سفيان الثورى
01-21-2007, 08:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
1 الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
هو فضيلة الشيخ الدكتورصالح بن فوزان بن عبد الله, من آل فوزان من أهل الشماسية, الوداعين من قبيلة الدواسر. *ولد عام 1354 هـ, وتوفي والده وهو صغير, فتربى في أسرته, وتعلم القرآن الكريم, وتعلم مبادىء القراءة والكتابة على يد إمام مسجد البلد, وكان قارئا متقنا وهو فضيلة الشيخ: حمود بن سليمان التلال, الذي تولى القضاء أخيرا في بلدة ضرية في منطقة القصيم.
ثم التحق بمدرسة الحكومة حين افتتاحها في الشماسية عام 1369 هـ, وأكمل دراسته الابتدائية في المدرسة الفيصلية ببريدة عام 1371 هـ, وتعين مدرسا في الابتدائي, ثم التحق بالمعهد العلمي ببريدة عند افتتاحه عام 1373 هـ, وتخرج منه عام 1377 هـ, والتحق بكلية الشريعة بالرياض, وتخرج منها عام 1381 هـ, ثم نال درجة الماجستير في الفقه, ثم درجة الدكتوراه من هذه الكلية في تخصص الفقه أيضا.
بعد تخرجه من كلية الشريعة عين مدرسا في المعهد العلمي في الرياض, ثم نقل للتدريس في كلية الشريعة, ثم نقل للتدريس في الدراسات العليا بكلية أصول الدين, ثم في المعهد العالي للقضاء, ثم عين مديرا للمعهد العالي للقضاء, ثم عاد للتدريس فيه بعد انتهاء مدة الإدارة, ثم نقل عضوا في اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية, ولا يزال على رأس العمل.
فضيلة الشيخ عضو في هيئة كبار العلماء, وعضو في المجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع للرابطة, وعضو في لجنة الإشراف على الدعاة في الحج, إلى جانب عمله عضوا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء, وإمام وخطيب ومدرس في جامع الأمير متعب بن عبد العزيزآل سعود في الملز, ويشارك في الإجابة في برنامج (نور على الدرب) في الإذاعة, كما أن لفضيلته مشاركات منتظمة في المجلات العلمية على هيئة بحوث ودراسات ورسائل وفتاوى, جمع وطبع بعضها, كما أن فضيلته يشرف على الكثير من الرسائل العلمية في درجتي الماجستير والدكتوراه, وتتلمذ على يديه العديد من طلبة العلم الذين يرتادون مجالسه ودروسه العلمية المستمرة.
تتلمذ فضيلة الشيخ على أيدي عدد من العلماء والفقهاء البارزين, ومن أشهرهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز, وسماحة الشيخ عبد الله بن حميد, حيث كان يحضر دروسه في جامع بريدة, وفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي, وفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي, وفضيلة الشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيتي, وفضيلة الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي, وفضيلة الشيخ محمد بن سبيل, وفضيلة الشيخ عبد الله بن صالح الخليفي, وفضيلة الشيخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن, وفضيلة الشيخ حمود بن عقلا, والشيخ صالح العلي الناصر. وتتلمذ على غيرهم من شيوخ الأزهر المنتدبين في الحديث والتفسير واللغة العربية.
لفضيلة الشيخ مؤلفات كثيرة, من أبرزها:
1- (التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية) في المواريث, وهو رسالته في الماجستير, مجلد.
2- (أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية) , وهو رسالته في الدكتوراه ; مجلد.
3- (الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد) مجلد صغير.
4- (شرح العقيدة الواسطية) مجلد صغير.
5- (البيان فيما أخطأ فيه بعض الكتاب) مجلد كبير... و غيرها
علاوة على العديد من الكتب والبحوث والرسائل العلمية, منها ما هو مطبوع, ومنها ما هو في طريقه للطبع.
نسأل الله تعالى أن ينفع به, وأن يجعله في موازين حسنات شيخنا الجليل, إنه سميع مجيب.هم والأموات
2الامام عبدالعزيز بن باز* (1330 - 1420 هجري)
هو عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن باز .. ولد - رحمه الله - بمدينة الرياض في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة العام 1330 هـ في أسرة غلب على الكثير من رجالها طلب العلم والاشتغال له. وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- مبصرا في أول حياته وأصابه المرض في عينيه عام 1336 هـ فضعف بصره إلى أن كف في مستهل شهر محرم العام 1350 هـ. *وفي ظل تربية دينية مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفي رعاية نخبة من أعيان الأسرة نشأ الشيخ عبد العزيز بن باز -غفر الله له- فكان القرآن الكريم هو النور الذي أضاء حياته إذ استهل مشواره مع العلم بحفظ كتاب الله عن ظهر قلب وهو لم يزل صغيرا لم يصل مرحلة البلوغ.
وتلقى - رحمه الله - العلوم الشرعية على علماء الرياض الكبار كالشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ والشيخ سعد بن عتيق والشيخ حمد بن فارس والشيخ سعد بن وقاص البخاري والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمهم الله- واستمر في طلب العلم حتى تبوأ مكانة بارزة بين العلماء.
وعمل رحمه الله قاضيا في الخرج ابتداء من جمادى الآخرة عام 1357 هـ واستمر به حتى نهاية عام 1371 هـ وفي عام 1372 هـ اشتغل بالتدريس في المعهد العلمي بالرياض لمدة سنة واحدة انتقل بعدها عام 1373 هـ لتدريس علوم الفقه والتوحيد والحديث في كلية الشريعة بالرياض ليمضي بها سبع سنوات منذ إنشائها حتى عام 1380 هـ .
وفي عام 1381 هـ عين نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وبقي في هذا المنصب حتى عام 1390 هـ ليتولى في العام نفسه رئاسة الجامعة حتى عام 1395 هـ.
وفي 14/ 10/ 1395 هـ صدر أمر ملكي بتعيين سماحته في منصب الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير.
وفي محرم عام 1414 هـ عين سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء بمرتبة وزير حتى توفي - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-.
توفي الشيخ - رحمه الله - صباح يوم الخميس الموافق 27 محرم 1420 هـ عن عمر يناهز تسعة وثمانين عاما إثر مرض ألم به .. رحم الله شيخنا الجليل و أسكنه فسيح جناته ..
3ا الشيخ* محمد ناصر الدين الألباني* (1333 - 1420 هجري)
هو الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني .. ولد الشيخ -رحمه الله- عام 1333 ه الموافق 1914 م في مدينة أشقودرة عاصمة دولة* ألبانيا - حينئذ - عن أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابق العلمي، فكان والده مرجعاً للناس يعلمهم و يرشدهم.
هاجر صاحب الترجمة بصحبة والده إلى دمشق الشام للأقامة الدائمة فيها بعد أن انحرف أحمد زاغو (ملك ألبانيا) ببلاده *نحو الحضارة الغربية العلمانية.
أتم العلامة الألباني دراسته الإبتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري في دمشق بتفوق. و نظراً لرأي والده الخاص في المدارس النظامية من الناحية الدينية، فقد قرر عدم إكمال الدراسة النظامية ووضع له منهجاً علمياً مركزاً قام من خلاله بتعليمه القرآن الكريم، و التجويد، و النحو و الصرف، و فقه المذهب الحنفي، و قد ختم الألباني على يد والده حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني مراقي الفلاح في الفقه الحنفي و بعض كتب اللغة و البلاغة، هذا في الوقت الذي حرص فيه على حضور دروس و ندوات العلامه بهجة البيطار.
أخذ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادهاحتى صار من أصحاب الشهره فيها، و أخذ يتكسب رزقه منها، وقد وفرت له هذه المهنه وقتاً جيداً للمطالعة و الدراسة، و هيأت له هجرته للشام معرفة باللغة العربية و الاطلاع على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية. *
على الرغم من توجيه والد الألباني المنهجي له بتقليد المذهب الحنفي و تحذيره الشديد من الاشتغال بعلم الحديث، فقد أخذ الألباني بالتوجه نحو علم الحديث و علومه، فتعلم الحديث في نحو العشرين من عمره متأثراً بأبحاث مجلة المنار التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا (رحمه الله) و كان أول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب " المغني عن حمل الأسفار في تخريج* ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي (رحمه الله) مع التعليق عليه.
*كان ذلك العمل فاتحة خير كبير على الشيخ الألباني حيث أصبح الاهتمام بالحديث و علومه شغله الشاغل، فأصبح معروفاً بذلك في الأوساط العلمية بدمشق، حتى إن إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق خصصت غرفة خاصة له ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة، بالإضافة إلى منحه نسخة من مفتاح المكتبة حيث يدخلها وقت ما شاء، أما عن التأليف و التصنيف، فقد ابتدأهما في العقد الثاني من عمره، و كان أول مؤلفاته الفقهية المبنية على معرفة الدليل و الفقه المقارن كتاب " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " و هو مطبوع مراراً، و من أوائل تخاريجه الحديثية المنهجية أيضاً كتاب " الروض النضير في ترتيب و تخريج معجم الطبراني الصغير" و لا يزال مخطوطاً.
*كان لإشتغال الشيخ الألباني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أثره البالغ في التوجه السلفي للشيخ، و قد* زاد تشبثه و ثباته على هذا المنهج مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيميه و تلميذه ابن القيم و غيرهما من أعلام المدرسة السلفية. *
*حمل الشيخ الألباني راية الدعوة إلى التوحيد و السنة في سوريا حيث زار الكثير من مشايخ دمشق و جرت بينه و بينهم مناقشات حول مسائل التوحيد و الإتباع و التعصب المذهبي و البدع، فلقي الشيخ لذلك المعارضة الشديدة من كثير من متعصبي المذاهب و مشايخ الصوفية و الخرافيين و المبتدعة، فكانوا يثيرون عليه العامة و الغوغاء و يشيعون عنه بأنه "وهابي ضال" و يحذرون الناس منه، هذا في الوقت الذي وافقه على دعوته أفاضل العلماء المعروفين بالعلم و الدين في دمشق، و الذين حضوه على الاستمرار قدماً في دعوته و منهم، العلامة بهجت البيطار، الشيخ عبد الفتاح الإمام رئيس جمعية الشبان المسلمين في سوريا، الشيخ توفيق البزرة، و غيرهم من أهل الفضل و الصلاح (رحمهم الله).... لقراءة الترجمة كاملة ....توفي الشيخ رحمه الله قبيل يوم السبت في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة 1420ه، الموافق الثاني من أكتوبر 1999م، و دفن بعد صلاة العشاء
4 الشيخ عبدالعزيز الراجحي
هو عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن الراجحي، من مواليد البكيرية، ولد في حدود عام 1360هـ، وله من العمر الآن قرابة خمسة و ستين عاما، حفظه الله وأمد في عمره ونفع به وبعلمه؛ آمين. نشأ الشيخ في بلدة البكيرية في مدينة القصيم، وتتلمذ على علمائها، وحفظ القرآن ودرس مراحله الأولية فيها. وقد نشأ الشيخ بين أسرة صالحة، ثم رحل إلى مدينة الرياض والتحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بكلية الشريعة، فتخرج منها ثم التحق بكلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة. فدرس فيها ولا يزال الشيخ أستاذاً مشاركاً بالقسم.
تتلمذ الشيخ على علماء البكيرية، وقرأ على الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله تعالى، ولما رجع سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله إلى الرياض قادماً من المدينة لازمه الشيخ فحضر دروسه ومجالسه ولازمه حتى توفاه الله عز وجل.
للشيخ مشاركات علمية وذلك من خلال تأليفه لبعض الكتب وإشرافه على الرسائل العلمية المقدمة لنيل درجة الماجستير والدكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، ومنها الإشراف على تحقيق كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية الموسوم بـ: "بيان تلبيس الجهمية" وسيخرج الكتاب إن شاء الله قريبا. وكذلك إشرافه على تحقيق والتعليق على كتاب ابن القيم الموسوم بـ: "الكافية الشافية".
للشيخ دروس متفرقة على سبع فترات في كل من الأيام التالية:-
الأحد والاثنين فجراً، الأربعاء فجراً، والخميس فجراً.
وقد قُرىء ويقرأ على الشيخ بعض الكتب العلمية والمتون ومنها:-
الصحيحان، وقد قرأ قبل ذلك على الشيخ/ الكتب الأربعة سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وموطأ الإمام مالك، وصحيح ابن خزيمة، وبلوغ المرام، ورياض الصالحين.
وكتاب التوحيد ورسائل الإمام محمد بن عبدالوهاب، ورسائل أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.
وتفسير ابن كثير، وعمدة الفقه، وكتاب التوحيد للدارمي، وللإمام أحمد. والرسالة الحموية، والتدمرية، والعقيدة الواسطية، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومتن الرحبية، والآجرومية، ونخبة الفكر، والورقات، والعقيدة السفارينية، والعقيدة الطحاوية، ولمعة الاعتقاد، وغيرها من الكتب العلمية
5 الشيخ عبدالسلام البرجس* (1387 - 1425 هجري)
هو أبوعبدالرحمن عبدالسلام بن برجس بن ناصر آل عبدالكريم. وأسرة آل عبدالكريم من الأسر المشهورة في حرمة التابعة لمحافظة المجمعة، وهذه الأسرة من المعامرة من بني سعد من بني تميم.
- ولد في الرياض في عام 1387هـ كما هو مثبت في بطاقة الأحوال الشخصية له، ونشأ في رعاية أبويه، وبيتهم بيت ديانة وصلاح، ولقد كان الشيخ من صغره ذكيا حازما مجدا مجتهدا.
حفظ القرآن، وبدأ في طلب العلم، وهو في الثالثة عشرة من عمره، ولاحظ مشايخه عليه علامات النبوغ والتميز فأوْلَوْه مزيد عناية واهتمام.
ولقد تتلمذ الشيخ على يد عدد من علماء هذه البلاد المباركة منهم: الإمام العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ت 1420هـ- رحمه الله- لازمه فترة، وحضر العديد من دروسه خصوصا في بلوغ المرام لابن حجر، وتفسير ابن كثير وغيرها من الكتب.
ومنهم: الشيخ الفقيه الأصولي محمد بن صالح بن عثيمين ت 1421هـ- رحمه الله- وقد رحل اليه الشيخ عبدالسلام ما بين سنتي 1401 - 1403هـ في فترة إجازات المدارس النظامية، كما لازمه حينما بدأ الشيخ محمد دروسه في المسجد الحرام بمكة سنة 1402هـ، وكان يسكن معه قبل أن يصطحب الشيخ معه أهله إلى مكة، وغير ذلك من الأوقات، وقد قرأ عليه في كتاب التوحيد والعقيدة الواسطية والعبادات من زاد المستقنع في الفقه، والأجرومية في النحو، ومختصر قواعد بن رجب للشيخ محمد، وصحيح البخاري قرابة النصف، وقد كان الشيخ محمد يجل الشيخ عبدالسلام ويقدره، ولقد رأيت هذا بنفسي.
#### قرأ فيها عليه التوحيد لابن خزيمة، والنونية لابن القيم مع شرحها لابن عيسى، وقد حفظ منها الشيخ عبدالسلام قرابة الألف بيت، كما قرأ في زاد المستقنع مع الروض المربع، ومعارج القبول للشيخ حافظ الحكمي.
#####
ومنهم الشيخ المحدث العلامة عبدالله بن محمد الدويش ت 1409هـ قرأ عليه في فترة الإجازات النظامية في بريدة، قرأ عليه ألفية العراقي، وقطعة من سنن أبي داود.
ومنهم الشيخ صالح بن عبدالرحمن الأطرم- رفع الله عنه- درس عليه في كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود في حاشية الروض لابن قاسم وفي دروس مسجده،
ومنهم الشيخ فهد الحمين- حفظه الله- قرأ عليه في التوحيد والفقه، ومنهم الشيخ عبدالله بن قعود- رفع الله عنه- قرأ عليه في فتح المجيد، ومنهم الشيخ الفقيه الأصولي عبدالله بن عبدالرحمن بن غديان درس عليه في المعهد العالي للقضاء. ومنهم الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ت 1410هـ حضر له دروساً في زاد المستقنع مع حاشيته عليها المسماة (السلسبيل في معرفة الدليل).
ومنهم الشيخ الدكتور عبدالكريم الخضير قرأ عليه في نيل الأوطار للشوكاني، وألفية العراقي في المصطلح، ومنهم الشيخ الفرضي أ. د عبدالمحسن بن محمد المنيف قرأ عليه الرحبية في الفرائض في مكة سنة 1405هـ في رمضان.هؤلاء بعض مشايخه الذين تلقى الشيخ عنهم على جادة أهل العلم.
*وأما دراسته النظامية، فقد تلقى الشيخ تعليمه في مدينة الرياض، فأخذ المرحلة الابتدائية فيها، ثم التحق بالمعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود، ثم التحق بكلية الشريعة في الجامعة وتخرج منها في 1410هـ، فعين بعدها مدرسا في المعهد العلمي في القويعية التي تبعد قرابة 170 كم غرب الرياض على طريق مكة، ثم سمت همته للدراسات العليا فالتحق بالمعهد العالي للقضاء وأكمل فيه دراسة الماجستير، وكانت رسالة الماجستير بعنوان: (التوثيق بالعقود في الفقه الإسلامي).
ثم عين قاضيا في وزارة العدل، ولكنه طلب الإعفاء فلم يعف إلا بعد جهد جهيد، ثم رشح بعدها في ديوان المظالم في مدينة جدة، ولكنه لم يمكث فيها إلا أسبوعاً واحدا، ثم ترك الديوان رغبة عنه، وطلبا للسلامة، وعاد إلى الرياض محاضرا في المعهد العالي للقضاء .
وقد حصل على الدكتوراة في 1422هـ في تحقيقه لكتاب (الفوائد المنتخبات شرح أخصر المختصرات) لعثمان بن جامع ت 1240هـ بالاشتراك، وكان المشرف عليه سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، وبعدها عين أستاذا مساعدا حتى وفاته- رحمه الله-.
