمخابرات في أوروبا الغربية. الموضوع الرئيس في إفريقيا الآن هو سرقة أحجار الماس وخامات النحاس والكوبالت واليورانيوم و تهريبها وإشعال حروب أهلية بسببها في ليبريا في سراليون وفي الكونغو وفي رواندا و في بوروندي وفي أنجولا وفي ناميبيا، والآن في ساحل العاج.
ليست مصادفة، ولايمكن أن تجتمع كل هذه الحروب الأهلية بسبب الماس والكاكاو والنحاس والكوبالت و الأخشاب ولا تكون وراءها أو على الأقل مشتركة فيها دول أوروبية كانت لها ذات يوم مصالح في كل هذه الكنوز الإفريقية. الزمن تغير ، وربما لم تعد هذه الدول قادرة على أن ترسل بقواتها إلى إفريقيا مرة أخرى لتسرق الماس وتنهب النحاس وتسلب أكياس الكاكاو كما فعلت في ظل الاستعمار، ولكنها تستطيع عن طريق مافيا وعصابات إقليمية وقوات عسكرية مرتزقة أو قوات نظامية تنزع شعاراتها الرسمية وتدخل القارة كمرتزقة، و عن طريق عدد من الضباط والجيوش المحلية وعن طريق شحنات سلاح لا تنتجها غير هذه الدول الغربية، أن تشعل نيران هذه الحروب، حتى تحصل تلك الأطراف الدولية وعصاباتها وجيوشها المرتزقة على كنوز إفريقيا بثمن أرخص كثيراً مما كانت تحصل عليه عندما كانت جيوشها المنظمة المؤلفة من عشرات الألوف من العسكر مقيمة في إفريقيا.
لا أقول إن كل ما يحدث الآن في سيراليون سببه الحرب على الكاكاو والماس أو غيرهما، وليس كل مايحدث في ساحل العاج سببه أنها لم تعد طريقاً مأموناً لمرور الماس المهرب إلى أوروبا، ولكني أقول إن المسلمين في شمال البلاد لم يعودوا يحتملون الظلم الواقع عليهم من النخبة السياسية الآتية من الجنوب، والتي تخصصت في بيع المهربات ونهب الفارق بين السعر الدولي للكاكاو والسعر البسيط جداً الذي يدفعونه إلى منتجي الكاكاو... إنها ثورة الفقراء ضد الأغنياء. المشكلة أن الفقراء هذه المرة وصل إليهم السلاح، فقد تسلحوا مثل غيرهم من فلاحي إفريقيا الذين يجمعون الماس والنحاس ويحاولون توصيله إلى تجار الحروب في ليبريا وغيرها من جماعات في كل أنحاء أمريكا الجنوبية. وأذكر في هذه المناسبة أن الرئيس روزفلت قالها ذات مرة وهو يتحدث إلى مولوتوف عن فكرة تسلح أهل المستعمرات وعن خوف القوى العظمى من نهوض الشعوب النامية،واتفق الاثنان على أن أخطر الأمور أن يتسلح الفقراء. وقال يومها روزفلت "أنا شخصياً أفضل الفقراء بدون سلاح"، أما تشرشل وكان حاضراً فأظن أنه هو الذي قال وقتها "نحن النسور يجب علينا أن نترك الطيور تزقزق أحياناً". وأظنه كان يقصد أنه يمكن للقوى الكبرى أن تزود الفقراء ببعض السلاح ليفرقعوه بين الحين والآخر دون ضرر كبير "علينا نحن النسور".
ما يثير استغراب الكثيرين هذه الأيام هو أن الحرب دائرة في ساحل العاج بين المسلحين المسلمين المحتجين وقوات الحكومة وأن القوات الفرنسية تقف حاجزاً كعادتها بين هذه وتلك، دون أن يسمعوا بعد عن دور الاتحاد الإفريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الإفريقية. سمعنا عن مجموعة دول غرب إفريقيا تحاول أن تتوسط بين الطرفين، الطرف الحكومي والطرف المحتج، ولكننا لم نسمع عن ليبيا أو اتحاد جنود إفريقيا المتزعمتين للاتحاد الإفريقي أنهما يحاولان معاً أو كل منهما بمفرده لحل هذه المشكلة ليكون السلام في ساحل العاج الثمرة الأولى لاتحاد إفريقي لم يثبت حتى الآن فاعليته أو جدواه.
...منقول...
