المساعد الشخصي الرقمي

اعرض النسخة الكاملة : فتبارك الله أحسن الخالقين


تلميذ الشيخين
09-10-2005, 02:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

كانت الآية الرابعة عشر من سورة الأنعام مثار جدال وما أثار الجدال ليست الآية ولكن قطعة من الآية نزعت من الآية بنيران صديقة والجزء المنزوع من الآية هو قوله تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين)
فقام شيخ جليل فحاول نفيها لكن الشيخ حفظه الله استخدم مصطلحاتهم التي مضمونها
إن الله قال
تبارك الله أحسن الخالقين
ومدار الشبهة أن مع الله خالقين ولكنه أحسنهم
فصال الشيخ وجال فيما لا يشفي غليل غيور ولا يريح قلب متشكك ولا يقطع لسان حقود حسود متغطرس

وصرف التفسير لمجازات

وقال أن هذا من الله كنوع من افتراض المحال والحقيقة أن هذا لم يكن ولن يكون أسلوب الله فالله يأنف من أن يمرر الشرك في رؤوس الخلق ولو تمريرا ويأنف أن تستهلك فردانيته ولو على سبيل الاستدراج والمجاز

والحقيقة هي أن مدار الخطأ على هذه المحاور

أولا: نزع جزء من الآية وهذا هو أس كل خطأ
ثانيا: إخراج النص من السياق فذلك كفصل اليد عن الجسد
ثالثا: عدم تجزأت النص لمفرداته وتقصي حقيقة كل مصطلح
رابعا: عدم الاستعانة بالآيات المشابهة
خامسا: عدم المقارنة بين سياق الآيات التي ورد بها كل مصطلح من مكونات النص والتدبر في علة الاختلاف والتشابه

هذا ما علمني شيخي الحي بين ضلوعي ابن القيم

وبتطبيق هذه المبادئ على النص نجد الآتي

أولا: مكونات النص

كلمتين (أحسن) و (الخالقين)

الخالقين من فعل (خلق)

وبالبحث في كل مشتقات كلمة خلق والآيات التي وردت بها كلمة خلق وجميع مشتقاتها

نتبين ما يلي

كلمة خلق تأتي بمعنى

شكل وصنع

وهناك معنيان للخلق

الخلق من عدم وهذا حكرا على الله سبحانه

والخلق من خلق بمعنى التشكيل والتصوير والتحوير والتحويل

وهو ما يعادل معنى التسوية وهي الخلق من خلق

وبتقصي النصوص الواردة في هذه المعاني يتبين ما يلي

أن النص المنزوع (فتبارك الله أحسن الخالقين) كان في سياق آية تتكلم عن التشكيل والتصوير وليس سياق إيجاد من عدم محض

وعليه فالله أحسن من شكل وصور وهيئ وكون وأوجد من موجود

وهناك خالقين غير الله يصورون ويشكلون ويهيئون
ومن هؤلاء الخالقين (المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام)

(وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 49)

وهناك حديث معناه أن المصورين والنحاتين يقال لهم يوم القيامة أحيوا ما خلقتم

إذا فهم خالقون

ومن هنا وبكل بساطة ودون لف ودوران وحوسة فليس هناك غصاصة ولا مضاضة من أن يكون الله أحسن الخالقين في إحكام تخليقه وتشكيله وبراعة تحويله فهو ولله المثل الأعلى كما يقال (عمل من الفسيخ شربات)

خلق بشر في أحسن صورة وأكمل هيئة من ماء مهين

هذا بالنسبة لكلمة الخلق وكلمة خالق

لكن لو أتينا لمعنى كلمة أحسن فحدث ولن توافيها

أحسن حيث كان التحول تحول رهيب من ماء مهين إلى آدميين
أحسن حيث أحكم الخلق فلو درستم علم الأجنة لسبحتم الله مع كل كلمة تقرءوها
أحسن حيث خلق من خلق هو خلقه منتهى أصله إلى العدم
يعني النطفة مخلوقة من مخلوق والمخلوق من طين والطين من الأرض والأرض من الدخان والدخان من جرم والجرم من عدم
أحسن حيث خلق وصور خلقا من خلقا
ثم إنه قد خلق على غير مثال سبق
والباقي يقلدوا خلقه وصنعته
ولندخل للآية بالبعد الثالث والله من وراء القصد