ولقد كان- رحمه الله تعالى- غاية في الأدب، متواضعا معروفا بوداعته وأنسه وبشاشته مع والديه وشيوخه وأهل بيته ومجالسيه، وكل من خالطه يعرف عنه ذلك، لذلك كثر من تأثر بوفاته وحزن نسأل الله أن يجمعنا به في دار كرامته.والشيخ عبدالسلام -رحمه الله- شاعر مجيد، قصائده في الذروة، وفي غاية من الرقة، وله مساجلات شعرية، وشعره يدل على فطرية هذه الموهبة، وعلى أنه لم يكن يتكلف كتابته، وكان شعره في أسماره ومحدودا بأصدقائه وأحبائه لو قدر أن تجمع لجاءت في مجلد لطيف يسر الله لها من يجمعها.
ولقد كان الشيخ عبدالسلام حريصا على نشر الكتب العلمية عموما، وكتب علماء الدعوة خصوصاً، وكان ربما صور المخطوطات، أو سعى في تحصيلها لمن يقوم بتحقيقها، وقد أحصيت أكثر من ثلاثين - ما بين - كتاب ورسالة يذكر محققوها أنهم استفادوا بعض النسخ في تحقيقهم من مكتبة الشيخ - -رحمه الله- وهناك الكثير من أخباره ومآثره التي يصعب حصرها هنا، فلعل الله ييسر جمعها وتبويبها.
توفي الشيخ رحمه الله ليلة السبت الموافق 13 - 2 - 1425هـ في حادث مروري مروّع في طريقه من الأحساء إلى الرياض.* رحم الله الشيخ رحمة واسعة و أسكنه فسيح جناته ..
6 الشيخ صالح اللحيدان
هو*الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، عالم جليل وداعية الى الله ذو هيبة وقدر ، وإمام وخطيب ، ولد بمدينة البكيرية بمنطقة القصيم عام 1350هـ وقد تخرج من كلية الشريعة بالرياض عام 1379هـ وعمل سكرتيرا لسماحة الشيخ : محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله مفتي الديار السعودية السابق في الإفتاء بعد تخرجه ، الى أن عين عام 1383هـ مساعدا لرئيس المحكمة الكبرى بالرياض ، ثم صار رئيسا للمحكمة عام 1384هـ . *وقد حصل على رسالة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1389هـ واستمر رئيسا للمحكمة الكبرى الى أن عين عام 1390هـ قاضي تمييز وعضوا بالهيئة القضائية العليا. * وفي عام 1403هـ عين رئيسا للهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى ، واستمر في ذلك نائبا لرئيس المجلس في غيابه الى أن عين عام 1413هـ رئيسا للمجلس بهيئة العامة والدائمة. *وهو أيضا عضوا في هيئة كبار العلماء منذ إنشائها عام 1391هـ وعضوا في رابطة العالم الإسلامي ، وكان له نشاط في تأسيس مجلة راية الإسلام ، ومديرها ورئيس تحريرها. *وله دروس في المسجد الحرام تذاع ، وفتاوى في برنامج نور على الدرب وله محاضرات وندوات ومشاركة في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه وغير ذلك مما فيه صلاح وإصلاح ، فجزاه الله أحسن الجزاء وأحسن لنا وله الخاتمة في الأمور كلها وصلى الله وسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
7 الشيخ محمد بن صالح العثيمين* (1347 - 1421 هجري)
هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي.*
كان مولده في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1347هـ، في مدينة عنيزة - إحدى مدن القصيم- بالمملكة العربية السعودية .. تعلم القران الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان الدامغ -رحمه الله- ثم تعلم الكتابة وشيئاً من الأدب والحساب والتحق بإحدى المدارس وحفظ القرآن عن ظهر قلب في سن مبكرة، وكذا مختصرات المتون في الحديث والفقه.*
وكان فضيلة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - قد رتب من طلبته الكبار لتدريس المبتدئين من الطلبة وكان منهم الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع -رحمه الله- فانضم إليه فضيلة شيخنا ..* ولما أدرك ما أدرك من العلم في التوحيد والفقه والنحو جلس في حلقة شيخه فضيلة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي فدرس عليه في التفسير والحديث والتوحيد والفقه وأصوله والفرائض والنحو.*
ويعتبر الشيخ عبدالرحمن السعدي شيخه الأول الذي نهل من معين علمه وتأثر بمنهجه وتأصيله واتباعه للدليل وطريقة تدريسه ، وقد توسم فيه شيخه النجابة والذكاء وسرعة التحصيل فكان به حفياً ودفعه إلى التدريس وهو لا يزال طالباً في حلقته.*
وفي سنه 1376هـ توفي شيخه عبدالرحمن السعدي فتولى بعده إمامة المسجد بالجامع الكبير في عنيزة والخطابة فيه والتدريس بمكتبة عنيزة الوطنية التابعة للجامع والتى أسسها شيخه عام 1359هـ .. ولما كثر الطلبة وصارت المكتبة لا تكفيهم صار يدرس في المسجد الجامع نفسه واجتمع إليه طلاب كثيرون من داخل المملكة وخارجها حتى كانو يبلغون المئات وهؤلاء يدرسون دراسة تحصيل لا لمجرد الاستماع - ولم يزل مدرساً في مسجده وإماماً وخطيباً حتى توفي -رحمه الله-.*
توفي الشيخ - رحمه الله - يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال سنة 1421هـ .. و صلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة العصرالآلاف المؤلفة وشيعته إلي المقبرة في مشاهد عظيمة لا تكاد توصف ثم صلي عليه من الغد بعد صلاة الجمعة صلاة الغائب في جميع مدن المملكة و في خارج المملكة جموع أخرى لا يحصيها إلا باريها، ودفن بمكة المكرمة رحمه الله رحمة واسعة ..
8 فضيلة العلاَّمة السلفي الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله
ترجمته وثناء العلماء عليه "موقع روح الاسلام"
فصلٌ في التعريف بالشيخ:
أ - اســمه: هو: محمد أمان بن علي جامي علي، يكنى بأبي أحمد.
ب – موطـنه: الحبشة، منطقة هرر، قرية طغا طاب.
ج – سنة ولادته: وُلد كما هو مدوَّن في أوراقه الرسمية سنة 1349 هـ.
فصلٌ في طلبه للعلم: أ- طلبه للعلم في الحبشة:
نشأ الشيخ في قرية طغا طاب وفيها تعلم القرآن الكريم، و بعدما ختمه شرع في دراسة كتب الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، و درس العربية في قريته أيضاً على الشيخ محمد أمين الهرري ثم ترك قريته على عادة أهل تلك الناحية إلى قرية أخرى, وفيها التقى مع زميل طلبه وهجرته إلى البلاد السعودية الشيخ عبدالكريم, فانعقدت بينهما الأخوة الإسلامية ثم ذهبا معاً إلى شيخ يُسمى الشيخ موسى, ودرسا عليه نظم الزبد لابن رسلان, ثم درسا متن المنهاج على الشيخ أبادر و تعلما في هذه القرية عدة فنون. ثم اشتاقا إلى السفر للبلاد المقدسة مكة المكرمة للتعلم و أداء فريضة الحج. فخرجا من الحبشة إلى الصومال فركبا البحر متوجيهن إلى عدن – حيث واجهتهما مصاعب ومخاطر في البحر و البر – ثم سارا إلى الحُدَيدة سيراً على الأقدام فصاما شهر رمضان فيها ثم غادرا إلى السعودية فمرا بصامطة و أبي عريش حتى حصلا على إذن الدخول إلى مكة وكان هذا سيراً على الأقدام. و في اليمن حذرهما بعض الشيوخ فيها من الدعوة السلفية التي يطلقون عليها الوهابية.
ب –طلبه للعلم في السعودية: بعد أداء الشيخ فريضة الحج عام 1369هـ بدأ رحمه الله طلبه للعلم بالمسجد الحرام في حلقات العلم المبثوثة في رحابه, و استفاد من فضيلة الشيخ عبدالرزاق حمزة رحمه الله, و فضيلة الشيخ عبدالحق الهاشمي رحمه الله, و فضيلة الشيخ محمد عبدلله الصومالي وغيرهم. و في مكة تعرَّف على سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وصَحِبهُ في سفره إلى الرياض لما افتُتح المعهد العلمي و كان ذلك في أوائل السبعينيات الهجرية. وممن زامله في دراسته الثانوية بالمعهد العلمي فضيلة الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد, و فضيلة الشيخ علي بن مهنا القاضي بالمحكمة الشرعية الكبرى بالمدينة سابقاً، كما أنه لازم حِلَق العلم المنتشرة في الرياض. فقد استفاد و تأثر بسماحة المفتي العلاَّمة الفقيه الأصولي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله. كما كان ملازماً لفضيلة الشيخ عبدالرحمن الأفريقي رحمه الله، كما لازم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله, فنهل من علمهِ الجم وخُلُقهِ الكريم، كما أخذ العلم بالرياض على فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، وفضيلة الشيخ العلاَّمة المحدِّث حماد الأنصاري رحمه الله, و تأثر المُتَرجم له بالشيخ عبدالرزاق عفيفي كثيراً حتى في أسلوب تدريسه. كما استفاد و تأثر بفضيلة الشيخ العلاَّمة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله, حيث كانت بينهما مراسلات، علماً بأن المُتَرجم له لم يدرس على الشيخ السعدي. كما تعلم على فضيلة الشيخ العلاَّمة محمد خليل هراس رحمه الله, و كان متأثراً به أيضاً. كما استفاد من فضيلة الشيخ عبدالله القرعاوي رحمه الله.
فصلٌ في مــؤهـلاته العـلمية: حصل على الثانوية من المعهد العلمي بالرياض. ثم انتسب بكلية الشريعة و حصل على شهادتها سنة 1380هـ. ثم معادلة الماجستير في الشريعة من جامعة البنجاب عام 1974م. ثم الدكتوراة من دار العلوم بالقاهرة.
فصلٌ في مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
لقد كان للشيخ رحمه الله مكانته العلمية عند أهل العلم و الفضل، فقد ذكروه بالجميل و كان محل ثقتهم، بل بلغت الثقة بعلمه وعقيدته أنه عندما كان طالباً في الرياض, و رأى شيخه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله نجابته و حرصه على العلم قدمه إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله, حيث تم التعاقد معه للتدريس بمعهد صامطة العلمي بمنطقة جازان. و أيضاً مما يدل على الثقة بعلمه و عقيدته و مكانته عند أهل العلم أنه عند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة انتُدب للتدريس فيها بعد وقوع اختيار سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله عليه، و معلوم أن الجامعة الإسلامية أُنشئت لنشر العقيدة السلفية, و قد أوكَلَت الجامعة تدريس هذه العقيدة إلى فضيلة المُتَرجم له بالمعهد الثانوي ثم بكلية الشريعة ثقةً بعقيدته و علمه و منهجه رحمه الله، وذلك ليُسهم في تحقيق أهداف الجامعة. و إليك أخي القارئ كلام العلماء الثقات فيما كتبوه عن فضيلة شيخنا محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى:
ففي كتاب سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله رقم 64 في 9/1/1418هـ قال عن الشيخ محمد أمان: {معروفٌ لديَّ بالعلم و الفضل و حسن العقيدة، و النشاط في الدعوة إلى الله سبحانه و التحذير من البدع و الخرافات غفر الله له و أسكنه فسيح جناته و أصلح ذريته وجمعنا و إياكم و إياه في دار كرامته إنه سميع قريب}.
وكتب فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان في كتابه المؤرخ 3/3/1418هـ قائلاً: {الشيخ محمد أمان كما عرفته: إن المتعلمين و حملة الشهادات العليا المتنوعة كثيرون, و لكن قليلٌ منهم من يستفيد من علمه و يستفاد منه، و الشيخ محمد أمان الجامي هو من تلك القلة النادرة من العلماء الذين سخَّروا علمهم و جهدهم في نفع المسلمين و توجي**م بالدعوة إلى الله على بصيرة من خلال تدريسه في الجامعة الإسلامية وفي المسجد النبوي الشريف وفي جولاته في الأقطار الإسلامية الخارجية و تجواله في المملكة لإلقاء الدروس و المحاضرات في مختلف المناطق يدعو إلى التوحيد و ينشر العقيدة الصحيحة ويوجِّه شباب الأمة إلى منهج السلف الصالح و يحذِّرهم من المبادئ الهدامة و الدعوات المضللة. و من لم يعرفه شخصياً فليعرفه من خلال كتبه المفيدة و أشرطته العديدة التي تتضمن فيض ما يحمله من علم غزير و نفع كثير }.
وكتب فضيلة الشيخ العلاَّمة عبدالمحسن بن حمد العباد المدرس بالمسجد النبوي، حفظه الله: {عرفتُ الشيخ محمد أمان بن علي الجامي طالباً في معهد الرياض العلمي ثم مدرِّساً بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المرحلة الثانوية ثم في المرحلة الجامعية. عرفته حسن العقيدة سليم الاتجاه، وله عناية في بيان العقيدة على مذهب السلف، و التحذير من البدع وذلك في دروسه و محاضراته و كتاباته غفر الله له و رحمه و أجزل له المثوبة}.
وقال معالي مدير الجامعة الإسلامية الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله العبود وفقه الله في كتابه المؤرخ في 15/4/1417هـ: { الحمد لله رب العامين و الصلاة و السلام على رسوله الأمين و على آله و أصحابه و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فقد رغب مني الأخ الشيخ مصطفى بن عبدالقادر أن أكتب عن الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله شيئاً مما أعرفه عنه من المحاسن لتكون من بعده في الآخرين فأجبته بهذه الأحرف اليسيرة على الرغم من أنني لم أكن من تلامذته ولا من أصحابه الملازمين له طويلي ملاقاته و مخالطته، ولكن صار بيني و بينه رحمه الله لقاءات استفدت منها، و تم من خلالها التعارف و انعقاد المحبة بيننا في الله تعالى و توثيق التوافق على منهج السلف الصالح في العقيدة و الرد على المخالفين. رحم الله الشيخ محمد أمان و أسكنه فسيح جناته و ألحقنا و إياه بالصاحين من أمة محمد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و أصحابه و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين}.
وقَــالَ فضيلة الشيخ محمد بن علي بن محمد ثاني المدرس بالمسجد النبوي رحمه الله في كتابه المؤرخ في 4/1/1417هـ: { و فضيلته عالمٌ سلفيٌ من الطراز الأول في التفاني في الدعوة الإسلامية وله نشاط في المحاضرات في المساجد و الندوات العلمية في الداخل و الخارج، وله مؤلفات في العقيدة و غيرها جزاه الله عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء و أجزل له الأجر في الآخرة إنه سميعٌ مجيب}.
وقَـالَ فضيلة الشيخ محمد عبدالوهاب مرزوق البنا حفظه الله عن المُتَرجم له: {ولقد كان رحمه الله على خير ما نُحب من حسن الخلق وسلامة العقيدة و طيب العِشرة، أسأل الله أن يتغمده برحمته و يسكنه فسيح جناته و يجمعنا جميعاً إخواناً على سرر متقابلين}
و كتب فضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاته المدرس بالمسجد النبوي و مدير شعبة دار الحديث رحمه الله في كتابه المؤرخ في 8/2/1417هـ فمما جاء فيه: { و بالجملة فلقد كان رحمه الله صادق اللهجة عظيم الانتماء لمذهب أهل السنة، قوي الإرادة داعياً إلى الله بقوله و عمله و لسانه، عفَّ اللسان قوي البيان سريع الغضب عند انتهاك حرمات الله، تتحدث عنه مجالسُهُ في المسجد النبوي الشريف التي أدَّاها و قام بها, و تآليفه التي نشرها و رحلاته التي قام بها، و لقد رافقته في السفر فكان نعم الصديق, و رافق هو فضيلة الشيخ العلاَّمة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله صاحب أضواء البيان و غيره – فكان له أيضاً نعم الرفيق – و السفر هو الذي يُظهر الرجالَ على حقيقتهم. لا يجامل و لا ينافق و لا يماري و لا يجادل، إن كان معه الدليل صدع به، و إن ظهر له خلاف ما هو عليه قال به و رجع إليه و هذا هو دأب المؤمنين كما قال الله تعالى في كتابه:{ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله …}الآية. و أُشهدُ الله تعالى أنه رحمه الله قد أدى كثيراً مما عليه من خدمة الدين، و نشر سنة سيد المرسلين. و لقد صادف كثيراً من الأذى و كثيراً من الكيد و المكر فلم ينثنِ ولم يفزع حتى لقي الله. وكان آخر كلامه شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله}.
وكتب فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد حمود الوائلي المدرس بالمسجد النبوي و الجامعة الإسلامية و وكيلها للدراسات العليا و البحث العلمي في كتابه المؤرخ في 29/5/1417هـ: بدأت معرفتي بالشيخ رحمه الله عام 1381هـ عندما قامت هذه الدولة السعودية الكريمة حفظها الله بإنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في العام المذكور و كان رحمه الله من أوائل المدرِّسين بها وكنتُ أحد طلابها، كان رحمه الله من بين عدد من المشايخ الذين يولون طلابهم عناية خاصة لا تقف عند علاقة المدرس بتلميذه في الفصل وكان في عامة دروسه يُعنى عناية عظيمة بعقيدة السلف الصالح – رضي الله عنهم – لا يترك مناسبة تمر دون أن يبين فيها مكانة هذه العقيدة، لا فرق في ذلك بين دروس العقيدة و غيرها. وهو حين يتحدث عن عقيدة السلف الصالح و يسعى في غرسها في نفوس أبنائه الطلاب الذين جاء أكثرهم من كل فج عميق، إنما يتحدث بلسان خبير بتلك العقيدة، لأنه ذاق حلاوتها و سبر غورها حتى إن السامع المشاهد له و هو يتكلم عنها ليحس أن قلبه ينضح حباً و تعلقاً بها، و كانت له رحلات في مجالي الدعوة و التعليم خارج المملكة. و إن القارئ ليلمس صدق دعوته في كتبه و رسائله التي ألَّفها. و قد حضرت مناقشة رسالته في مرحلة الدكتوراه في دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة بمصر و كان يسعى في عامة مباحثها إلى بيان صفاء عقيدة السلف الصالح و سلامة منهجها و تجلت شخصيته العلمية في قدرته – أثناء المناقشة – على كشف زيف كل منهجٍ خرج عن عقيدة السلف, و بطلان كل دعوةٍ صُوبت نحو دعاتها المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها و الوقوف عندها و الدعوة إليها و دحض كل مقالة أو شبهة يحاول أهل الباطل النيل بها من هذه العقيدة. }.