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/e/eb/LocationCotedIvoire.svg/800px-LocationCotedIvoire.svg.png (http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/e/eb/LocationCotedIvoire.svg)
الأحداث الدائرة في ساحل العاج ترجع أهميتها إلى وجود طرف إسلامي وصفته وسائل الإعلام العالمية ، بل – وللأسف كثير من وسائل الإعلام العربية والإسلامية – بالمتمردين . في سطور هذا الملف نحاول الوصول إلى الحقيقة ومعرفة السبب الحقيقي لحالة الاحتقان التي أصابت المسلمين في ساحل العاج واضطرتهم لإعلان العصيان المسلح والخروج على الحكومة وعلى الرئيس الذي يقولون إن انتخابه غير شرعي . وسوف يتناول الملف تفاصيل القضية من خلال المحاور الآتية :
* مقدمة تاريخية .
* بداية الاضطرابات واضطهاد المسلمين .
* الرئيس جباجبو لم يحم المسلمين .
* بين مسؤولية الجهات الخارجية وتأثير التقسيمات العرقية .
* الكاكاووعلاقته بالأزمة السياسية والاضطرابات .
مقدمة تاريخية
على شاطىء افريقيا الغربي المطل على المحيط الاطلسي تقع جمهورية ساحل العاج بين كل من غانا شرقاً وفولتا العليا ومالي شمالاً وغينياً وليبيريا غرباً والمحيط الاطلسي جنوباً.
يبلغ عدد سكان ساحل العاج 16 نسمة، طبقاً لتقديرات يوليه 2001 ، ويشكل المسلمون نحو 60%، والنصارى نحو 22%، ويشكل أصحاب المعتقدات الإفريقية المحلية نحو 18%، بعضهم مسجلٌ، كذلك، ضمن أعداد النصارى والمسلمين ، وفي ساحل العاج 70 طائفة عرقية قبلية ،و الفرنسية هي اللغة الرسمية في البلاد. ويوجد نحو 60 لهجة محلية،وتعد الديولا أهمها وأكثرها انتشاراً.
تنقسم ساحل العاج إلى 50 إدارة، وقد استقلت عن فرنسا، في السابع من أغسطس عام 1960.
وقد جرت آخر انتخابات، في 26أكتوبر 2000؛ وانتخب لوران جباجبو رئيسا للجمهورية، وحصل على 59.4% من إجمالي الأصوات؛ وحصل روبرت جي، على 32.7%.
فقبائل ماندي، دولا، سينوفا التي تسكن المنطقة الشمالية من جمهورية ساحل العاج هي قبائل مسلمة. اما قبيلتا أجنى وأشانتى والقبائل الاخرى التي تقطن وسط جنوبي جمهورية ساحل العاج فهي في طور بدائي همجي لاتدين بأي دين. ومع ان لهجات السكان تبلغ ستين لهجة فان اللهجات الاكثر شيوعاً هي الماندي والاجنى اما لغة الدولة الرسمية فهي الفرنسية.
يقول كثير من الرواة ان الاسلام دخل في ساحل العاج عن طريق المجاهد الاسلامي الكبير السيد ساموري توري الذي عرف بفضله وعلمه في خدمة الدعوة الاسلامية. والسيد ساموري توري هو جد احمد سيكوتوري رئيس جمهورية غينيا المجاورة لساحل العاج. هذا ويتعبد المسلمون وفق الشريعة الاسلامية على مذهب الامام مالك كما هو الغالب على غرب افريقيا كلها. كما كان لهجرة افراد بعض القبائل المسلمة من هاتين الدولتين الى ساحل العاج والاقامة فيها وتكوين فروع لها لا تلبث طويلاً حتى تنشر دينها وثقافتها في كل مكان تحل به اثر في انتشارالاسلام.
معلوماتنا عن تاريخ هذه الجمهورية القديم ضئيل جداً. وجل ما نعرفه هوان القسم الشمالي منها كان تحت النفوذ الاسلامي منذ القرون الاولى للهجرة فقد كانت مدينة بتوكي تقع على طريق القوافل من مدينة تمبكتو في جمهورية مالي الى مدينة سوكوتو الاسلامية في نيجيريا.
وفي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلادكان القسم الشمالي من جمهورية ساحل العاج تحت سيطرة، دولة مالي الاسلامية. وفي القرن الثامن عشر للميلاد، كانت هذه المنطقة جزءاً من مملكة ابراهيم سمبيجوالغيني.