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)(المؤمنون 12 :14)

يتحدث الله في سياق كامل مجملا مفصلا فلم يلقى النص المنزوع على لسان الرسول منفصلا جزافا بل كان من داخل منظومة رائعة تحكي عظمة الخالق سبحانه

بدأ سبحانه بالأساس الخلق والتخليق والتسوية والإيجاد من طين ثم ذكر القرار المكين مصنع البشر وهو الرحم ثم مراحل التصنيع داخل الرحم فكانت النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم اللحم
وأنتبه للروعة والجمال في قوله
أنشأناه خلقا آخر
كلمة مجملة تحمل كل المعاني
أي خلقا جديد غير الأصل فالأصل ماء مهين
والنتيجة إنسان قويم
وتعني خلقا ومخلوقا غير أبوه وأمه
ولذلك كان حقا أن يسبح نفسه ويعظمها قائلا
فتبارك الله
ولأن المقام مقام تسوية وتخليق قال أحسن الخالقين

ومن هنا فليس تفسير الآية كما فسرها الشيخ الجليل إطلاقا

فالنص المنزوع ذاته وافق مقولة الفاروق عمر
لقد نطق بها الفاروق وقد غاب بعقله عن التشكيك ومقام التشكيك الذي يتحدث عنه الشيخ
فلم يكن في بال الفاروق أقوال مشككين

لقد قاله عمر تسبيحا دون وعي لما ذاب في جمال وروعة الآية قالها من فهمه لمعناها

ومعنى الخلق والخالقين

هو قالها يقصد بها تبارك الله في تصويره وتشكيله فهو أحسن المصورين والمشكلين فهو أحسن ممن يخلق صنما من حجرا ومن يخلق صورة من خطوط وألوان

ثم أن وجود خالقين بمعنى المصورين لا يقدح في أن الله خالق كل شيء فهو خالق ما يخلقون
فكما تحدثنا عن فعل العبد وفعل الرب في مقالة القضاء والقدر وقلنا أن الله خالق فعل العبد من كل جوانبه منفصلة وبمجموع أجزاء الفعل

فإن الخالق (المشكل والمصور) ومخلوقه مخلوقات لله تعالى

فصانع التمثال مخلوق والحجر مخلوق وقوة التشكيل مخلوقة وأدوات التشكيل مخلوقة والموهبة مخلوقة وهكذا

ومن هنا يقال للمصورين والنحاتين احيوا ما خلقتم
تعجيزا لهم وتعريفا لهم بقدرهم ومكانتهم وبإحاطة الله بكل شيء

فليس هناك خالق غير الله خالق من عدم وليس هناك مخلوق منسوبا لغير الله
وهذا ما دل الله عليه في قوله

(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام:102)
(اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر:62)

(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (غافر:62)

وحين تأتي كلمة خالق أو خلق بمعنى الخلق المطلق تقرن بلفظ الجلالة (الرب) لأنها الركن الأساسية في توحيد الربوبية

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر 38 :29)

هنا قرن سبحانه وتعالى بين التخليق وبين التسوية

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر:3)


(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (صّ:72)

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:29)

فالخلاصة أن هناك خلق مطلق وهو خلق كل شيء في الكون وهي كلمة لا تجوز إلا لله وهناك كلمة خلق اصطلاحية لها معنى لغوي وهي التشكيل والتصوير والتحوير والتحويل

فكلمة خلق بالمعنى الشرعي تعني الخلق المطلق والمخلوقات
أما كلمة خلق لغويا فتعني التصوير والتحوير والتشكيل والتحويل