و كتب فضيلة الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس المدرس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وفقه الله: { فإن فضيلة الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله رحمة واسعة كان فيما علمتُ من أشد المدافعين عن عقيدة السلف الصالح رحمهم الله جميعاً الداعين إليها، الذابين عنها في الكتب و المحاضرات و الندوات. و كان شديداً في الإنكار على من خالف عقيدة السلف الصالح، و كأنما قد نذر حياته لهذه العقيدة تعلماً و تعليماً و تدريساً و دعوة، و كان يدرك أهمية هذه العقيدة في حياة الإنسان و صلاحها. كما كان يدرك خطورة البدع المخالفة لهذه العقيدة على حياة الفرد و المجتمع، فرحمه الله رحمة واسعة و غفر له و لجميع المسلمين آمين يا رب العالمين }.
مما سبق من كلام أهل العلم و الفضل عن الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله تَظهر مكانته العلمية و جهوده و جهاده في الدعوة إلى الله منذ ما يقرب من أربعين عاماً، وصلته الوثيقة بالعلماء، واهتمامه رحمه الله و عنايته بتقرير و بيان العقيدة السلفية و الرد على المبتدعة المتنكبين لصراط السلف الصالح و دحض شب**م الغوية، حتى يكاد يرحمه الله لا يُعرف إلا بالعقيدة و ذلك لعنايته بها. هذا و كانت له مشاركة في علم التفسير و الفقه مع المعرفة التامة باللغة العربية.
فصلٌ في ذكر بعض مؤلفاته:
منها كتاب { الصفات الإلهية في الكتاب و السنة النبوية في ضوء الإثبات و التنزيه } وهو من أنفع كتبه رحمه الله. و كتاب { أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام } و يحتوي هذا الكتاب على عدة محاضرات فيها تقريرُ العقيدة السلفية و عرضٌ للدعوة في أفريقيا، و ذكرٌ لمشاكل الدعوة و الدعاة في العصر الحديث مع الحلول المناسبة لتلك المشاكل، و ردٌ على الصوفية. و كتاب{ مجموع رسائل الجامي في العقيدة و السُنة }.و رسالة بعنوان { المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية } و هي في الأصل محاضرة ألقاها في السودان سنة 1383هـ و ردَّ فيها على الملحد محمود طه. و رسالة بعنوان { حقيقة الديموقراطية و أنها ليست من الإسلام } و هي في الأصل محاضرة ألقاها سنة 1412هـ. و رسالة بعنوان { حقيقة الشورى في الإسلام } و رسالة بعنوان { العقيدة الإسلامية و تاريخها }.
فصل في ذكر بعض تلاميذه:
رجلٌ هذه مكانته عند ذوي العلم، و هذه جهوده في الدعوة إلى الله تعالى و حبه لهذه العقيدة السلفية الخالدة التي أوذي في سبيل نشرها و تقريرها في نفوس المسلمين، سواء في داخل المملكة أو خارجها, يصعُبُ حصر طلبته و تلاميذه, و كان من أبرز طلبته كلٌ من:
فضيلة الشيخ الدكتور السلفي ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله. وفضيلة الشيخ العلاَّمة زيد بن هادي المدخلي حفظه الله. وفضيلة الدكتور علي بن ناصر فقيهي المدرس بالمسجد النبوي حفظه الله. وفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد حمود الوائلي المدرس بالمسجد النبوي و وكيل الجامعة الإسلامية للدراسات العليا حفظه الله. وفضيلة الشيخ المحدِّث عبدالقادر بن حبيب الله السندي رحمه الله. وفضيلة الدكتور صالح بن سعد السحيمي المدرس بالمسجد النبوي و الجامعة الإسلامية حفظه الله. وفضيلة الشيخ فالح بن نافع الحربي المدرِّس بالجامعة الإسلامية حفظه الله. وفضيلة الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي المدرس بالجامعة الإسلامية حفظه الله. وفضيلة الدكتور بكر بن عبدالله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء حفظه الله. وفضيلة الدكتور صالح الرفاعي حفظه الله. وفضيلة الدكتور فلاح إسماعيل المدرس بجامعة الكويت حفظه الله. وفضيلة الدكتور فلاح بن ثاني المدرِّس بجامعة الكويت حفظه الله. وآخرين يصعب حصرهم.
فصلٌ في ذكر بعض أخلاقه الفاضلة:
1- كان رحمه الله تعالى ناصحاً – فيما نحسب – لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم. ويظهر ذلك بأدنى تأمل، فقد نذر حياته في تقرير عقيدة السلف الصالح، و ذلك من خلال دروسه و تآليفه و محاضراته و ردوده على المخالفين للكتاب و السنة، و كان عادلاً في رده على المخالف مجانباً للعصبية و الهوى.
2- قلة مخالطته للناس: كان رحمه الله معروفاً بقلة مخالطته للناس إلا في الخير، فأغلب أوقاته و أيامه محفوظة، و طريقته في ذلك معروفة إذ يخرج من البيت إلى العمل بالجامعة ثم يعود إلى البيت ثم إلى المسجد النبوي الشريف لإلقاء دروسه بعد العصر و بعد المغرب و بعد العشاء و بعد الفجر و هكذا إلى أن لازم الفراش بسبب اشتداد المرض.
3- عِفة لسانه: كان رحمه الله عف اللسان لا يلمز و لا يطعن و لا يغتاب، بل و لا يسمح لأحد أن يغتاب أحداً بحضرته، ولا يسمح بنقل الكلام و عيوب الناس إليه، و إذا وقع بعض طلبة العلم في خطأ طلب الشريط أو الكتاب فيسمع أو يقرأ، فإذا ظهر له أنه خطأ قام بما يجب على مثله من النصيحة.
4- عفوه و حلمه: فبقدر ما واجه من الأذى و المحن و الكيد و المكر, قابل من أساء إليه بالحلم والعفو. وقد كان يأتيه بعض من كان ينال من عرضه بالسب، أو الطعن، أو الافتراء، فيستسمح منه فيقول رحمه الله: أرجو الله تعالى ألا يدخل أحداً النار بسببي، و يسامح من يتكلم في عرضه و يقول: لا داعي لأن يأتي من يعتذر فإني قد عفوت عن الجميع، و يطلب من جلسائه إبلاغ ذلك عنه.
5- عنايته و تعهده بطلبته فقد كان رحمه الله من الذين يولون طلابهم عناية خاصة لا تنتهي بانتهاء الدرس، بل كان يحضر مناسباتهم و يسأل عن أحوالهم، و يعالج بعض مشاكلهم الأسرية، و بالجملة فلقد كان يبذل ماله وجا** و وقته لمساعدة المحتاج منهم. وكان هذا التصرف منه يترك أثراً بالغاً عند طلابه، فرُزق بسبب ذلك المحبة الصادقة منهم. وقد شعروا بعد موته بفراغ في هذه الناحية. و الحق إن الشيخ رحمه الله اجتمعت فيه خصالُ خيرٍ كثيرة، و ما تم نقله آنفاً عن أهل العلم كافٍ و الله أعلم.
فصلٌ في عقيدته السلفية:
مما يدل على عقيدة الشيخ السلفية أنه كان يدرِّس كتب العقيدة السلفية مثل: الواسطية و الفتوى الحموية الكبرى و التدمرية و شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز و الإيمان و ثلاثة الأصول و فتح المجيد شرح كتاب التوحيد و قرة عيون الموحدين و الأصول الستة و الواجبات المتحتمات و القواعد المثلى و تجريد التوحيد للمقريزي.
و رده على أهل البدع كالأشاعرة و الصوفية و الشيعة الروافض وذلك في كتبه و مقالاته في المجلات العلمية و في محاضراته و دروسه فعلى سبيل المثال كتابه {أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام }.
و من خلال كلام أهل العلم السابق في بيان عقيدته السلفية.
مرضُه و موتُه:
لقد اُبتلي في آخر عمره - رحمه الله تعالى – بمرضٍ عُضال حتى ألزمه الفراش نحو عام فصبر و احتسب. وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس و العشرين من شهر شعبان سنة 1416هـ أسلمَ روحه لبارئها، فصُلي عليه بعد الظهر, و دُفن في بقيع الغرقد بالمدينة النبوية.
وشهد دفنه جمعٌ كبير من العلماء و القضاة و طلبة العلم و غيرهم. و بموته حصل نقص في العلماء العاملين, فنسأل الله تعالى أن يغفر له و يرحمه و يخلف على المسلمين عدداً من العلماء العاملين آمين.
"موقع روح الاسلام
9 الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ
هو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي صدر أمر خادم الحرمين الشريفين بتعيينه مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء برتبة وزير - هو من مواليد مكة المكرمة بتاريخ 3/12/1362 هـ.
*توفي والده وهو صغير لم يتجاوز الثامنة من عمره في عام 1370 هـ ، وحفظ القرآن صغيرا في عام 1373 هـ على يد الشيخ محمد بن سنان ، وقرأ على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم أل الشيخ مفتي الديار السعودية كتاب التوحيد والأصول الثلاثة والأربعين النووية وذلك من عام 1374 هـ حتى عام 1380 هـ ، كما قرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الفرائض في عام 1377 هـ وعام 1380 هـ ، وقرأ على الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشد رحمه الله الفرائض والنحو والتوحيد وذلك في عام 1379 هـ ، وفي عام 1375 هـ و 1376 هـ قرأ على الشيخ عبد العزيز الشثري عمدة الأحكام وزاد المستقنع ، وفي عام 1374 هـ التحق بمعهد إمام الدعوة العلمي بالرياض ، ثم تخرج منه والتحق بكلية الشريعة بالرياض عام 1380 هـ وحصل على شهادة الليسانس في العلوم الشرعية واللغة العربية منها وذلك في العام الجامعي 1383 / 1384 هـ ، ثم عين مدرسا في معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض من عام 1384 هـ حتى عام 1392 هـ ، وانتقل إلى كلية الشريعة بالرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث كان يعمل أستاذا مشاركا فيها ، وبالإضافة إلى التدريس بها يقوم بالإشراف والمناقشة لرسائل الماجستير والدكتوراه في كل من كلية الشريعة ، وأصول الدين ، والمعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وكلية الشريعة التابعة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة ، بالإضافة إلى التدريس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض ، والعضوية والمشاركة بالمجالس العلمية بالجامعة ، وفي شهر شوال عام 1407 هـ عين عضوا في هيئة كبار العلماء ، وقد تولى سماحته الإمامة والخطابة في جامع الشيخ محمد بن إبراهيم بدخنة بالرياض بعد وفاة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وذلك في عام 1389 هـ ، وفي شهر رمضان عين خطيبا في الجامع الكبير بالرياض ، وفي عام 1402 هـ عين إماما وخطيبا بمسجد نمرة بعرفة ، وفي شهر رمضان عام 1412 هـ عين إماما وخطيبا بجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض .
*ولسماحته حضور مميز في المحافل العلمية ، إضافة إلى المشاركة في الندوات وإلقاء المحاضرات والدروس ، وكذلك المشاركة في البرامج الدينية في الإذاعة والتلفاز .
*ولسماحة الشيخ أربعة أبناء هم :
*- عبد الله ويحضر رسالة الدكتوراه في المعهد العالي للقضاء .
*- محمد ويدرس في الستوى السابع في كلية أصول الدين .
*- عمر ويدرس في السنة الثانية الثانوية .
*- عبد الرحمن ويدرس في السنة الثانية المتوسطة .
*ومن الصفات التي اتصف بها سماحة الشيخ عبد العزيز النشأة الصالحة منذ الصغر ، والورع والتقوى ، والإخلاص ، والنصح لولاة الأمر ، ولعموم المسلمين ، ومحبة الناس ، والعطف عليهم ، وبخاصة طلاب العلم.
*أما التدرج الوظيفي فقد كان على النحو التالي :
*1 - مدرس بمعهد إمام الدعوة العلمي في 1/7/1384 هـ .
*2 - أستاذ مساعد بكلية الشريعة في 7/5/1399 هـ .
*3 - أستاذ مشارك بكلية الشريعة في 13/11/1400 هـ .
*4 - انتقل من الجامعة بتاريخ 15/7/1412 هـ لتعيينه عضوا للإفتاء في رئاسة البحوث العلمية والإفتاء بقرار رقم 1/76 وتاريخ 15/7/1412 هـ .
*5 - صدر الأمر الملكي رقم 838 وتاريخ 25/8/1416 هـ بتعيينه نائباً للمفتي العام .
*وبعد وفاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله صدر أمر ملكي برقم أ/20 وتاريخ 29/1/1420 هـ بتعيينه مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء .
*وعن تعاونه المستمر مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقد استمرت علاقته العلمية مع الجامعة بعد أن انتقل منها ، وذلك من خلال التدريس في المعهد العالي للقضاء ، ولإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه ، وكانت آخر رسالة دكتوراه ناقشها في كلية أصول الدين يوم الأربعاء 26/1/1420 هـ.
10 الشيخ صالح آل الشيخ
هو صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله جميعًا- وحفظ الله الشيخ ورعاه، والشيخ يرجع نسبه إلى قبيلة بني تميم المشهورة.
ولد في مدينة الرياض سنة 1378هـ، وأكمل تعليمه الثانوي في الرياض، ولحرصه -حفظه الله- على أن يكون تعليمه الجامعي شرعيًّا فقد التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين بقسم القرآن وعلومه، وبعد تخرجه منها عمل ضمن هيئة التدريس فيها، منذ ذلك الحين إلى عام 1416هـ حيث عين نائبًا لوزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
وفي عام 1420هـ صدر الأمر بتعيينه وزيرًا للشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، إلى جانب إشرافه على المؤسسات الخيرية كمؤسسة الحرمين الخيرية، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي.
والشيخ -حفظه الله- منصرف إلى طلب العلم وتحقيق المسائل على نحو ما كان عليه علماء الدعوة السلفية وكبار العلماء منذ نعومة أظفاره، ودأب على نشر ذلك وتعليمه في دروسه ومحاضراته وتوجيهاته التي يلقيها في المساجد وفي غيرها.
والشيخ قارئ وباحث كبير في فتاوى جده سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى-، حيث تفرغ لدراستها وفهم مقاصدها واصطلاحاتها الفقهية والعلمية ومقاصدها التي انفردت بها بحكم الزمان والمكان، وكان يستعين بعد الله بكبار العلماء في ذلك كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وسماحة والده الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم -حفظه الله-، وسماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة -حفظه الله-، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى سابقًا -حفظه الله-.
وتلقى العلم على عدد من العلماء منهم :
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- ، و والده سماحة الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم -حفظه الله تعالى- ، و فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل -حفظه الله تعالى- ، فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان عضو هيئة كبار العلماء -حفظه الله- و غيرهم ..
وقد حرص -رعاه الله- على جمع الإجازات العلمية من شتى أنحاء الأرض ، حيث حصل على إجازات عدة من بعض علماء المملكة، ورحل إلى: تونس والمغرب وباكستان والهند وغيرها في سبيل ذلك. وله من المؤلفات والتحقيقات التي يحرص على اقتنائها طلبة العلم لما فيها من الشمولية والتدقيق العلمي ما يقارب سبعة عشر عملًا علميًّا. وشارك في عدد من المؤتمرات في داخل المملكة وفي أمريكا وأوروبا ومصر وغيرها. حفظ الله الشيخ وسدد على درب الخير خطاه.
11 العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي، رحمة الله عليه.
الذي رحل إليه الطلاب العلم من سائر الديار، ينهلون من علم القرآن والسنة والآثار، فأظهر الله على يده خيرا عظيما، أغاظ أهل البدع والأهواء والضلالات، فأجمعوا كيدهم ومكرهم، لإطفاء هذا النور الذي كشف عوارهم وأضرهم، {يريدون ليطفئوا نور الله بأفوا**م والله متم نوره}، و أعادوا الكرة بعد الكرة وفي كل مرة لا تنجح الفكرة.
ثم لجئوا بعد الإفلاس والإملاق، إلى البهت والكذب، تشويها لسيرة الشيخ ودعوته، واستعانوا على ذلك بفئات من أهل الدنيا والتحزبات، فقام الشيخ بالخطب والمحاضرات، تبينا لسبيل الدعوة ونقضا للافتراءات، ثم ألف كتابه هذه دعوتنا وعقيدتنا، فبين فيه سبيل الدعوة المباركة، وتضمن الكتاب ذكر ما ألفه طلبة العلم وعلى رأسهم شيخنا رحمه الله.
وقد وفق شيخنا رحمه الله توفيقا عظيما، ووضع الله فيه بركة جمة، فمع أنه نشأ يتيماً في حجر أم تنهاه عن العلم، وترغه في الدنيا - نسأل الله أن يغفر لنا وله - ، ومع ترعرعه في بيئة زيدية طغى عليها الجهل، حتى أنه ليحرم فيها القبيلي من أمثال الشيخ من إتقان القراءة والكتابة، ويعاب عليه ذلك فضلاً عن طلب العلم، ومع طلبه المتأخر للعلم الشرعي - فقد طلب العلم في أرض الحرمين وعمره خمسة وثلاثون عاما تقريباً، ومع هذا قيض الله على يديه خيراً كبيراً بالمقارنة مع بعض الأئمة المعاصرين الذين نشئوا في أول أمرهم في بيئة علمية - ، ومع تكالب الأعداء عليه من كل مكان، ومع حالته الصحية المتردية.
مع كل هذا وذاك فقد أقام الله به اليمن دعوة ملأت الأرجاء في غضون عشرين سنة، لا تكاد تسمع لهذه الدعوة نظيراً في اليمن بعد عصر الإمامين معمر وعبد الرزاق.
ومع انشغاله رحمه الله بالدعوة والتدريس ورّث الأمة أكثر من خمسين مؤلفا منه "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين"، الذي يساوي وحده الدنيا بأسرها، إذ هو تتمة للصحيحين.