وقد بدأ البرتغاليون غزو الاراضي الساحلية على خليج غينيا في القرن الخامس عشر. ولما كانت القبائل التي تقطن على ساحل خليج غينيا تتعاطى تجارة العاج،فقد اطلق الاوروبيون على هذا الساحل (ساحل العاج) وفي اواسط القرن التاسع عشر اصبحت الاجزاء الجنوبية من ساحل العاج تحت الحماية الفرنسية. وكان القسم الشمالي من ساحل العاج جزءاً من مملكة موسى التي اعتنق ملكها الاسلام في منتصف القرن التاسع عشر وتسمى بـ (أبي بكر) ولم يدخل تحت السلطة الفرنسية الاّ في عام 1898م عندما هزم الفرنسيون القائد المسلم المشهور في غرب افريقيا (امام المامي ساموريالغيني).
ثم أصبح ساحل العاج مستعمرة فرنسية ثم انتخب اول مجلس له في 1947. وفي عام 1967 منح استقلالاً ذاتياً وتشكلت أول حكومة بموجبه.
وفي عام 1958 اعلنت جمهورية ساحل العاج وفي 1960 اصبحت جمهورية ساحل العاج عضواً في هيئة الامم المتحدة. وكذلك في 1960 وضع دستور جديد لهذه الجمهورية اعلنت فيه حرية الاديان وان الدولة بموجبه ليست لها صبغة دينية.
بداية الاضطرابات واضطهاد المسلمين
ولكن منذ عشر سنوات بدأت هذه البلاد تمر بأزمات سياسية وعرقية واقتصادية وصلت إلى ذروتهافي 19 سبتمبر الماضي، عندما جرت محاولة انقلاب عسكري فاشل، وتبعتها حركة احتجاج مسلحة منظمة.
وكان من نتيجة هذه الأحداث قتل كثير من المسلمين، مثلما حدث في دوالا عاصمة الكاكاو، حيث قتلت كتيبة لمكافحة الشغب قادمة من العاصمة أبيدجان، قتلت معلم في مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم من مالي وسبعة من طلابه ومسلمين آخرين.
وفي هجوم آخر لنفس الكتيبة في حي للمهاجرين المسلمين قتلت 19 مسلما. وقد تجمع المسلمون في المساجد من شدة الرعب.
ويشعر المسلمون في ساحل العاج بالحزن لما وصلت إليه حال البلاد من ظلم وعدوان على المسلمين.
ويقولون إنهم اليوم يأسفون للاوضاع المحزنة للحياة في هذه البلاد، حيث يستمر الاعتداء على المسلمين والتشكيك فيهم، من قبل قوات الأمن، رغم كل خدماتهم لهذه البلاد.
وقد استمرت مصادرة المساجد و اعتقال قادة المسلمين واختطاف مسلمين، وتوزيع منشورات تتهم المسلمين، ونشر مقالات في الصحف وعلى الانترنيت كلها تزعم أن الأحداث الأخيرة سببها المسلمون.
وكان المسلمون قد تحدثوا واشتكوا منذ زمن طويل من الأوضاع المحزنة التي يعيشونها في مدينة دوالا، حيث يشهد الائمة وكثير من المسلمن أن عناصر من أجهزة الأمن تطارد المسلمين وتعذب بعضهم وقتلت بعضهم. وبعض المسلمين يتحدثون عن حملة تصفية عرقية.
الرئيس جباجبو لم يحم المسلمين
وقداجتمع قادة المسلمين في ساحل العاج بالرئيس لورانت جباجبو فور انتخابه، وذلك لطلب ضمانات بسلامة المسلمين في ظل رئاسته بعد المذابح التي تعرضوا لها أثناء فترة الانتخابات. ويذكر أن الحزب الجمهوري الديمقراطي المعارض بزعامة (الحسن وطارا) الذي تتألف اغلبيته من المسلمين قبل بحكومة الرئيس جباجبو في الوقت الحاضر؛ من أجل إعادةالوحدة الوطنية، ولكنه يطالب في الوقت نفسه باجراء انتخابات رئاسية في المستقبل.