فالله الخالق وخالق كل شيء وليس هناك شيء غيره إلا مخلوقا له سبحانه
لكن هناك من يخلق من خلقه بمعني يشكل ويحور ويصور ويحول

ومن هنا كان هو الخالق الوحيد في الإيجاد

وكان أحسن من يصور ويشكل ويهيئ ويحول ويحور

لقد أخرج هذا المقال من عقلي غضبة لله في قلبي
فخرجت عفوا وارتجالا ولم أصبر على نشرها
فما كان بها من عيب ونقص فمني ومن الشيطان وما كان بها من كمال وجمال فممن اهدى لنا قرآنه وعلمنا ببيانه وشق لنا سمعا وبصرا ورزقنا عقلنا وأنعم علينا بنقلا

ورحم الله امرؤ أهدى إلي عيوبي

كلامي ليس تفاضلا على الشيخ ولا انتقاص له فكل ما في راسي من علم لا يساوي دلوا من بحر علمه لكن اللي حصل

أنه اتخض الشبهة أذهبت بتركيزه فالكلمات شديدة وقوية فعلا
فكلمة خالق كلمة رهيبة ولا يمكن لأي شخص أن يخلع هذا المسمى على غير الله فقد أرتبط بعقل كل الناس أن الخلق والخالق هما لفظان لا يكونان إلا لله

فموقف الشيخ كموقف الفاروق ممن قال

أصبحت أحب الفتنة وأكره الحق وأصلي بغير وضوء ولي في الأرض ما ليس لله

فموقفه لا يقدح في علمه ولكن هو تأكيد ودليل على قوة عقيدته وتوحيده

أما ما أنعم الله به علي مما كتبته فلأنني تعودت ذلك وأكثر من ذلك من شبهات يشيب لها الولدان حتى صار والحمد لله قلبي لا يرتجف من شبهة ثقة في ربي وديني لا ثقة بعلمي الحقير الضئيل والله لقد عشت في الكرب أيام وذاق قلبي الخوف كاسات وألوان وذلك لأن شيخي ميت حي في ضلوعي فانظر حالك وأنت وحيد
كل منكم له شيخه الذي يهب ويفزع إليه ويشعر أن وراءه معين لكن أنا ما كان مني إلا احتضان كتب شيخي والبكاء فلم يكن لي إلا الله ثم الورق
فلي في مجال الكفر والبدع سنين وأصبح لي منهج وطريقة ليست مبتدعة ولكنها من فيض علم شيخي ابن القيم لكن صار لي أدوات

والنص مثار الجدل لم أجد له حل بمجرد النظر

ولكن أنا أحضرت أدواتي وطبقت المنهج والأسلوب فخرجت بهذه النتيجة ووجدت نصوص تساعدني وتؤيد ما أقول فحمدت الله تعالى على ذلك

وأتمنى من وجد عيب أن يوضحه فستر العيوب في الدين تكون بإشهارها

محمد
09-10-2005, 05:14 AM
طرح قمة فى الروعة وأكثر من رائع واسلوب بسيط ومميز
ماشاء الله عليك
جزاك الله خيرا اخي الكريم وبارك بك
وزادك علما
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

أبو مجاهد
09-10-2005, 04:21 PM
جزاك الله خيرا اخي الكريم وبارك بك

تلميذ الشيخين
09-10-2005, 05:18 PM
جزاكما الله خيرا على أنكما طمئنتما قلبي
فوالله لم أهنأ براحة وجلا مما قلته
فأنا لا أثق بعلمي حتى يشهد لي أهل فضلا مثلكم

أبو الفرج
09-12-2005, 02:58 AM
بارك الله فيك أخي الكريم

تلميذ الشيخين
09-12-2005, 06:48 AM
أخي الفاضل وأستاذي الجليل أبو الفرج فينك؟
وأين توجيهاتك وتعقيباتك المفيدة