دراسته ومشايخه:
يقول الشيخ:
درست في الكتب حتى انتهيت من منهج المكتب، ثم ضاع من العمر ما شاء الله في غير طلب علم، لأنه ما كان هناك من يرغب أو يساعد على طلب العلم، وكنت محباً لطلب العلم، وطلبت العلم في جامع الهادي فلم أساعد على طلب العلم، وبعد زمن اغتربت إلى أرض الحرمين ونجد، فكنت أسمع الواعظين ويعجبني وعظهم، فاستنصحت بعض الواعظين ما هي الكتب المفيدة حتى أشتريها؟ فأرشد إلى "صحيح البخاري"، "وبلوغ المرام"، و"رياض الصالحين"، و"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد"، وأعطاني نسيخات من مقررات التوحيد، وكنت حارساً في عمارة الحجون بمكة، فعكفت على تلك الكتب، وكانت تعلق بالذهن لأن العمل في بلدنا على خلاف ما فيها، خصوصا "فتح المجيد".
وبعد مدة من الزمن رجعت الى بلدي أنكر كل ما رأيته مخالفاً ما في تلك الكتب من الذبح لغير الله، وبناء القباب على الأموات، ونداء الأموات، فبلغ الشيعة ذلك، فأنكروا ما أنا عليه، فقائل يقول منهم: من بدل دينه اقتلوه، وآخر يرسل إلى أقربائي يقول إن لم تمنعوه فسنسجنه، وبعد ذلك قرروا أن يدخلوني "جامع الهادي" من أجل الدراسة عندهم لإزالة الشبهات التي قد علقت بقلبي، ويدندن بعضهم بقول الشاعر:
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى **** فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وبعد ذلك دخلت الدراسة عندهم في جامع الهادي ومدير الدراسة القاضي (مطهر حنش)، فدرست في "العقد الثمين"، وفي "الثلاثين المسألة وشرحها" لحابس، ومن الذين درسونا فيها (محمد بن حسن المتميز) وكنا في مسألة الرؤية فصار يسخر من ابن خزيمة وغيره من أئمة أهل السنة، وأنا أكتم عقيدتي، إلا أني ضعفت عن وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة وأرسلت يدي، ودرسنا في "متن الأزهار" إلى النكاح مفهوما ومنطوقا، وفي شرح الفرائض كتاب ضخم فوق مستوانا فلم أستفد منه.
فلما رأيت الكتب المدرسة غير مفيدة، حاشا النحو فإني درست عندهم "الآجرومية" و"قطر الندى"، ثم طلبت من القاضي (قاسم بن يحي شويل) أن يدرسني في "بلوغ المرام"، وأنكر علينا ذلك ثم تركنا، فلما رأيت أن الكتب المقررة شيعية معتزلية قررت الإقبال على النحو فدرست "قطر الندى" مراراً على (إسماعيل حطبة) رحمه الله في المسجد الذي أسكن فيه ويصلي فيه وكان يهتم بنا غاية الاهتمام، وفي ذات مرة أتى إلى المسجد (محمد بن حورية) فنصحته أن يترك التنجيم فنصحهم أن يطردوني من الدراسة، فشفعوا لي عنده وسكت، وكان يمر بنا بعض الشيعة ونحن ندرس في "القطر" ويقول: (قبيلي صبن غرارة) بمعنى أن التعليم لا يؤثر في وأنا أسكت وأستفيد في النحو.
حتى قامت الثورة وتركنا البلاد ونزلنا إلى نجران ولازمت (أبا الحسين مجد الدين المؤيد) واستفدت منه خصوصا في اللغة العربية ومكثت بنجران قدر سنتين، فلما تأكدت أن الحرب بين الجمهورية والملكية لأجل الدنيا عزمت على الرحلة إلى الحرمين ونجد، وسكنت بنجد قدر شهر ونصف في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للشيخ (محمد بن سنان الحدائي) حفظه الله، ولقد كان مكرما لي لما رأى من استفادتي وينصحني باستمرار مدة حتى يرسلني إلى (الجامعة الإسلامية)، فتغير علي الجو بالرياض، وعزمت على السفر إلى مكة، فكنت أشتغل إن وجدت شغلا، وأطلب العلم في الليل أحضر دروس الشيخ (يحي بن عثمان الباكستاني) في "تفسير ابن كثير"، والبخاري، ومسلم.
وأطالع في الكتب والتقيت بشيخين فاضلين:
أحدهما: القاضي (يحي الاشول) صاحب معمرة، فكنت أدرس عنده في "سبل السلام" للصنعاني ويدرسني في أي شيء أطلب منه.
الثاني: الشيخ (عبد الرزاق الشاحذي المحويتي) وكان أيضا يدرسني فيما أطلب منه.
ثم فتح معهد الحرم المكي وتقدمت للاختبار مع مجموعة من طلبة العلم، فنجحت والحمد لله، وكان من أبرز مشايخنا فيه الشيخ (عبد العزيز السبيل)، ودرست مع بعض طلبة المعهد عند الشيخ (عبد الله بن حميد) رحمه الله في "التحفة السنية" بعد العشاء في الحرم، فكان رحمه الله يأتي بفوائد من "شرح ابن عقيل" وغيره، وكانت فوق مستوى زملائي فتملصوا، فترك رحمه الله الدرس.
ودرست مع مجموعة من الطلاب عند الشيخ (محمد السبيل) حفظه الله شيئا من الفرائض.
وبعد الخروج من المعهد خرجت للإتيان بأهلي من نجران فأتيت بهم وسكنا بمكة مدة الدراسة في المعهد ست سنين والدراسة في الحرم نفسه، وبركة دراسة المساجد معلومة، ولا تسأل عن أنس وراحة كنا فيها، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده".
النهار في دراسة المعهد، والدروس كلها تخدم العقيدة والدين، ومن بعد العصر إلى بعد العشاء في الحرم نشرب من ماء زمزم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: "إنه طعام طعم وشفاء سقم" ونسمع من الواعظين القادمين من الآفاق لأداء حج أو عمرة.
ومن المدرسين في الحرم بين مغرب وعشاء الشيخ (عبد العزيز بن راشد النجدي) صاحب "تيسير الوحيين في الاقتصار على القرآن والصحيحين" فازددت يقيناً ببطلان كلامه رحمه الله، وكان رجل التوحيد وله معرفة قوية بعلم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه.
ومن مشايخي في الحرم المكي الذين استفدت منهم الشيخ (محمد بن عبد الله الصومالي) فقد حضرت عنده حوالي سبعة أشهر أو أكثر، وكان رحمه الله آية في معرفة رجال الشيخين، ومنه استفدت كثيرا في علم الحديث، على إني بحمد ربي من ابتدائي في الطلب لا أحب إلا علم الكتاب والسنة.
وبعد الانتهاء من معهد الحرم من المتوسط والثانوية، وكل الدروس دينية، انتقلنا إلى المدينة إلى الجامعة الإسلامية، فحول أكثرنا إلى كلية الدعوة وأصول الدين، وأبرز من درسنا فيها الشيخ (السيد محمد الحكيم) والشيخ (محمود عبد الوهاب فائد) المصريان.
وعند إن جاءت العطلة خشيت من ذهاب الوقت وضياعه فانتسبت في كلية الشريعة، لأمرين: أحدهم: التزود من العلم، الثاني: إن الدروس متقاربة وبعضها متحدة، فهي تعتبر مراجعة لما درسناه في كلية الدعوة وانتهيت بحمد الله من الكليتين، وأعطيت شهادتين وأنا بحمد الله لا أبالي بالشهادات، المعتبر عندي هو العلم.
وفي عام انتهائنا من الكليتين فتحت في الجامعة دراسة عالية ما يسمونه بالماجستير، فتقدمت لأخبار المقابلة ونجحت بحمد الله وهي تخصص في علم الحديث، وبحمد الله حصلت الفائدة التي أحبها، وكان من أبرز من درسنا الشيخ (محمد أمين المصري) رحمه الله، والشيخ (السيد محمد الحكيم المصري) وفي آخرها الشيخ (حماد بن محمد الانصاري) وكنت أحضر بعض الليالي درس الشيخ (عبد العزيز بن باز) في الحرم المدني في صحيح مسلم، وأحضر كذلك مع الشيخ (الألباني) في جلساته الخاصة بطلبة العلم للاستفادة.
ومنذ كنت في الحرم المكي وأنا أدرس بعض طلبة العلم في "قطر الندى" وفي "التحفة السنية"، وعند أن كنت بالمدينة كنت أدرس بعض إخواني بالحرم المدني في "التحفة السنية" ثم وعدت إخواني في الله بدروس في بيتي بعد العصر في "جامع الترمذي"، و"قطر الندى"، و"الباعث الحثيث"، واتشرت دعوة كبيرة من المدينة ملأت الدنيا في مدة ست سنوات، بعض أهل الخير هم الذين يسعون في تمويلها، و(مقبل بن هادي) وبعض إخوانه هم الذين يقومون بتعليم إخوانهم، وأما الرحلات للدعوة إلى الله في جميع أنحاء المملكة فمشتركة بين الإخوان كلهم، طالب العلم للتزود من العلم ولإفادت الآخرين، والعمي للتعلم، حتى استفاد كثير من العامة وأحبوا الدعوة.
ولما وصلت إلى اليمن عدت إلى قريتي ومكثت بها أعلم الأولاد القرآن، فما شعرت إلا بتكالب الدنيا، فكأني خرجت لخراب البلاد والدين والحكم، وأنا آنذاك لا أعرف مسؤلا ولا شيخ قبيلة فأقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وإذا ضقت أذهب إلى صنعاء أو إلى حاشد، أو إلى ذمار، وهكذا إلى تعز و إب والحديدة، دعوة وزيارة للإخوان في الله.
وبعد هذا مكثت في مكتبتي - بعد مشقة ومساعدة بعض الإخوان في استردادها - وما هي الا أيام وفتحت دروساً مع بعض الإخوة المصريين في بعض كتب الحديث وبعض كتب اللغة، وبعد هذا مازال طلبة العلم يفدون من مصر، ومن الكويت ومن أرض الحرمين ونجد... وكثير من البلاد الإسلامية وغيره.
ويقدر طلبة الشيخ بحوالي ألف طالب، والعوائل نحو خمسمائة عائلة.
الدروس التي تلقى:
تفسير ابن كثير بعد الظهر.
صحيح البخاري بعد العصر.
صحيح مسلم، وبعده مستدرك الحاكم بين مغرب وعشاء.
الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين قبل الظهر.
الصحيح المسند من دلائل النبوة.
الجامع الصحيح في القدر.
وقال الشيخ رحمه الله : "كنت أدرس في "شرح ابن عقيل" ثم مرضت فتركت.
أما إخواني في الله فإنهم قائمون بدروس لإخوانهم في جميع المجالات العلمية على مستوى الطلاب في: التوحيد، والعقيدة، والفقه وأصوله، والحديث وأصوله، والفرائض، والنحو، والخط والإملاء وجميع ما يحتاج إليه الطالب من العلوم الدينية ووسائلها، وإذا ضاق المسجد والسكنات، ففي الوادي وتحت الشجار، وتلقى هناك الدروس، علم طيب وهواء طيب.
والفضل في هذا لله وحده".
بعض مؤلفات الشيخ مقبل:
1 - الطليعة في الرد على غلاة الشيعة.
2 - تحريم الخضاب بالسواد.
3 - شرعية الصلاة في النعال.
4 - الصحيح المسند من أسباب النزول.
5 - حول القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
6 - الشفاعة.
7 - رياض الجنة في الرد على أعداء السنة.
8 - الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين.
9 - السيوف الباترة لإلحاد الشيوعية الكافرة.
10 - المخرج من الفتنة.
11 - الإلحاد الخميني في أرض الحرمين.
12 - قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد.
13 - إجابة السائل عن أهم المسائل.
14 - أحاديث معلة ظاهرها الصحة.
15 - تحفة الشاب الرباني في الرد على الإمام محمد بن علي الشوكاني.
16 - غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل.
17 - إيضاح المقال في أسباب الزلزال.
18 - إعلان النكير على أصحاب عيد الغدير.
19 - إقامة البرهان على ضلال عبد الرحيم الطحان.
20 - فضائح ونصائح.
21 - البركان لنسف جامعة الإيمان.
22 - إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبد الله القرضاوي.
23 - تحفة المجيب عن أسئلة الحاضر والغريب.
24 - الزنداني ومجلس الشورى للشيخات في اليمن.
25 - صعفة الزلزال لنسف أباطيل أهل الرفض والاعتزال.
لشيخنا مقبل - رحمه الله - جهد مشكور، وسعي مبرور في الدفاع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصبر على تحمل الأذى هنا وهناك في سبيل نشر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهل يستوي هؤلاء بأناس وجدوها لقمة سائغة؟ هل يستوي من لطم على وج**، وسجن وطرد في سبيل نشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم بمن وجد الأمر قد تحول فأصبح أهل السنة وأهل الحديث لهم الكلمة والاحترام فمشى في ركبهم.
وشيخنا مقبل لم يزدد ماله شيئا من وراء عمله العلمي ولا الدعوة إلى الله، وإنما يدفع من ماله لطلبة العلم والدعوة إلى الله.
فهل يستوي مع من أصبح من أصحاب الأموال الطائلة من وراء عمله العلمي، وإخراج الكتب.
وشيخنا مقبل رحمه الله آمر بالمعروف، ناه عن المنكر قوال بالحق من غير مداراة لا يبالي بمن خالفه عندما يظهر الحق.
فهو فيما يراه حقا لا يداهن، ولا يجامل بل ولا يداري، فسبب ذلك له عداوة بعض الناس، وهو مع هذا ظاهره كباطنه لا يمكر بأحد، بل إذا وجد على أحد أظهر كل ما في نفسه، وظهر على وج**.
وطلبته الكثير منهم بل أكثرهم كان سبباً في هدايتهم، فكثير منهم كانوا على بدعة التشيع فهداهم الله بسببه، وتوجهوا لطلب العلم النافع، وبعضهم كانوا مستقيمين ولكنهم لم يكونوا متجهين لطلب العلم النافع، ولا يعرفون الطريق إليه، فجعل الله شيخنا مقبلا سببا في هدايتهم لطريق العلم النافع، فقد انتفع به أقوام كثيرون فجزاه الله خير الجزاء
وهو رجل علم ودعوة من غير إثارة فتن ولا فوضى ولا طلب مناصب ولارياسة ولا شهرة.
وهو رجل علم وعمل، فهو يتعلم ليعمل بعلمه، فما من سنة يتعلمها إلا وهو يبادر بالعمل بها.
وهو رجل وقاف عند نصوص الكتاب والسنة لا يستنكف أن يتراجع عن رأيه إذا رده أحد بنص من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان على رؤوس الأشهاد.
وهو رجل قنوع يرضى بالقليل من أمور الدنيا، أقل شيء منها يكفيه، المهم عنده أن يعيش بين الصحيحين وسائر السنن، وتفسير ابن كثير، وقبل ذلك كتاب الله، وكتب الرجال، وغيرها من كتب العلم.
وهو رجل يصدر بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرده عن قول الحق شيء مهما كلفه، ومهما خسر في ذلك.
وعلى أي حال فهو بشر يصيب ويخطئ، ولكن يكفيه أن صوابه أكثر من خطئه، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الناس كإبل مائة، لاتكاد تجد منها راحلة".
ونحن إذ نشرنا ترجمة الشيخ رحمه الله نريد من ذلك التعريف به، ونرجو منها أيضاً أن تكون حافزاً للشباب لكي يجدوا ويجتهدوا في طلب العلم النافع والعمل به.
أكثر من خمسين مؤلفا منه "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين"، الذي يساوي وحده الدنيا بأسرها، إذ هو تتمة للصحيحين.
من مقبل بن هادي الوداعي؟
يقول الشيخ رحمه الله: أنا مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة - اسم رجل - الهمداني الوادعي الخلالي، من قبيلة آل راشد. وشيباتنا يقولون: أن وادعة من بكيل.
أنا من وادعة التي هي شرق صعدة من وادي دماج، ووادعة في بلاد شتى من البلاد اليمنية، وأكبرها فيما أعلم الساكنون بلواء صعدة، فهم يسكنون بدماج شرقي صعدة، وبصحوة في أعلى دماج تحت جبل براش، وبالدرب، وآل حجاج، والطلول بين شرقي صعدة وجنوبه. وبشمال صعدة الزور، وآل نائل، وآل رطاس، والرزمات في وادي نشور. وبحاشد غربي الصنعانية ويسمون وادعة حاشد لأنهم يسكنون في بلاد حاشد.
ووادعة في نجران في أعلى وادي نجران، ووادعة في ظهران الجنوب.
وقبائل وادعة كغيرهم من القبائل اليمنية التي لم تؤت حقها من التوعية الدينية، وفيهم مجموعة طيبة قدر أربعين شابا ملازمين للدروس سنذكر بعضهم إن شاء الله في جملة الطلاب. وإني أحمد الله، فغالب وادعة الذين هم بجوار صعدة يدافع عني وعن الدعوة، بعضهم بدافع الدين، وبعضهم بدافع التعصب القبلي، ولولا الله ثم هم لما أبقى لنا أعداء الدعوة خصوصا شيعة صعدة عينا ولا أثرا.
وقد ولد الشيخ العلامة رحمه الله سنة 1944 وقد كانت وفاته مع غروب شمس السبت 30 ربيع الآخر 1422هـ/2001م في مدينة جدة بعد رحلة علاجية دامت أكثر من سنة.
12 الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله-.
مولده ونشأته:
ولد الشيخ محمد حامد الفقي بقرية نكلا العنب في سنة 1310هـ الموافق 1892م بمركز شبراخيت مديرية البحيرة.
نشأ في كنف والدين كريمين فوالده الشيخ أحمد عبده الفقي تلقى تعليمه بالأزهر ولكنه لم يكمله لظروف اضطرته لذلك.
أما والدته فقد كانت تحفظ القرآن وتجيد القراءة والكتابة، وبين هذين الوالدين نما وترعرع وحفظ القرن وسنّه وقتذاك اثني عشر عامًا.
ولقد كان والده أثناء تحفيظه القرآن يوضح له معاني الكلمات الغريبة ويعلمه مبادئ الفقه حتى إذا أتَّم حفظ القرآن كان ملمًا إلمامًا خفيفًا بعلومه ومهيأ في الوقت ذاته لتلقي العلوم بالأزهر على الطريقة التي كانت متبعة وقتذاك.