وتجدر الإشارة إلى معاناة المسلمين كانت كبيرة من أحداث العنف التي وقعت بين الشرطة وانصار الرئيس جباجبو خلال القلاقل التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي أجبرت الجنرال روبرت جي - الحاكم العسكري السابق - على الفرار منساحل العاج. وكانت المواجهات التي أعقبت تلك الانتخابات قد تحولت إلى ما يشبه الحرب الدينية بين انصار كل من الزعيم الاشتراكي (لوران جباجبو) الممثل لجنوب وغرب البلادذات الأغلبية المسيحية، والذي نصب نفسه رئيسا للبلاد مدعوماً بالجيش، ورئيس الوزراءالاسبق (الحسن وطارا) مرشح تجمع الجمهوريين الممثل لشمال البلاد ذات الأغلبية المسلمة، عندما طالب (وطارا) بإعادة الانتخابات من جديد استناداً إلى أن نتائج الانتخابات الأخيرة لا يمكن اعتمادها؛ لأنها جاءت في إطار حكم عسكري، محذراً من أن انصاره في تجمع الجمهوريين لن يقبلوا بجباجبو رئيساً للبلاد. وإثر ذلك دارت مواجهات عنيفة في شوارع العاصمة ابيدجان بين انصار كل من لوران جباجبو والحسن وطارا، اسفر عنها احراق بعض المساجد والكنائس، كما قتل في هذه المواجهات مئات الأشخاص وجرح الآلاف في العاصمة العاجية ابيدجان، معظمهم من المسلمين، لدرجة انه تم الكشف عن مقبرة جماعية تضم اكثر من 60 من المسلمين قيل أن قوات الشرطة العسكرية هي المسؤولة عنها.
بين مسؤولية الجهات الخارجية وتأثير التقسيمات العرقية
المسلمون في ساحل العاج يتعرضون لابتزاز و اعتداء طال أموالهم و أعراضهم و دمائهم، بتشجيع ظاهر من الدوائر الحكومية و الأمنية في العاصمة الاقتصادية أبيجان. و باستثناءحكومات الدول المعنية بوضع مواطنيها المقيمين في ساحل العاج ( خاصة بوركينا فاسو وغانا و مالي) التي رفعت صوتها لتحتج ضد نظام الرئيس غباغبو، لم يصدر أي موقف من بلدان إسلامية و عربية معروفة بنفوذها في إفريقيا مثل دول المغرب العربي. و يذكر أن المسلمين في ساحل العاج ينقسمون إلى عدد من المجموعات العرقية أبرزها "ديولا" بالإضافة إلى "الأجانب" من بوركينا فاسو الذين يشتغلون في مزارع الككاو منذ عدة عقود و قد حصل معظمهم على الجنسية العاجية. أما المسيحيون الذين تنقسم ولاءاتهم السياسية و العرقية فيتمركزون في الجنوب و الغرب و يسيطرون على المراكز السياسية والاقتصادية في الجنوب حيث تقع العاصمة الاقتصادية أبيجان.
و كعادتها لم تكتف فرنسا بإجلاء رعاياها بل أكدت تأييدها لنظام غباغبو الذي يمثل رأس الفتنة بإطلاق حملة التحريض ضد "الأجانب" ضاربا على وتر الوطنية "الإيفوارية" الحساس. و بالإضافة إلى الدعم الفرنسي اللوجستي أرسلت نيجيريا ثلاث طائرات حربية قبل أن تتراجع احتجاجا على ما اعتبرته تصلبا من النظام و رفضه وقف إطلاق النار، كما أرسلت أنغولا مدرعات وعتاد عسكري دعما لموقف النظام في مواجهة انتفاضة الشمال.
إن ادعاءات النظام عن طبيعة الأحداث تخفي وراءها صراع ديني-عرقي بين الجنوب المسيحي و الشمال المسلم الذي يعد معقل حزب وطارا المعارض. و يفسر ذلك نجاح "المحتجين المسلحين" في الاستيلاء على مدينة بواكي في الشمال و هي ثاني مدينة بعد العاصمة الإدارية أبيجان، بينما لا تزال عدة مدن شمالية أخرى تحت سيطرة "المحتجين المسلحين" و لجأت الحكومة العاجية كما في السابق إلى التلويح بالمؤامرة الخارجية حيث دعا الرئيس غباغبو عبر خطاب متلفز إلى"تطهير البلاد من الأحياء المهترئة" و التي تعني بالنسبة للعاجيين مناطق المقيمين المسلمين القادمين من بوركينا فاسو خاصة و المقدر عددهم بنحو ثلاثة ملايين شخص. وقد سارعت القوات النظامية إلى إحراق ممتلكات الأجانب بعيدا عن أعين وسائل الإعلام الأجنبية حيث تم إسكات إذاعتي فرنسا الدولية و البي بي سي بعد بداية الأحداث.