طلبه العلم:
كان والده قد قسم أولاده الكبار على المذاهب الأربعة المشهورة ليدرس كل واحد منهم مذهبًا، فجعل الابن الأكبر مالكيًا، وجعل الثاني حنفيًا، وجعل الثالث شافعيًا، وجعل الرابع وهو الشيخ محمد حامد الفقي حنبليًا.
ودرس كل من الأبناء الثلاثة ما قد حُدد من قبل الوالد ما عدا الابن الرابع فلم يوفق لدراسة ما حدده أبوه فقُبل بالأزهر حنفيًا.
بدأ محمد حامد الفقي دراسته بالأزهر في عام 1322هـ - 1904م وكان الطلبة الصغار وقتذاك يبدؤون دراستهم في الأزهر بعلمين هما: علم الفقه، وعلم النحو.
وكانت الدراسة المقررة كتابًا لا سنوات، فيبدأ الطالب الحنفي في الفقه بدراسة مراقي الفلاح.
ويبدأ في النحو بكتاب الكفراوي وهذان الكتابان هما السنة الأولى الدراسية، ولا ينتقل منها الطالب حتى يتقن فهم الكتابين.
كان آخر كتاب في النحو هو الأشموني أما الفقه، فحسب المذاهب ففي الحنابلة الدليل، وعند الشافعية التحرير، وعند الحنفية الهداية، وعند المالكية الخرشي، أما بقية العلوم الأخرى كالمنطق وعلم الكلام والبلاغة وأصول الفقه فكان الطالب لا يبدأ في شيء منها إلا بعد ثلاث سنوات.
بدأ الشيخ محمد حامد الفقي دراسته في النحو بكتاب الكفراوي وفي الفقه بكتاب مراقي الفلاح وفي سنته الثانية درس كتابي الشيخ خالد في النحو وكتاب منلا مسكين في الفقه ثم بدأ في العلوم الإضافية بالسنة الثالثة، فدرس علم المنطق وفي الرابعة درس علم التوحيد ثم درس في الخامسة مع النحو والفقه علم الصرف وفي السادسة درس علوم البلاغة وفي هذه السنة وهي سنة 1910م بدأ دراسة الحديث والتفسير وكانت سنه وقتذاك ثمانية عشر عاما فتفتح بصره وبصيرته بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسك بسنته لفظًا وروحًا.
بدايات دعوة الشيخ لنشر السنة الصحيحة:
لما أمعن الشيخ في دراسة الحديث على الوجه الصحيح ومطالعة كتب السلف الصحيح والأئمة الكبار أمثال ابن تيمية وابن القيم وابن حجر والإمام أحمد بن حنبل والشاطبي وغيرهم، فدعا إلى التمسك بسنة الرسول الصحيحة والبعد عن البدع ومحدثات الأمور وأن ما حدث لأمة الإسلام بسبب بعدها عن السنة الصحيحة وانتشار البدع والخرافات والمخالفات.
فالتف حوله نفر من إخوانه وزملائه وأحبابه واتخذوه شيخًا لهم وكان سنه عندها ثمانية عشرة عامًا سنة 1910م بعد أن أمضى ست سنوات من دراسته بالأزهر، وهذا دلالة على نبوغ الشيخ المبكر.
وظل يدعو بحماسة من عام 1910م حتى أنه قبل أن يتخرج في الأزهر الشريف عام 1917م دعا زملائه أن يشاركوه ويساعدوه في نشر الدعوة للسنة الصحيحة والتحذير من البدع.
ولكنهم أجابوه: بأن الأمر صعب وأن الناس سوف يرفضون ذلك فأجابهم: أنها دعوة السنة والحق والله ناصرها لا محالة، فلم يجيبوه بشيء.
فأخذ على عاتقه نشر الدعوة وحده والله معه، فتخرج عام 1917 بعد أن نال الشهادة العالمية من الأزهر وهو مستمر في الدعوة وكان عمره عندها 25 سنة.
ثم انقطع منذ تخرجه إلى خدمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وحدثت ثورة 1919م وكان له موقف فيها بأن خروج الاحتلال لا يكون بالمظاهرات التي تخرج فيها النساء متبرجات والرجال ولا تحرر فيها عقيدة الولاء والبراء لله ولرسوله، ولكنه بالرجوع لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وترك ونبذ البدع وإنكاره لمبادئ الثورة "الدين لله والوطن للجميع". "وأن خلع حجاب المرأة من التخلف" وانتهت الثورة وظل على موقفه هذا.
وظل بعد ذلك يدعوا عدة أعوام حتى تهيئت الظروف وتم إشهارها ثمرة هذا المجهود وهو إنشاء جماعة أنصار السنة المحمدية التي هي ثمرة سنوات الدعوة من 1910م إلى 1926م عام إشهارها.
ثم إنشاء مجلة الهدي النبوي وصدر العدد الأول في 1937هـ.
أنشأ جماعة أنصار السنة المحمدية في عام 1345هـ/ 1926م تقريبًا واتخذ لها دارًا بعابدين ولقد حاول كبار موظفي قصر عابدين بكل السبل صد الناس عن مقابلته والاستماع إليه حتى سخَّرُوا له من شرع في قتله ولكن صرخة الحق أصمَّت آذانهم وكلمة الله فلَّت جموعهم وانتصر الإيمان الحق على البدع والأباطيل. (مجلة الشبان المسلمين رجب 1371هـ).
تأسيس مجلة الهدي النبوي:
بعد أن أسس الشيخ رحمه الله جماعة أنصار السنة المحمدية وبعد أن يسر الله له قراءة كتب الإمامين ابن تيمية وابن القيم واستوعب ما فيها ووجد فيها ضالته أسس عام 1356هـ في مارس 1936م صدر العدد الأول من مجلة الهدي لتكون لسان حال جماعته والمعبرة عن عقيدتها والناطقة بمبادئها، وقد تولى رياسة تحريرها فكان من كتاب المجلة على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ أحمد محمد شاكر، الأستاذ محب الدين الخطيب، والشيخ محيي الدين عبد الحميد، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، (أو إمام للحرم المكي)، والشيخ أبو الوفاء محمد درويش، والشيخ صادق عرنوس، والشيخ عبد الرحمن الوكيل، والشيخ خليل هراس، كما كان من كتابها الشيخ محمود شلتوت.
أغراض المجلة:
وقد حدد الشيخ أغراض المجلة فقال في أول عدد صدر فيها:
"وإن من أول أغراض هذه المجلة أن تقدم ما تستطيعه من خدمة ونصح وإرشاد في الشؤون الدينية والأخلاقية، أخذت على نفسها موثقًا من الله أن تنصح فيما تقول وأن تتحرى الحق وأن لا تأخذ إلا ما ثبت بالدليل والحجة والبرهان الصحيح من كتاب الله تعالى وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم" اهـ.
جهاده:
يقول عنه الشيخ عبد الرحمن الوكيل: "لقد ظل إمام التوحيد (في العالم الإسلامي) والدنا الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- أكثر من أربعين عامًا مجاهدًا في سبيل الله، ظل يجالد قوى الشر الباغية في صبر، مارس الغلب على الخطوب واعتاد النصر على الأحداث، وإرادة تزلزل الدنيا حولها، وترجف الأرض من تحتها، فلا تميل عن قصد، ولا تجبن عن غاية، لم يكن يعرف في دعوته هذه الخوف من الناس، أو يلوذ به، إذ كان الخوف من الله آخذا بمجامع قلبه، كان يسمي كل شيء باسمه الذي هو له، فلا يُدهن في القول ولا يداجي ولا يبالي ولا يعرف المجاملة أبدًا في الحق أو الجهر به، إذ كان يسمي المجاملة نفاقًا ومداهنة، ويسمي السكوت عن قول الحق ذلا وجبنا".
عاش رحمه الله للدعوة وحدها قبل أن يعيش لشيء آخر، عاش للجماعة قبل أن يعيش لبيته، كان في دعوته يمثل التطابق التام بين الداعي ودعوته، كان صبورًا جلدًا على الأحداث، نكب في اثنين من أبنائه الثلاث فما رأى الناس معه إلا ما يرون من مؤمن قوي أسلم لله قلبه كله(1) (ada99:16.html#1).
ويقول الشيخ أبو الوفاء درويش: "كان يفسر آيات الكتاب العزيز فيتغلغل في أعماقها ويستخرج منها درر المعاني، ويشبعها بحثًا وفهمًا واستنباطاً، ويوضح ما فيها من الأسرار العميقة والإشارات الدقيقة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة.
ولا يترك كلمة لقائل بعده بعد أن يحيط القارئ أو السامع علما بالفقه اللغوي للكلمات وأصولها وتاريخ استعمالها فيكون الفهم أتم والعلم أكمل وأشمل".
قلت: لقد كانت آخر آية فسرها قوله تبارك وتعالى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء:11].
وقد فسرها رحمه الله في عدد 6 و 7 لسنة 1378هـ في حوالي 22 صفحة.
إنتاجه:
إن المكتبة العربية لتعتز بما زودها به من كتب قيمة مما ألف ومما نشر ومما صحح ومما راجع ومما علق وشرح من الإمام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
وكما كان الشيخ محبًا لابن تيمية وابن القيم فقد جمعت تلك المحبة لهذين الإمامين الجليلين بينه وبين الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر، وكذلك جمعت بينه وبينه الشيخ شلتوت الذي جاهر بمثل ما جاهر به الشيخ حامد.
ومن جهوده كذلك قيامه بتحقيق العديد من الكتب القيمة نذكر منها ما يأتي:
1- اقتضاء الصراط المستقيم.
2- مجموعة رسائل.
3- القواعد النورانية الفقهية.
4- المسائل الماردينية.
5- المنتقى من أخبار المصطفى.
6- موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، حققه بالاشتراك مع محمد محي الدين عبد الحميد.
7- نفائس تشمل أربع رسائل منها الرسالة التدمرية.
8- والحموية الكبرى.
وهذه الكتب جميعها لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن كتب الشيخ ابن القيم التي قام بتحقيقها نذكر:
9- إغاثة اللفهان.
10- المنار المنيف.
11- مدارج السالكين.
12- رسالة في أحكام الغناء.
13- التفسير القيم.
14- رسالة في أمراض القلوب.
15- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
كما حقق كتب أخرى لمؤلفين آخرين من هذه الكتب:
16- فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن آل شيخ.
17- بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني.
18- جامع الأصول من أحاديث الرسول.
19- لابن الأثير.
20- الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية لعلي بن محمد بن عباس الدمشقي.
21- الأموال لابن سلام الهروي.
22- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل لعلاء الدين بن الحسن المرادي.
23- جواهر العقود ومعين القضاة.
24- والموقعين والشهود للسيوطي.
25- رد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
26- شرح الكوكب المنير.
27- اختصار ابن النجار.
28- الشريعة للآجري.
29- العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لمحمد ابن أحمد بن عبد الهادي.
30- القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية لابن اللحام.
31- مختصر سنن أبي داود للمنذري حققه بالاشتراك مع أحمد شاكر.
32- معارج الألباب في مناهج الحق والصواب لحسن بن مهدي.
33- تيسير الوصول إلى جامع الأصول لابن الربيع الشيباني.
34- العقود، (لشيخ الإسلام)، [تحقيق، بمشاركة: الشيخ: محمد ناصر الدين الالبانى رحمه الله، (ط)].
كما جاء في تقديم الشيخ محمد حامد الفقي ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ للكتاب ..
مصير هذا التراث:
هذا قليل من كثير مما قام به الشيخ محمد حامد الفقي فيما مجال التحقيق وخدمة التراث الإسلامي وهذا التراث الذي تركه الشيخ إذ أن جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت قد جمعت كل هذا التراث.
وقد جاء في نشرتها (أخبار التراث الإسلامي) العدد الرابع عشر 1408هـ 1988م أنها اشترت خزانة الشيخ محمد حامد الفقي كاملةً مخطوطتها ومصورتها وكتبها وكتيباتها وقد أحصيت هذه تلك المحتويات على النحو التالي:
1- 2000 كتاب.
2- 70 مخطوطة أصلية.
3- مائة مخطوطة مصورة على ورق.
وفاته:
توفي رحمه الله فجر الجمعة 7 رجب 1378هـ الموافق 16 يناير 1959م على إثر عملية جراحية أجراها بمستشفى العجوزة، وبعد أن نجحت العملية أصيب بنزيف حاد وعندما اقترب أجله طلب ماء للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها، وبعد ذلك طلب من إخوانه أن ينقل إلى دار الجماعة حيث توفى بها، وقد نعاه رؤساء وعلماء من الدول الإسلامية والعربية، وحضر جنازته واشترك في تشيعها من أصحاب الفضيلة وزير الأوقاف والشيخ عبد الرحمن تاج، والشيخ محمد الحسن، والشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، والشيخ أحمد حسين، وجميع مشايخ كليات الأزهر وأساتذتها وعلمائها، وقضاة المحاكم.
أبناؤه:
الطاهر محمد الفقي، وسيد أحمد الفقي، ومحمد الطيب الفقي وهو الوحيد الذي عاش بعد وفاة والده.
فجزاه الله خير الجزاء.
فرحم الله هذا العالم الفقيه النحرير، وأن يبدلنا من هو خيرا منه، إنه ولى ذلك والقادر عليه. هامـــش:
(1) هما الظاهر، وسيد، وقد توفي الأول وأبوه في رحلة الحج، وأما الثاني فقد مات فجر الجمعة ذي القعدة عام 1377هـ فخطب الشيخ الجمعة بالناس ووعظهم وطلب منهم البقاء على أماكنهم حتى يصلوا على أخيهم.
مصدر الترجمة منقول من مجلة أنصار السنة المحمدية - مصر
13 الشيخ تقى الدين الهلالى
هو العالم المغربي والعلامة اللغـوي الشـــيخ الدكتــور محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي، وكنيته "أبو شكيب"، حيث سمى أول ولد له على اسم صديقه الأمير شكيب أرسلان.
ولد الهلالي في قرية "الفرخ" من بادية سجلماسة في المغرب عام 1311هـ، التي هاجر إليها أجداده من "القيروان" في تونس في القرن التاسع الهجري.
وكانت الأسرة أسرة علم، حيث كان والده وجده من العلماء الفقهاء المعروفين.
وقد قرأ على والده، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم سافر إلى الجزائر لطلب الرزق عام 1333هـ، فقصد الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي وبقي يتعلم في مدرسته سبع سنين، ثم توفي شيخه الشنقيطي عام 1338هـ، وكان من أفضل العلماء في الزهد والتقوى ومكارم الأخلاق.
وفي عام 1340هـ عاد الهلالي إلى المغرب حيث حضر بعض الدروس على العلماء في مدينة "فاس"، وكان من شيوخه الذين تلقى العلم على أيديهم الشيخ الفاطمي الشراوي، والشيخ محمد العربي العلوي، والشيخ أحمد سوكيرج، كما حصل على شهادة من جامع القرويين.
وبعد ذلك سافر الهلالي إلى القاهرة حيث التقى بالشيخ محمد رشيد رضا وبعض العلماء السلفيين، أمثال: الشيخ محمد الرمالي، والشيخ عبدالعزيز الخولي، والشيخ عبدالظاهر أبو السح، والشيخ محمدعبد الرزاق، والشيخ محمد أبو زيد، وغيرهم من العلماء بمصر، كما حضر دروس القسم العالي بالأزهر.
ومن مصر توجه إلى الحج، ثم إلى الهند، حيث اجتمع بعلماء أهل الحديث وأخذ العلم عن الشيخ عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري، وهو أفضل علماء الهند في ذلك الزمان.
ومن الهند توجه إلى "الزبير" في العراق، حيث التقى العالم الموريتاني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، مؤسس مدرسة النجاة الأهلية بالزبير، وتزوج ابنته، ومن الزبير سافر إلى مصر، ثم إلى المملكة العربية السعودية، حيث أعطاه السيد محمد رشيد رضا توصية وتعريفاً إلى الملك عبدالعزيز آل سعود قال فيها: "إن محمد تقي الدين الهلالي المغربي أفضل من جاءكم من علماء الآفاق، فأرجو أن تستفيدوا من علمه".
في ضيافة الملك عبدالعزيز ..
فأقام الهلالي في ضيافة الملك عبدالعزيز آل سعود بضعة أشهر، ثم عُين مراقباً للتدريس في المسجد النبوي، وبعد سنتين نقل إلى المسجد الحرام والمعهد السعودي بمكة المكرمة لمدة سنة، ثم جاءته رسائل من إندونيسيا ومن الهند، وكلها تطلبه للتدريس في مدارسها، فاستجاب لدعوة السيد سليمان الندوي بالهند، وصار رئيس أساتذة الأدب العربي في كلية ندوة العلماء في مدينة لكنهو بالهند، حيث بقي ثلاث سنوات تعلم فيها الإنجليزية، وأصدر باقتراح من الشيخ سليمان الندوي وبمساعدة تلميذه الطالب مسعود عالم الندوي مجلة "الضياء"، ثم عاد إلى الزبير حيث عمل مدرساً بمدرسة النجاة الأهلية التي أسسها الشيخ الشنقيطي والد زوجته.
وبعد ثلاث سنوات سافر إلى مدينة جنيف في سويسرا، ونزل عند الأمير شكيب أرسلان الذي كتب له توصية إلى أحد أصدقائه في وزارة الخارجية الألمانية في برلين قال فيها: "عندي شاب مغربي أديب ما دخل ألمانيا مثله، وهو يريد أن يدرِّس في إحدى الجامعـات، فعسى أن تجدوا له مكاناً لتدريس الأدب العربي براتب يستعين به على الدراسة".
وسرعان ما جاء الجواب بالقبول، حيث سافر الهلالي إلى ألمانيا وعُين محاضراً في جامعة "بون" وشرع يتعلم اللغة الألمانية، حيث حصل على دبلومها بعد عام، ثم صار طالباً بالجامعة مع كونه محاضراً فيها، وفي تلك الفترة ترجم الكثير من الألمانية وإليها، وبعد ثلاث سنوات في بون انتقل إلى جامعة برلين طالباً ومحاضراً ومشرفاً على الإذاعة العربية 1939م، وفي 1940م قدَّم رسالة الدكتوراه، حيث فنَّد فيها مزاعم المستشرقين أمثال: مارتن هارثمن، وكارل بروكلمان، وكان موضوع رسالة الدكتوراه "ترجمة مقدمة كتاب الجماهر من الجواهر مع تعليقات عليها"، وكان مجلس الامتحان والمناقشة من عشرة من العلماء، وقد وافقوا بالإجماع على منحه شهادة الدكتوراه.
مراسـل صحفي
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية سافر إلى المغرب بتكليف من سماحة الحاج محمد أمين الحسيني في مهمة سياسية، حيث زوّده السفير المغربي عبدالخالق الطريسي بجواز سفر على أنه من أهالي "تطوان" التي تقع تحت الحماية الإسبانية حيث أقام خمس سنوات.
ويروي الأستاذ محمد المجذوب في كتابه القيم "علماء ومفكرون عرفتهم" على لسان الدكتور الهلالي أنه تلقى في فترة إقامته بتطوان خطاباً من الشيخ حسن البنا ـ المرشد العام للإخوان المسلمين ـ يقول فيه:
"لنا مكاتبون ومراسلون من جميع أنحاء العالم الإسلامي إلا المغرب، فأرجو منك أن تبحث لنا عن مراسل، وتخبرنا بقدر المكافأة التي يتطلبها عن كل مقال يرسله إلى صحيفة الإخوان المسلمين، وإن قدرتَ أنت أن تقوم بهذا الأمر فهو أحبُّ إلينا...".
يقول د.الهلالي: فقبلتُ الطلب، وبدأتُ أراسل صحيفة الإخوان المسلمين سراً بواسطة البريد الإنجليزي في تطوان، ولكن الإسبانيين كانوا قد اتفقوا مع أحد الموظفين المغاربة في البريد الإنجليزي أنه متى رأى رسالة أو مقالاً لا يذكرهم بخير، ينسخ لهم نسخة منه، ويعطونه مكافأة عظيمة على كل رسالة أو مقال، فأطلعهم هذا الموظف على جميع المقالات التي أرسلتها إلى صحيفة الإخوان المسلمين، فقبضوا عليَّ وزجوني في السجن، ولم يوجهوا إليَّ أي اتهام، وبقيت ثلاثة أيام، فاحتج أهل المدينة وأذاعت محطة لندن باللهجة المغربية هذه الحادثة والاحتجاج فأطلقوا سراحي.
وفي 1947م سافر الشيخ الهلالي إلى العراق، حيث قام بالتدريس في كلية الملكة عالية ببغداد وبقي إلى 1958م حيث قام الانقلاب العسكري في العراق، فغادرها عام 1959م إلى المغرب حيث عمل أستاذاً في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، وفي 1968م تلقى دعوة من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للعمل أستاذاً بالجامعة منتدباً من المغرب وبقي يعمل إلى 1974م حيث ترك الجامعة وتفرغ للدعوة بالمغرب.
وكانت بداية معرفتي بأستاذنا محمد تقي الدين الهلالي من خلال ما كنت أسمعه عنه من العم محمد السليمان العقيل الذي كان من أعز أصدقائه، ثم قرأت له في مجلة "الإخوان المسلمون" عام 1946م قصيدة عصماء يندد فيها بالاستعمار الفرنسي، ولا يحضرني منها الآن سوى مطلعها..
أعادي فرنسا ما حييتُ وإن أمت فأوصي أحبائي يعادونها بعدي
فازداد حبي له، وتشوَّقتُ للاتصال به فراسلته في "تطوان" على عنوان المجلة "لسان الدين" التي كان يصدرها بالتعاون مع الشيخ عبدالله كنون كبير علماء المغرب، وكانت أعدادها تصل إلى مكتب العم محمد العقيل، وقد سُمِّيت المجلة بهذا الاسم تيمناً باسم لسان الدين بن الخطيب الأندلسي، ومن ذلك الوقت توثقت صلتي بالشيخ الهلالي، فلما قدم إلى العراق واستقر بها، زرته في بيته ببغداد أكثر من مرة، حيث استفدت من علمه، وفي سنة 1948م جاءتني رسالة منه في بغداد يوصيني بالشيخ مسعود عالم الندوي ورفيقه محمد عاصم الحداد اللذين يزوران العراق بتكليف من السيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان، حيث سعدنا بهما في البصرة والزبير، وقد بذلت مع إخواني عبدالله الرابح وعبدالعزيز الربيعة وعمر الدايل مانستطيع من جهد لمساعدتهما في مهمتهما، ومن خلالهما اطلعنا على مؤلفات المودودي وعرفنا الكثير عن الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان.
يحدثنا العم محمد السليمان العقيل عن صديقه الهلالي فيقول: كانت صلتي بالهلالي قديمة منذ قدم الزبير، وكانت لنا معه لقاءات يشارك في بعضها الشيخ ناصر الأحمر والشيخ عذبي الصباح والشيخ جاسم اليعقوب، وهو عالم فاضل متمكن من علمه وأديب شاعر فحل.
ويروي لنا الهلالي عن صديقه محمد العقيل فيقول: كان أبوقاسم مبتدئاً بالعمل التجاري، فوعدني أنه إذا فتح الله عليه واتسعت تجارته فلن يتخلى عني، وكان ذلك أوائل الثلاثينيات الميلادية، ولما عدت إلى العراق سنة 1947م بعد غربة طويلة، ذكَّرته بوعده، وطلبت منه المساعدة لشراء بيت لسكناي ببغداد وكان ذلك من خلال قصيدة نظمتها وأرسلتها له فكانت استجابته سريعة ووفى بوعده جزاه الله خيراً.
وأنا لايحضرني من قصيدة الهلالي سوى مطلعها:
أبا قاسم قد جئتُ أستنجز الذي وعدت به قدماً وأنت كريمُ
أعيذك بالرحمن من شرِّ مارد يزين لك الإخلافَ وهو ذميم
ويحدثنا بعض الطلبة الذين درسوا على يده في مدرسة النجاة الأهلية في الزبير أنه رجل عالم، ومدرس فاهم، ومرب حازم، غزير الإنتاج، وافر العطاء، شديد الملاحظة للأخطاء اللغوية، فلا يتساهل فيها، كما يروون شدته وحزمه مع الطلاب ومحاسبته لهم، إذا ما قصّروا في أداء الواجبات، حتى أن بعض الطلاب الكسالى يتربصون به في الطريق ويقذفون الحجارة ثم يهربون ولا يعرفهم أحد، فضاق بهم ذرعاً وكتب مقالاً يهاجمهم وأولياء أمورهم في جريدة "السجل" لصاحبها طه الفياض وعنوان المقال "أعيلان أم غيلان؟" وقد أحدث هذا المقال ضجة حملت أولياء الأمور على مراقبة أبنائهم وتأديبهم وإلزامهم الانتظام في الدراسة واحترام المدرسين.
أفكاره: التزم الشيخ الهلالي بالمنهج السلفي وصار من دعاته النشيطين، و كان متفتحاً غير متزمت ومجتهداً غير مقلد، وقد أكسبته الأسفار الكثيرة إلى البلاد العربية والهند وسويسرا وألمانيا، ولقاؤه العلماء في العالم العربي والإسلامي، صفات العالم العامل والداعية الواعي، والمصلح الحكيم والمجاهد الصادق، وكان منهجه في التعليم والتربية، الحرص على غرس التوحيد، والالتزام بالأركان والعمل بالأصول، والبعد عن مواطن الخلاف في الفروع، والاستفادة مما لدى الغرب من تقدم علمي، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
وفي فترة وجوده بالمدينة المنورة أستاذاً بالجامعة الإسلامية كنت أزوره حين حضوري لاجتماعات المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة حيث كنت عضواً فيه، ونغترف من فيض علمه ومعارفه ونتدارس معه أوضاع المسلمين في كل مكان، وسبل النهوض بهم، ومهمة الدعاة إلى الله وضرورة صبرهم وثباتهم على ما يلقونه لأن المهمة شاقة والطريق طويل وقد حفَّت الجنة بالمكاره وحفَّت النار بالشهوات.
كما أنه شرفني في بيتي بالكويت حين زارها أواخر السبعينيات الميلادية، حيث تناولت أحاديثه ذكرياته في الزبير والهند وألمانيا والمغرب.
وشاعر أيضاً؟
والدكتور الهلالي له قصائد كثيرة في مناسبات عديدة ولكنها تحتاج إلى جمع وتوثيق للزمان والمكان والمناسبة التي قيلت فيها ونرجو أن يضطلع بذلك تلامذته وأحبابه في المغرب، أمثال الأخ الدكتور عبدالسلام الهراس وإخوانه.
قال قصيدة في تحية الزعيم المغربي عبدالخالق الطريس سنة 1356هـ نقتطف منها الأبيات التالية:
سنا الحرية الغراء لاحا فصيَّر حندس الظلما صباحا
وأحيا ميِّت الآمال لما أهاب بنا إلى العليا وصاحا
سلاح الحق لايخشى فلولاً ويلقى من يصول به النجاحا
تحارب باغياً وتميتُ جهلاً ونور العلم تجعله السلاحا
فيصبح قومك الأموات أحيا وتنشرح الصدور لك انشراحا
وتنهض بالبلاد إلى المعالي وتفتتح الطريق لها افتتاحاً
وتبدل ضيمها عزاً وفخراً وتملؤها ابتهاجاً وارتياحا
وقال في قصيدة يُحيي الزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني أذيعت في محطة برلين سنة 1941م:
يا مقبلاً من غزوه متأهباً للقاء أخرى ليس بالمتواني
تهديك وثبتك العظيمة أنها فجر الجهاد وأول الفرقان
لك في قلوب العرب حب صادق ومكانة جلَّت عن التبيان
وبكل أرض رفعة وجلالة في الناء من أرجائها والداني
الفضل فيك سجية موروثة عن جدك المختار من عدنان
ومن قصيدة نظمها في انتقاد أخلاق بعض الموظفين الكسالى وترفعهم عن الناس وتأخير معاملاتهم نقتطف منها:
بلدة أصبح الموظف فيها جالساً في السماء فوق السحاب
حالة تضحك العدو وتبكي بدماء معاشر الأحباب
أبهذي الأخلاق يرجع مجد ضاع منكم في غابر الأحقاب
فإلى الله نشتكي من زمان فاسد جاءنا بكل عجاب
وحين سأل الأستاذ المجذوب الشيخ الهلالي عن أحب العلوم إليه أجاب: "أحبها إليَّ علوم الحديث وعلوم القرآن لأني أحب اتباع الكتاب والسنة وأكره مخالفتهما، ثم علم النحو وسائر علوم الأدب، ثم علم اللغات".
مؤلفاتـــه:
وللشيخ الهلالي مؤلفات كثيرة ما بين صغير وكبير ومن أهمها:
الزند الواري والبدر الساري في شرح صحيح البخاري (المجلد الأول فقط).
الإلهام والإنعام في سورة الأنعام.
الإسفار عن الحق في مسألة السفور والحجاب.
القاضي العدل في حكم البناء على القبور.
الأنوار المتبعة في تحقيق سنة الجمعة.
قبسة من أنوار الوحي.
الصبح السافر في حكم صلاة المسافر.
العلم المأثور والعلم المشهور واللواء المنشور في بدع القبور.
آل البيت ما لهم وما عليهم.
أحكام الخُلع في الإسلام .
حاشية على كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب.
مختصر هدي الخليل في العقائد وعبادة الجليل.
حاشية على كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب.
أهل الحديث.
الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق.
دليل الحاج إلى مناسك الحج.
العقود الدرية في منع تحديد الذرية.
دواء الشاكين وقامع المشككين في الرد على الملحدين.
البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية وبريء من الألوهية.
فكاك الأسير العاني المكبول بالكبل التيجاني.
سب القاديانيين للإسلام والرد عليهم.
الرجعية والتقدم.
تقويم اللسانين.
رحلة من الزبير إلى جنيف.
رحلة إلى درعة بالمغرب.
من يرافقني إلى برلين؟.
الهاديات.
حواشي شتى على إنجيل متى.
الصديقات الثلاث (قصة).
تاريخ اللغة السامية.
رحلة إلى ألمانيا.
الطبقات عند العر.
تمثيليات طيف الخيال لمحمد بن دانيال.
الجماهر في الجواهر (رسالة الدكتوراه).
مدنية العرب في الأندلس (مترجم عن الإنجليزية).
كتاب البلدان لمحمد بن الفقيه البغدادي (مترجم إلى الألمانية) بالاشتراك.
لسان الدين (المجلد الأول) .
المجلة التي كان يصدرها بتطوان.
فضل الكبير المتعالي (ديوان شعر محمد تقي الدين الهلالي).
والهلالي كان من المواظبين على الكتابة في مجلة (الفتح) لمحب الدين الخطيب، ومجلة (المنار) لمحمد رشيد رضا.
كما أن له محاضرات ودروساً وندوات وأحاديث ومقالات وبحوث لا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة، لأنها في موضوعات عدة، وبلدان متفرقة، وأزمان مختلفة.
حدثني الأخوان عمر الدايل وعبدالعزيز الناصر عن الشيخ الهلالي ـ حين زاراه في بيته بالمدينة المنورة ـ عن موقف من مواقفه، قال الشيخ الهلالي: كنت إمام المسجد الذي بناه الحاج مصطفى الإبراهيم في منطقة الدورة بالبصرة، وفي مرة تأخر الحاج مصطفى عن موعد الصلاة، فأقيمت وصليت بالناس دون انتظاره، وبعد الصلاة عاتبني كيف تقام الصلاة قبل حضوره، فأجبته أن وقت المغرب قصير، ولا يصح التأخير، فقال الحاج مصطفى الإبراهيم: ألا تعلم ياشيخ تقي الدين أنني أملك نصف منطقة الدورة؟ فأجبته وأنا أملك النصف الآخر، وأنا إمام المسجد!! وتأزم الموقف وغادرت المنطقة ولم أعد.
إن أستاذنا الشيخ الهلالي علم من أعلام الإسلام، ومجاهد من المجاهدين العظام، كانت له آثار في كل مكان زاره أو استقر فيه، وله من الطلاب والمحبين آلاف مؤلفة في أنحاء العالم الإسلامي، ولقد تزوج حين كان في ألمانيا بمسلمة ألمانية وله منها ولد، كما تزوج في المغرب من مغربية وله منها أولاد بالإضافة لزوجته الأولى أم شكيب التي لها منه ولد وبنت.
وقد وافته المنية في منزله بالدار البيضاء بالمغرب يوم الإثنين 25 شوال 1407هـ الموافق 22 يونيو 1987م وشيع جنازته جمهور كبير من العلماء والمفكرين والمثقفين والسياسيين.
نسأل الله أن يتغمده برحمته ورضوانه وأن يدخلنا وإياه في جنته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فائدة:
سمعت من الشيخ صالح آل الشيخ أن الدكتور تقي الدين الهلالي قد قرأ على الشيخ محمد بن إبراهيم كتاب التوحيد.
وأن الشيخ محمد بن إبراهيم قرأ على الدكتور تقي الدين الهلالي متنا في البلاغة.
هل كان العلامة تقي الدين الهلالي متأثراً بالغرب؟
بقلم تلميذه الشيخ/ أحمد بن محمد الحمزاوي *
ضمني وإخوة أجلاء مجلس مبارك تجاذبنا فيه أطراف الحديث، فجرى ذكر مجدد الدعوة السلفية في المغرب وناصرها، ومحيي معالم السنة بعد اندثارها، وقامع البدع والخرافات وقاهرها، لسان أهل السنة وخطيبهم، وكاتب أصحاب الحديث وشاعرهم، الإمام العلامة الشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي تغمده الله بواسع رحمته.
فأخبرني بعض الحاضرين أن شخصا من المغرب يشيع بين المشايخ وطلبة العلم، أن العلامة الهلالي رحمه الله كان معجبا بالمدنية الغربية وأصحابها، ومتأثرا بالحضارة الأوروبية وأفكارها، فتملكني العجب، لا من سوء الفرية، وقبح البهتان، فمثل الشيخ العلامة في جهاده، وإصلاحه، ودعوته، وذبه عن عقيدة السلف وأهلها، وذوده عن حياض السنة وآلها، وانبرائه لصد ما يخالف شرع الله تعالى بلسان سحبان فصاحة وبيانا، وقلم ابن قتيبة سلاسة وبرهانا، وشعر حسان جزالة وإتقانا عرضة لأن ينفس المبتدعون والخرافيون والصوفيون والقبوريون عن غيظهم بالطعن فيه بعد موته والحي قد يغلب ألف ميت أما في حياته، فقد أسكت والله أصواتهم، وألجم ألسنتهم، وكمم أفوا**م، وقلم أظفار أقلامهم, لكن سبب عجبي أن مختلق الإفك، ومشيع الكذب من المنتسبين الى منهج أهل السنة والجماعة الذي أحياه الشيخ الهلالي، وذاد عنه قرابة ثمانين عاما في مشارق الأرض ومغاربها، ويبلغ العجب منتهاه، والاستغراب مداه، أن الذي تولى كبر هذه الفرية، وباء بإثم نشرها، ممن طوق العلامة الهلالي أعناقهم بمعروفه، وغمرهم بإحسانه، فهو الذي أرشده إلى طريق العلم، ويسر له سبل المعرفة، فكان كما قيل: (أحشك وتروثني)..
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني
مع أن النفوس السوية، والفطر السليمة تأبى أن تقابل المعروف إلا بالمكافأة والشكران، وأن تجزي الإحسان إلا بالإحسان، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}، وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن حبان: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس", وقد استند هذا الرجل في دعواه وافتئاته على أمرين:
أولهما: أن الشيخ العلامة الهلالي درس في أوروبا، ونال شهادته منها.
الثاني: أنه رحمه الله كان يذكر في دروسه، وكتاباته ما رآه من تمسك بعض الأوروبيين بجملة من محمود الصفات، وتحليهم ببعض الأخلاق الحسنة كترك الفضول، وحسن الإنصات للمناقش، والمحافظة على المواعيد، والحرص على عدم إضاعة الأوقات، والجد في العلوم الدنيوية، مما أوصلهم إلى ما هم فيه من التقدم المادي الدنيوي، حتى أصبح المسلمون يحتاجون إلى صناعاتهم من الإبرة الى الطائرة.