الكاكاو وعلاقته بالأزمة السياسية والاضطرابات
في الستينيات كان الفرنسيون ورجال السياسة وعلومها في الغرب يقدمون ساحل العاج نموذجاً للاستقرار في عالم الجنوب. كانوا يقولون هذا النظام ليبرالي يؤمن بالاقتصاد الحر،وهو مختلف بل ربما كان الوحيد في كل إفريقيا الذي رفض كل شعارات الاشتراكية الإفريقية وكل ما أبدعه نكروما وسنجور وسيكوتوري وجوليوس نيريري وغيرهم من فلسفات وأفكار حول الشخصية الإفريقية والقومية الإفريقية. وصف الفرنسيون هوفويه بوانييه رئيس هذه الدولة التي استقلت عن فرنسا في أوائل الستينيات وكان في الوقت نفسه نائباً في الجمعية الوطنية الفرنسية، باعتباره فرنسي الجنسية، بأنه أكثر زعماء إفريقيا تحضراً وعلمانية وهي الأوصاف التي كانت تثير حفيظة الرئيس الراحل بورقيبة رئيس تونس، الذي كان يعتبر نفسه الزعيم العقلاني الوحيد في العالم النامي وأول المستغربين.
كان هوفويه بوانييه رجلا قصير القامة بالغ الذكاء استطاع بفضل وجود قوات فرنسية في بلده منذ الاستقلال وبقيت هناك بعد رحيله وحتى هذه ، استطاع أن يقسم الشعب وعمله في ساحل العاج إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول في الشمال وهؤلاء فلاحون وجعل مهمتهم زراعة الكاكاو، وهو المحصول الأساسي الذي جعلها واحدة من أغنى الدول حديثة الاستقلال في غرب إفريقيا. كل هؤلاء - أي الفلاحون - هم من المسلمين. وتنتهي كما تبدأ علاقاتهم بالسلطة عندما ينزلون إلى عواصم المقاطعات التي يعيشون فيها أوإلى أبيدجان العاصمة الكبرى لساحل العاج يحملون أكياس الكاكاو على ظهورهم ويبيعونها ويقبضون ثمنها ويعودون إلى أراضيهم. لا يشاركون في السلطة. لا ينتخبون وقد لايعرفون في أغلب الحالات من هو رئيس هذه الدولة الذي حل محل الحاكم الفرنسي.
النوع الثاني في جنوب الدولة، وهؤلاء كانوا من الوثنيين الذين لايؤمنون بأي ديانة، أو يعبدون الأشجار وقبور جدودهم مع وجود قليل من المسيحيين الذين انتسب إليهم رئيس الدولة. وقد اختار الرئيس لنظامه بعضا من هؤلاء الناس فجعلهم وزراء ورؤساء مصارف وتجارا للكاكاو أي هم الذين يشترون الكاكاو من الفلاحين، وأقام الرئيس بوانييه نظامه مستندا على القوات الفرنسية التي تضمن له الأمن الداخلي والأمن الخارجي وتقوم بمهمة الفصل بين سكان الشمال وسكان الجنوب. لذلك عاش الرئيس بنظامه سالما ومستقرا وصارت بلاده نموذجا للرفاهية والاستقرار والرخاء والسلام في قارة كانت تغلي بالنزاعات والانقلابات العسكرية.
ما يحدث هذه الأيام في ساحل العاج لا يختلف كثيراً عن بقية القارة وإن اختلف كثيراً جداً عن ساحل العاج حين كان يحكمها الزعيم الراحل هوفويه بوانييه. فقد تحرك في ساحل العاج الناس الذين حرموا طويلاً من المشاركة السياسية وتحرك معهم هؤلاء الذين حرموا كثيراً وطويلاً من عائد الثروة الوطنية. وهي تحركات لا تختلف عن الحادث في معظم دول إفريقيا، وفي الوقت نفسه كانت تتحرك قوى من خارج القارة وعصابات عابرة للحدود لنهب ما تبقى تحت الأرض وفوق الأرض في إفريقيا من ثروات، وكانت تمتد وراء هذه العصابات الدولية خيوط تصل إلى سراديب ومكاتب بعض وزارات الخارجية والمخابرات في أوروبا الغربية. الموضوع الرئيس في إفريقيا الآن هو سرقة أحجار الماس وخامات النحاس والكوبالت واليورانيوم و تهريبها وإشعال حروب أهلية بسببها في ليبريا في سراليون وفي الكونغو وفي رواندا و في بوروندي وفي أنجولا وفي ناميبيا، والآن في ساحل العاج.