ودونك أخي الكريم حقيقة الأمر وجلية المسألة، لتعلم ما في كلام الرجل من التدليس والتلبيس..
أولاً: أن الشيخ رحمه الله بين بنفسه سبب سفره إلى أوروبا، وعلة سعيه في الحصول على الشهادة، فقال: وإنما سافرت إلى أوروبا بعد سن الأربعين، للحصول على شهادة جامعية تمكنني من الدخول الى الجامعات في البلاد الآسيوية والإفريقية، لنشر الدعوة بين المعلمين والمتعلمين، لأن الآسيويين والأفريقيين قد غلوا في تعظيم الشهادات العالية، وأصحابها، حتى صارت عندهم كل شيء، فمن حصل عليها صار حديثه مقبولاً، وصار في نظرهم عالما، ولو كان أجهل من حمار أهله، صيانة العرض ص 33.
وهذا الكلام من وضوح المغزى ونبل المقصد بحيث لا يحتاج الى تعليق وقد صرح في موضع آخر بأن الإقامة في أوروبا إنما تكون للضرورة فقد كاتبه الاستاذ عبداللطيف أبو السمح فكان مما قاله: "وأسأله تعالى أن يجمعنا بكم في أوروبا كما جمعنا في إفريقيا ثم آسيا", فأجابه العلامة الهلالي من قلب أوروبا قائلا:
"وما رجوته من الاجتماع هو بغيتي وسؤالي إلا أنني أخالفك في موضعه فأتمنى أن يكون في مصر في خير وسلامة فهي أحب إلي من أوروبا، ولا أظن أن العاقل يستحب الإقامة في أوروبا إلا للضرورة وبقدرها".
إلى أن قال:
"ولا أنكر أن هنا في أوروبة علوما نافعة لأهل الشرق، ولا أجحد أن بعض من يرحل الى أوروبة من الطلبة فيهم شهامة ونجابة، والذي أنكره هو أنه ليس كل الطلبة الآتين هذه الديار لطلب العلم هم في الحقيقة طلاب علم، وأنهم يرجعون الى الشرق بما ينفع أوطانهم، أو على الأقل لا يضرها، ومنذ جئت الى أوروبة، وخبرت أحوال طلبة العلم أسفت أسفا شديداً، إذ لم يكن لي حول ولا قوة لإصلاح الحال, فإن قلت: وماذا تصنع لو كان لك حول وقوة؟ فالجواب: لو كان لي مثلا مال فاضل وهو أحد أنواع الحول لما اقتصرت في النصيحة على تصديع القراء بمثل هذه المقالات الفارغة، بل أجبت بالعمل، وذلك أني أرجع الى الشرق، وألقي بصري على طلبة العلم، ومتى رأيت منهم من جزمت لي فراستي وأظنها قلما تخطئ في هذا الباب دعوته واختبرته، وعرفت العلم الذي هو متأهل له, فقلت له: تهيأ للسفر وجهزته وبعثته، فإذا أتم دراسته ورجع يعمل عملا حرا أو حكوميا مضاداً أشد المضادة لما يعمل المزورون الملبسون، فإذا رأى الشعب والحكومة الفرق بينه وبين أولئك المحتالين، عرفوا الحقيقة، واحتاطوا في إرسال الطلبة، وتدرجوا في إصلاح هذا الباب الى أن يصلوا إلى الصواب، وهو إرسال الطلبة حسبما تقتضيه حاجة البلاد، لا حسب شهوة المرسلين أو المرسلين" انظر مجلة الفتح العدد 811 ص 13.
فتأمل أخي الكريم هذه الجواهر واللآلىء بعين الإنصاف، وزنها بميزان العقل، تجد أن الشيخ العلامة قد طبق المفصل، وأصاب كبد الحقيقة، وأن ذلك لا يصدر إلا من أصيل الرأي، ثاقب النظر، سديد الرأي لا عن مقلد للغرب متأثر به، كما يزعم ذلك الرجل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما على الحكومات العربية والإسلامية إلا أن تبحث في سبل تطبيق هذه النظرية العلمية العظيمة، وآلات تحقيقها..
فهذا الحق ليس به خفاء فدع عني بنيات الطريق
ويقول رحمه الله وهو في ألمانيا: "وأنا من أهم الأمور التي دعتني للإقامة في أوروبة إبطال دعاوى المتفرنجين، وفضح أحوالهم، وهتك أستارهم، وإتيان بيوتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت من القواعد، {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} حرر في بن جرمانية: 25 رجب 1357هـ"
لم أعرف عن أحد من الشدة والغلظة والإنكار على المتفرنجين والعلمانيين مثل ما عرفته عن الشيخ الهلالي رحمه الله وفي قوله السابق ما ينبئ عن شيء قليل من ذلك، فهل يقول بعد ذلك عاقل يعي ما يقول: إن الشيخ متأثر بالغربيين؟؟
ثانياً : ما شغب به صاحبنا من كون الشيخ العلامة كان يمثل ببعض الأوروبيين في تمسكهم بجملة من محمود الأخلاق، كما أسلفنا، فهذا الرجل إما أن يكون قد أتى من فهم سقيم وفكر مريض فالتبس عليه الأمر كما قيل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وهذا أمر بعيد الاحتمال، وإما أن يكون قد بلغ به الحقد إلى حد محاولة إخفاء شمس الحقيقة، واختلاق الأكاذيب، كما قيل:
إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
وإلا فإن كل من جالس الشيخ العلامة رحمه الله أو أخذ عنه، أو استمع إليه، أو قرأ له يعلم يقينا أن الشيخ كان من أشد الناس إنكارا على من يخل بمكارم الأخلاق، أو يتهاون في التمسك بآداب الإسلام، وكان يقول: إن من أسباب تخلف المسلمين تركهم لتلك الأخلاق والآداب، ويدلل على ذلك بأن الأوروبيين والغربيين ما وصلوا الى ما وصلوا إليه من العلوم الدنيوية، إلا بأخذهم بجزء مما جاء به الإسلام، وحث عليه من الجد في العمل، وعدم إضاعة الوقت، وغير ذلك.
قال رحمه الله في مقال له بعنوان: "كيف كانت عقولهم؟" نشر في الفتح العدد 281 ص9:
"لئن خسر الأوروبيون في غزوات فلسطين لقد ربحوا ربحا عظيما، ونالوا ما هو خير لهم في ذلك الزمان من فتح مصر والشام والعراق, كانت صفقتهم رابحة وصفقتنا خاسرة، ذلك بأنه وقعت بيننا وبينهم مبادلة علمية خلقية، إذ أخذوا منا جانبا من العلم والأخلاق التي كان بها سعودنا وصعودنا، وأخذنا منهم قسطا وافرا من الجهل والأخلاق التي كانت سبب شقائهم وهبوطهم".
ويقول في آخر المقال: "فمن أين يا ترى جاءتنا هذه العقيدة، عقيدة المحاربة بالقوى الخفية؟ لا شك أنها بضاعة أوروبية من بضائع أولئك القسيسين الذين قدموا الصبيان الفرنسيين لحتفهم, وكيف تبدلت عقول الأوروبيين، وانتقلت من تلك الدركة السفلى، فارتفعت الى ما هي عليه الآن من معرفة سنن الكون، وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا، من تلك الحروب الصليبية التي أفهمت الاوروبيين جهلهم وانحطاطهم، فبادروا الى درس العلوم المحمدية، والحضارة العربية، وثابروا على ذلك إلى أن بلغوا ما بلغوا، ومن سلك الجدد أمن العثار".
فانظر رحمك الله إلى عظيم قدر الأخلاق، وكبير منزلة العلوم المحمدية عند العلامة المفكر رحمه الله فقد جعل ما ظفر به الصليبيون من علوم المسلمين وأخلاقهم نصرا حقيقيا وإن انهزموا في ميادين الحرب لأنه كان السبب في نهضتهم وقوتهم المادية، كما جعل ما تلقفه المسلمون من جهل الأوروبيين ومساوئ أخلاقهم انهزاما حقيقيا وإن انتصروا في المعارك لأنه كان سبب انحطاطهم وتخلفهم.
وقوله رحمه الله: "وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا" بيان لما أخذه الأوروبيون من الأخذ بالأسباب، أما التوكل على الله مسبب الأسباب، فهذا جانب عقدي لم يأخذه الأوروبيون، فلم يذكره، وذلك بيّن واضح.
ثم بعد هذا، أيقال في حق مثل هذا الإمام العلامة، وهو الداعية الصادع بالحق المعلن أن ما أصاب المسلمين من ضعف ووهن، سببه ترك تعاليم دينهم وأخلاق شريعتهم إلى خزعبلات الأوروبيين وخرافاتهم: إنه متأثر بالفكر الغربي والحضارة الأوروبية؟! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!!
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم
وقد وقفتك أخي المنصف على نزر ضئيل من فكر الشيخ الإمام في تنظير التعامل مع الغرب، وانبلج الصبح لذي عينين، وعسى الله أن ييسر لنا إتمام هذا الموضوع وغيره بأوسع من هذا.
14 العلامه محمد الامين الشنقيطى
أولاً التعريف بالمؤلف:
اسمه ونسبه:
هو محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، ولد رحمه الله بالقطر المسمى شنقيط من دولة موريتانيا، وكان مولده في عام 1325هـ / 1905م.
نشأته وطلبه للعلم:
نشأ رحمه الله يتيما فقد توفي أبوه وهو صغير يقرأ في جزء "عم" فنشأ في بيت أخواله، وكان بيت علم، فحفظ القرآن على يد خاله، وعمره عشر سنوات، وتعلم رسم المصحف على يد ابن خاله، وقرأ عليه كذلك التجويد.
وأخذ الأدب وعلوم اللغة على يد زوجة خاله، فكانت مدرسته الأولى بيت خالته، فنعم البيت كان.
أما بقية الفنون فتعلم الفقه المالكي وهو السائد في بلاده، فدرس مختصر خليل على يد الشيخ محمد بن صالح إلى قسم العبادات، ثم درس عليه أيضا ألفية بن مالك، ثم أخذ بقية العلوم على مشايخ متعددين، وكلهم من الجكنيين، وهي القبيلة التي ينتمي إليها الشيخ، وكانت معروفة بالعلم حتى قيل: "العلم جكني" وكانت الطريقة المعهودة في بلاده هي أن يبدأ الطالب بفن واحد من الفنون، ويبدا بكتابة المتن في اللوح الخشبي فيكتب قدر ما يستطيع حفظه، ثم يمحوه ثم يكتب قدرًا آخر، غير أنه رحمه الله تميز في طلب العلم فألزمه بعض مشايخه بأن يقرن بين كل فنين، حرصا على سرعة تحصيله، وقد انشغل رحمه الله بطلب العلم حتى تأخر في الزواج، ولما كلمه البعض في أمر الزواج رد عليهم قائل:
فقلت لهم دعوني إن قلبي من الغي الصراع اليوم صاح
الشيخ والشعر:
كان الشيخ رحمه الله ذا قريحة وقادة، وكانت شاعريته رقراقة، ومعانيه عذبة فياضة، وأسلوبه سهل جزل، وبالرغم من هذا كله فقد كان رحمه الله يتباعد عن قول الشعر.
سأله تلميذه الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله عن سبب تركه للشعر مع قدرته عليه وإجازته فيه فقال:
تذكرت قول الشافعي فيما ينسب إليه:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
ومثل هذا قاله ابنه عبد الله، وقال أيضاً: وجدت شعرًا لأبي عند أحد الناس فأردت حفظه، فقال لي: استأذن أباك، فاستأذنته فزجرني بشدة، ونهاني عن تعلمه ونسبته إليه.
وحدث أن قدم يوما رحمه الله وهو في مقتبل شبابه، ولم يكن يعرفه فسأله من يكون فأجاب الشيخ رحمه الله مرتجلاً:
هذا فتى من بني جاكاني قد نزلا به الصبا عن لسان العرب قد عدلا
رمت به همة علياء نحوكم إذ شام برق علوم نوره اشتعلا
فجاء يرجو ركاما من سحائبه تكسو لسان الفتى أزهاره حللا
إذا ضاق ذرعا بجهل النحو ثم أبا ألا يميز شكل العين من فعلا
قد أتى اليوم صبا مولعا كلفا بالحمد لله لا أبغي له بدلا
أعماله وجهوده في نشر العلم قبل قدوم المملكة:
كانت أعماله رحمه الله كعمل غيره من العلماء: الدرس والفتيا، واشتهر رحمه الله بالقضاء وبالفراسة فيها، وقد كان الناس يفدون إليه من أماكن بعيدة، وكان عضوًا في لجنة الدماء التي تعرض عليها أحكام القصاص من القتلى والتي كانت تتكون من عضوين للتصديق على أحكام الحاكم الفرنسي.
أخلاقه:
أما عن أخلاق الشيخ رحمه الله فحدث ولا حرج، فهو آية في أخلاقه، كرمه، وعفته، وشجاعته، وزهده، وترفُّع نفسه، فهو صاحب ميزة فيها يقول تليمذه الشيخ عطية محمد سالم: فهذا ما يستحق أن يفرد بحديث وإني لا أستطيع إلا تصويره ولا يسعني في هذا الوقت تفصيله.
لم تكن الدنيا تساوي شيئا عنده، وكان غير مكترث به، على طول فترة إقامته بالمملكة لم يطلب عطاء ولا راتبا ولا ترفيعا لمرتبه، ولا حصولاً على مكافأة، ولكن ما جاء من غير سؤال أخذه، وما حصل عليه لم يكن ليستبقيه لنسفه؛ بل يوزعه على غيره كما يقول الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله: كان كثير التغاضي عن أمور تخصه هو، وتتعلق بنفسه فإن سئل عن ذلك تمثل قول الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
تواضعه:
أما عن تواضعه فقل إنه صاحبه، كان إذا سئل مسألة في أخريات حياته، تباعد عن الفتيا، فإذا اضطر قال: لا أتحمل في ذمتي شيئا العلماء يقولون كذا، وكذا.
يقول الشيخ عطية محمد سالم: سألته مرة عن ذلك أي تحفظه في الفتيا فقال: إن الإنسان في عافية ما لم يبتلى، والسؤال ابتلاء، لأنك تقول عن الله ولا تدري أتصيب حكم الله أم لا، فما لم يكن عليه نص قاطع من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب التحفظ فيه ويتمثل بقول الشاعر:
إذا ما قتلت الشيء علما فقل به ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
فمن كان يهوى أن يرى متصدرًا ويكره لا أدري أصيب مقاتله
ألا ليت شعري ألا يتأمل المتعجلون في الفتوى لمثل هذ، ألا يرحم ناشئة طلاب العلم أنفسهم والناس من الفتاوى السريعة، والأجوبة الجاهزة، والأحكام الجريئة.
بل وأعجب من هذا كله أنه كان يردد على مسامع تلامذته "صار أمثالنا علماء لما مات العلماء" وكأنه كان يعلم تلامذته الإقلال من الفتوى، والتثبت من العلم.
موقف رائع:
على الرغم من أن الشيخ كان جوهرة ثمينة، وقد ملئ علما من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، أو كما يقول عنه الاستاذ محمد المجذوب رحمه الله: "ثقافة موسوعية، حتى ليخيل إليك وهو يحضر تقريراته منها أنها تخصصه الذي لا يكاد يعدوه، شأنه في ذلك شأن الأسلاف الكبار".
جهود الشيخ الدعوية في المملكة:
خرج الشيخ في رحلته إلى الحج والتي ألف فيها كتابا خاصا احتوى على نكات فقهية ودروس علمية ومحاورات أدبية، وقد كانت نيته الحج ولم يكن في خلده أن يقيم بالمملكة، ولكنه أراد أمرًا وأراد الله خيرًا وفيراً، فمكث الشيخ في المملكة واستقر به المقام في المدينة المنورة ورغب رحمه الله في هذا الجوار الكريم، وقام بتفسير القرآن مرتين وتوفي رحمه الله ولم يكمل الثالثة.
وفي سنة 1317هـ افتُتح معهد علمي بالرياض وكلية للشريعة وأخرى للغة، واختير الشيخ للتدريس بالمعهد والكليتين فتولى تدريس التفسير والأصول إلى سنة 1381هـ.
ومكث الشيخ بالرياض عشر سنوات وكان يقضي الإجازة بالمدينة ليكمل التفسير، وكان رحمه الله يدرس في مسجد الشيخ محمد آل الشيخ في الأصول، كما كان يخص بعض الطلاب بدرس آخر في بيته، وقد كان بيته أشبه بمدرسة يؤمها الصغير والكبير والقريب والبعيد.
ولما أنشئت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كان الشيخ رحمه الله علما من أعلامها ووتدًا من أوتادها، يرجع إليه طلابها كما يرجع إليه شيوخها، وفي سنة 1386هـ افتتح معهد القضاء العالي بالرياض فكان الشيخ يذهب لإلقاء المحاضرات المطلوبة في التفسير والأصول.
ولما شكلت هيئة كبار العلماء، كان رحمه الله عضوًا من أعضائها، وكان رئيسا لإحدى دوراتها.
كما كان رحمه الله عضوًا في رابطة العالم الإسلامي.
مؤلفاته:
خاض الشيخ رحمه الله غمار التأليف منذ نعومة أظفاره، فألف وهو في بلاده:
1- نظما في أنساب العرب.. وكان ذلك قبل البلوغ.
2- رجزًا في فروع مذهب مالك.
3- ألفية في المنطق.
4- نظما في الفرائض.
وهذه المؤلفات الأربعة مازالت مخطوطة.
وألف في بلاد الحجاز:
1- منع المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز.
2- دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب.
3- مذكرة الأصول على روضة الناظر.
4- آداب البحث والمناظرة.
5- أضواء البيان لتفسير القرآن بالقرآن.
كما أن هناك العديد من المحاضرات.
وفاته:
توفي رحمه الله ضحى يوم الخميس 17 من ذي الحجة 1393هـ بمكة المكرمة مرجعه من الحج ودفن بمقبرة المعلاة بريع الحجون في مكة رحمه الله وجمعنا به في مستقر رحمته يوم القيامة.