ليست مصادفة، ولايمكن أن تجتمع كل هذه الحروب الأهلية بسبب الماس والكاكاو والنحاس والكوبالت و الأخشاب ولا تكون وراءها أو على الأقل مشتركة فيها دول أوروبية كانت لها ذات يوم مصالح في كل هذه الكنوز الإفريقية. الزمن تغير ، وربما لم تعد هذه الدول قادرة على أن ترسل بقواتها إلى إفريقيا مرة أخرى لتسرق الماس وتنهب النحاس وتسلب أكياس الكاكاو كما فعلت في ظل الاستعمار، ولكنها تستطيع عن طريق مافيا وعصابات إقليمية وقوات عسكرية مرتزقة أو قوات نظامية تنزع شعاراتها الرسمية وتدخل القارة كمرتزقة، و عن طريق عدد من الضباط والجيوش المحلية وعن طريق شحنات سلاح لا تنتجها غير هذه الدول الغربية، أن تشعل نيران هذه الحروب، حتى تحصل تلك الأطراف الدولية وعصاباتها وجيوشها المرتزقة على كنوز إفريقيا بثمن أرخص كثيراً مما كانت تحصل عليه عندما كانت جيوشها المنظمة المؤلفة من عشرات الألوف من العسكر مقيمة في إفريقيا.
لا أقول إن كل ما يحدث الآن في سيراليون سببه الحرب على الكاكاو والماس أو غيرهما، وليس كل مايحدث في ساحل العاج سببه أنها لم تعد طريقاً مأموناً لمرور الماس المهرب إلى أوروبا، ولكني أقول إن المسلمين في شمال البلاد لم يعودوا يحتملون الظلم الواقع عليهم من النخبة السياسية الآتية من الجنوب، والتي تخصصت في بيع المهربات ونهب الفارق بين السعر الدولي للكاكاو والسعر البسيط جداً الذي يدفعونه إلى منتجي الكاكاو... إنها ثورة الفقراء ضد الأغنياء. المشكلة أن الفقراء هذه المرة وصل إليهم السلاح، فقد تسلحوا مثل غيرهم من فلاحي إفريقيا الذين يجمعون الماس والنحاس ويحاولون توصيله إلى تجار الحروب في ليبريا وغيرها من جماعات في كل أنحاء أمريكا الجنوبية. وأذكر في هذه المناسبة أن الرئيس روزفلت قالها ذات مرة وهو يتحدث إلى مولوتوف عن فكرة تسلح أهل المستعمرات وعن خوف القوى العظمى من نهوض الشعوب النامية،واتفق الاثنان على أن أخطر الأمور أن يتسلح الفقراء. وقال يومها روزفلت "أنا شخصياً أفضل الفقراء بدون سلاح"، أما تشرشل وكان حاضراً فأظن أنه هو الذي قال وقتها "نحن النسور يجب علينا أن نترك الطيور تزقزق أحياناً". وأظنه كان يقصد أنه يمكن للقوى الكبرى أن تزود الفقراء ببعض السلاح ليفرقعوه بين الحين والآخر دون ضرر كبير "علينا نحن النسور".
ما يثير استغراب الكثيرين هذه الأيام هو أن الحرب دائرة في ساحل العاج بين المسلحين المسلمين المحتجين وقوات الحكومة وأن القوات الفرنسية تقف حاجزاً كعادتها بين هذه وتلك، دون أن يسمعوا بعد عن دور الاتحاد الإفريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الإفريقية. سمعنا عن مجموعة دول غرب إفريقيا تحاول أن تتوسط بين الطرفين، الطرف الحكومي والطرف المحتج، ولكننا لم نسمع عن ليبيا أو اتحاد جنود إفريقيا المتزعمتين للاتحاد الإفريقي أنهما يحاولان معاً أو كل منهما بمفرده لحل هذه المشكلة ليكون السلام في ساحل العاج الثمرة الأولى لاتحاد إفريقي لم يثبت حتى الآن فاعليته أو جدواه.
...منقول...