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:
يقع هذا الكتاب في سبعة أجزاء، وصل فيها الشيخ إلى قوله تعالى في سورة المجادلة: رأولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} (المجادلة/22) ووافقه المنية، فأكمل التفسير من بعده تلميذه الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله.
المقصود من تأليف الشيخ لهذا التفسير:
1 - بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلّها تفسير كتاب الله بكتاب الله.
2 - بيان الأحكام الفقهية.
ومن ثم فإن الكتاب يصنف على أنه تفسير القرآن بالمأثور، فهو تابع فيه لمدرسة التفسير بالأثر، ويدخل كذلك في مدرسة التفسير الفقهية، ومن هنا فقد ذكره صاحب كتاب "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر" مرتين، الأولى في المنهج أهل السنة والجماعة، والثانية في المدرسة الفقهية.
منهجه:
بيّن المؤلف رحمه الله غرضه من تأليف هذا التفسير بقوله: "واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمران:
أحدهم: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلّها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جلّ وعلا من الله جلّ وعلا، وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلاّ بالقراءة سبعية سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيره، ولا نعتمد على البيان بالقراءات الشاذة وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادًا للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات.
والثاني: بيان الأحكام الفقهية في جميع الآيات المبينة بالفتح في هذا الكتاب، فإننا نبين ما فيها من الأحكام وأدلتها من السنة وأقوال العلماء في ذلك، ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح بالدليل، من غير تعصب لمذهب معين ولا لقول قائل، معين لأننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله، لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلاّ كلامه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا.
وقد تضمن هذا الكتاب أمورًا زائدة على ذلك، كتحقيق بعض المسائل اللغوية وما يحتاج إليه من صرف وإعراب والاستشهاد بشعر العرب وتحقيق ما يحتاج إليه فيه من المسائل الأصولية والكلام على أسانيد الأحاديث، كما سنراه إن شاء الله تعالى" (أضواء البيان في إيضاح القرآن 1/34).
وقال أيضا في بيان منهجه، رحمه الله تعالى: "واعلم أن مما التزمنا في هذا الكتاب المبارك أنه إن كان للآية الكريمة مبين من القرآن غير وافٍ بالمقصود من تمام البيان فإنا نتمم البيان من السنّة من حيث أنها تفسر للمبين باسم الفاعل" (أضواء البيان1/24).
وقال أيضاً: "وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها يشهد له قرآن فإنا نذكرها ونذكر القرآن، الدال عليها من غير تعرض لترجيح بعضه؛ لأن كل واحد منها صحيح" (أضواء البيان1/20).
وقد التزم رحمه الله بهذا فالتزم تفسير القرآن بالقرآن معتمدًا على القراءات السبع مبتعدًا عن القراءات الشاذة ومستندًا إلى السنّة النبوية الطاهرة معتبرًا لأقوال العلماء الثقات، لا يتعصب الرأي، ولا يحقر قولا، بل ينظر إلى ذات القول لا إلى قائله، يستوفي الأقوال ويرجح بالدليل والبرهان، إن كنت أصوليا وجدت في تفسيره دقائقه، وإن كنت من علماء الحديث وجدت فيه بدائعه، وإن كنت فقيها وجدت فيه وفاءه، وإن كنت من علماء العقيدة وجدت فيه صفاءها ونقاءها، بل عقيدة أهل السنة والجماعة التي لا تشوبها شائبة، وإن كنت من علماء كل هذا وجدت فيه رواءك وشفاءك.
طرق تفسيره:
أولاً: تفسير القرآن بالقرآن:
وهذا النوع من التفسير هو الذي أبرزه المؤلف في تفسيره واعتني به عناية كبيرة، بل أفرده بدارسة قيّمة في مقدمة تفسيره، لا أحسبك تجدها بهذا الجمع والترتيب عند سواه، ولولا أنه ذكر من أنواع بيان القرآن بالقرآن أكثر من عشرين نوعا في أكثر من عشرين صفحة لسقتها لك بحذافيرها، فهي الكنز عليك به من معدنه وتعجب حين تقرأ له بعد أن عدّد هذه الأنواع قوله: "واعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن هذا الكتاب المبارك - يعني تفسيره - تضمن أنواعا كثيرة جدًا من بيان القرآن بالقرآن، غير ما ذكرنا تركنا ذكر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها وفي البعض تنبيه لطيف على الكل والغرض أن يكون الناظر في الترجمة على بصيرة ما يتضمنه الكتاب في الجملة قبل الوقوف على جميع ما فيه" ( أضواء البيان1/26).
ولذا فلا تثريب عليّ أن ذكرت بعض الأمثلة لبعض الأنواع التي جاءت بعد تفسيره رحمه الله فهي أنواع كثيرة وأمثلة أكثر، فمن ذلك:
بيان الإجمال:
وقد ذكر رحمه الله في مقدمة تفسيره أن الإجمال يكون بسبب الاشتراك سواء كان الاشتراك في اسم أو فعل أو حرف.
ومن الاشتراك في اسم قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} (الحج/29)، قال رحمه الله في ذلك: "في المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد به القديم، لأنه أقدم مواضع التعبد.
الثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة.
الثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم، والعرب تسمي القديم عتيقا وعاتقا ومنه قول حسان رضي الله عنه:
كالمسك تخلطه بماء سحابة أو عاتق كدم الذبيح مدام
لأن مراده بالعاتق الخمر القديم التي طال مكثها في دنها زمنا طويلاً وتسمي الكرم عتقا ومنه قول كعب بن زهير:
قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين وفي الخدين تسهيل
فقوله عتق مبين: أي كرم ظاهر ومنه قول المتنبي:
ويبين عتق الخيل في أصواتها
أي كرمه، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف.
وإذا علمت ذلك فاعلم: أنه قد دلت آية من كتاب الله على أن العتيق في الآية بمعنى: القديم الأول، وهي قوله تعالى: {إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركاً} (آل عمران/96) مع أن المعنيين الآخرين كلاهما حق، ولكن القرآن دل على ما ذكرنت، وخير ما يفسر به القرآن القرآن" (أضواء البيان5/686687).
وقد يكون الإجمال بسبب إبهام في اسم جنس جمعا كان أو مفردًا أو اسم جمع أو صلة موصول أو معنى حرف.
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مجموع: قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات} (البقرة/37) قال رحمه الله في ذلك: "لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بيّنها في سورة الأعراف بقوله: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين} (الأعراف/23)" (أضواء البيان1/63).
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مفرد قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} (الأعراف/137) قال رحمه الله في تفسيره: "لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم ولكنه بينها في القصص بقوله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} (القصص/5، 6)" (أضواء البيان2/297).
ومن أمثلة هذا النوع أعني أن يكون الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مفرداً، قوله تعالى: {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) (الزمر/71) قال رحمه الله: "فقد بينها بقوله: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (السجدة/13) ونحوها من الآيات" (أضواء البيان1/8).
ثانياً: تفسير القرآن بالسنة:
أما تفسير القرآن بالسنّة ومن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أورد رحمه الله عددًا كثيرًا منها وهذه بعضه:
فمن ذلك: تفسيره لقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة/7)، قال: "قال جماهير من علماء التفسير "المغضوب عليهم" اليهود، "الضالين" النصارى، وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله صلى عليه وسلم من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه" (أضواء البيان1/37).
وقال في تفسير قوله تعالى: {ثلاثة قروء} (البقرة/228): "وأما الذين قالوا الأطهار فاحتجوا بقوله تعالى: {فطلقوهنَّ لعدتهنَّ} (الطلاق/1) قالوا عدتهنَّ المأمور بطلاقهنَّ لها الطهر لا الحيض كما هو صريح الآية.
ويزيده إيضاحا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتفق عليه: "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمره الله" (البخاري 6/67، مسلم2/1093).
قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في هذا الحديث المتفق عليه بأن الطهر هو العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، مبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: {فطلقوهنَّ لعدتهنَّ} وهو نص من كتاب الله وسنّة نبيه في محل النزاع.
قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا فصل في محل النزاع، لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار؟ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلا على أنها الأطهار.
ولا يوجد في كتاب الله، ولا سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في النزاع، لأنه حديث متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب الله تعالى"(أضواء البيان1/130).
ومنها ما هو بيان أحكام زائدة على ما جاء في القرآن ومنها ما هو بيان للناسخ والمنسوخ، ومنها ما هو تأكيد لما جاء في القرآن، وغير ذلك.
ثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
والمؤلف رحمه الله كثيرًا ما يستشهد بالتفسير الصحيح لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثيرًا ما يذكر لتفاسيرهم شواهد من آيات القرآن الكريم أو من سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ففي تفسير قوله تعالى: {وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} (النحل/112).
قال رحمه الله: "وقوله: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} وقع نظيره قطعا لأهل مكة لما لجّوا في الكفر والعناد ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف" (البخاري كتاب التفسير 6/39، مسلم كتاب صفات النافقين 4/2157).
فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء حتى أكلوا الجيف والعلهز "وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه" وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن، وذلك الخوف من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته وبعوثه وسراياه، وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات فقد فسر ابن مسعود آية "الدخان" بما يدل على ذلك".
ثم ذكر رحمه الله بعض الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنه وعقب عليها قائل: "وفي تفسير ابن مسعود رضي الله عنه لهذه الآية الكريمة ما يدل دلالة واضحة على أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في "سورة النحل" من لباس الجوع أذيقه أهل مكة حتى أكلوا العظام وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع، وهذا التفسير من ابن مسعود رضي الله عنه له حكم الرفع لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله:
تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له تحقق
وكما هو معروف عند أهل العلم" (أضواء البيان1/340342). المراجع:
1 - ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "عبد الرحمن السديس" ط دار الهجرة.
2 - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: الشيخ : محمد الأمين الشنقيطي/ ط دار الكتب العلمية.
3 - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: "د. فهد بن عبد الرحمن الرومي".
http://www.forsonna.com/forum/ada99:line-1.gif
1 الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
هو فضيلة الشيخ الدكتورصالح بن فوزان بن عبد الله, من آل فوزان من أهل الشماسية, الوداعين من قبيلة الدواسر. *ولد عام 1354 هـ, وتوفي والده وهو صغير, فتربى في أسرته, وتعلم القرآن الكريم, وتعلم مبادىء القراءة والكتابة على يد إمام مسجد البلد, وكان قارئا متقنا وهو فضيلة الشيخ: حمود بن سليمان التلال, الذي تولى القضاء أخيرا في بلدة ضرية في منطقة القصيم.
ثم التحق بمدرسة الحكومة حين افتتاحها في الشماسية عام 1369 هـ, وأكمل دراسته الابتدائية في المدرسة الفيصلية ببريدة عام 1371 هـ, وتعين مدرسا في الابتدائي, ثم التحق بالمعهد العلمي ببريدة عند افتتاحه عام 1373 هـ, وتخرج منه عام 1377 هـ, والتحق بكلية الشريعة بالرياض, وتخرج منها عام 1381 هـ, ثم نال درجة الماجستير في الفقه, ثم درجة الدكتوراه من هذه الكلية في تخصص الفقه أيضا.
بعد تخرجه من كلية الشريعة عين مدرسا في المعهد العلمي في الرياض, ثم نقل للتدريس في كلية الشريعة, ثم نقل للتدريس في الدراسات العليا بكلية أصول الدين, ثم في المعهد العالي للقضاء, ثم عين مديرا للمعهد العالي للقضاء, ثم عاد للتدريس فيه بعد انتهاء مدة الإدارة, ثم نقل عضوا في اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية, ولا يزال على رأس العمل.
فضيلة الشيخ عضو في هيئة كبار العلماء, وعضو في المجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع للرابطة, وعضو في لجنة الإشراف على الدعاة في الحج, إلى جانب عمله عضوا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء, وإمام وخطيب ومدرس في جامع الأمير متعب بن عبد العزيزآل سعود في الملز, ويشارك في الإجابة في برنامج (نور على الدرب) في الإذاعة, كما أن لفضيلته مشاركات منتظمة في المجلات العلمية على هيئة بحوث ودراسات ورسائل وفتاوى, جمع وطبع بعضها, كما أن فضيلته يشرف على الكثير من الرسائل العلمية في درجتي الماجستير والدكتوراه, وتتلمذ على يديه العديد من طلبة العلم الذين يرتادون مجالسه ودروسه العلمية المستمرة.
تتلمذ فضيلة الشيخ على أيدي عدد من العلماء والفقهاء البارزين, ومن أشهرهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز, وسماحة الشيخ عبد الله بن حميد, حيث كان يحضر دروسه في جامع بريدة, وفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي, وفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي, وفضيلة الشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيتي, وفضيلة الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي, وفضيلة الشيخ محمد بن سبيل, وفضيلة الشيخ عبد الله بن صالح الخليفي, وفضيلة الشيخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن, وفضيلة الشيخ حمود بن عقلا, والشيخ صالح العلي الناصر. وتتلمذ على غيرهم من شيوخ الأزهر المنتدبين في الحديث والتفسير واللغة العربية.
لفضيلة الشيخ مؤلفات كثيرة, من أبرزها:
1- (التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية) في المواريث, وهو رسالته في الماجستير, مجلد.
2- (أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية) , وهو رسالته في الدكتوراه ; مجلد.
3- (الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد) مجلد صغير.
4- (شرح العقيدة الواسطية) مجلد صغير.
5- (البيان فيما أخطأ فيه بعض الكتاب) مجلد كبير... و غيرها
علاوة على العديد من الكتب والبحوث والرسائل العلمية, منها ما هو مطبوع, ومنها ما هو في طريقه للطبع.
نسأل الله تعالى أن ينفع به, وأن يجعله في موازين حسنات شيخنا الجليل, إنه سميع مجيب.هم والأموات
2الامام عبدالعزيز بن باز* (1330 - 1420 هجري)
هو عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن باز .. ولد - رحمه الله - بمدينة الرياض في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة العام 1330 هـ في أسرة غلب على الكثير من رجالها طلب العلم والاشتغال له. وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- مبصرا في أول حياته وأصابه المرض في عينيه عام 1336 هـ فضعف بصره إلى أن كف في مستهل شهر محرم العام 1350 هـ. *وفي ظل تربية دينية مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفي رعاية نخبة من أعيان الأسرة نشأ الشيخ عبد العزيز بن باز -غفر الله له- فكان القرآن الكريم هو النور الذي أضاء حياته إذ استهل مشواره مع العلم بحفظ كتاب الله عن ظهر قلب وهو لم يزل صغيرا لم يصل مرحلة البلوغ.
وتلقى - رحمه الله - العلوم الشرعية على علماء الرياض الكبار كالشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ والشيخ سعد بن عتيق والشيخ حمد بن فارس والشيخ سعد بن وقاص البخاري والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمهم الله- واستمر في طلب العلم حتى تبوأ مكانة بارزة بين العلماء.
وعمل رحمه الله قاضيا في الخرج ابتداء من جمادى الآخرة عام 1357 هـ واستمر به حتى نهاية عام 1371 هـ وفي عام 1372 هـ اشتغل بالتدريس في المعهد العلمي بالرياض لمدة سنة واحدة انتقل بعدها عام 1373 هـ لتدريس علوم الفقه والتوحيد والحديث في كلية الشريعة بالرياض ليمضي بها سبع سنوات منذ إنشائها حتى عام 1380 هـ .
وفي عام 1381 هـ عين نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وبقي في هذا المنصب حتى عام 1390 هـ ليتولى في العام نفسه رئاسة الجامعة حتى عام 1395 هـ.
وفي 14/ 10/ 1395 هـ صدر أمر ملكي بتعيين سماحته في منصب الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير.
وفي محرم عام 1414 هـ عين سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء بمرتبة وزير حتى توفي - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-.
توفي الشيخ - رحمه الله - صباح يوم الخميس الموافق 27 محرم 1420 هـ عن عمر يناهز تسعة وثمانين عاما إثر مرض ألم به .. رحم الله شيخنا الجليل و أسكنه فسيح جناته ..
3ا الشيخ* محمد ناصر الدين الألباني* (1333 - 1420 هجري)
هو الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني .. ولد الشيخ -رحمه الله- عام 1333 ه الموافق 1914 م في مدينة أشقودرة عاصمة دولة* ألبانيا - حينئذ - عن أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابق العلمي، فكان والده مرجعاً للناس يعلمهم و يرشدهم.
هاجر صاحب الترجمة بصحبة والده إلى دمشق الشام للأقامة الدائمة فيها بعد أن انحرف أحمد زاغو (ملك ألبانيا) ببلاده *نحو الحضارة الغربية العلمانية.
أتم العلامة الألباني دراسته الإبتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري في دمشق بتفوق. و نظراً لرأي والده الخاص في المدارس النظامية من الناحية الدينية، فقد قرر عدم إكمال الدراسة النظامية ووضع له منهجاً علمياً مركزاً قام من خلاله بتعليمه القرآن الكريم، و التجويد، و النحو و الصرف، و فقه المذهب الحنفي، و قد ختم الألباني على يد والده حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني مراقي الفلاح في الفقه الحنفي و بعض كتب اللغة و البلاغة، هذا في الوقت الذي حرص فيه على حضور دروس و ندوات العلامه بهجة البيطار.
أخذ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادهاحتى صار من أصحاب الشهره فيها، و أخذ يتكسب رزقه منها، وقد وفرت له هذه المهنه وقتاً جيداً للمطالعة و الدراسة، و هيأت له هجرته للشام معرفة باللغة العربية و الاطلاع على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية. *
على الرغم من توجيه والد الألباني المنهجي له بتقليد المذهب الحنفي و تحذيره الشديد من الاشتغال بعلم الحديث، فقد أخذ الألباني بالتوجه نحو علم الحديث و علومه، فتعلم الحديث في نحو العشرين من عمره متأثراً بأبحاث مجلة المنار التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا (رحمه الله) و كان أول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب " المغني عن حمل الأسفار في تخريج* ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي (رحمه الله) مع التعليق عليه.
*كان ذلك العمل فاتحة خير كبير على الشيخ الألباني حيث أصبح الاهتمام بالحديث و علومه شغله الشاغل، فأصبح معروفاً بذلك في الأوساط العلمية بدمشق، حتى إن إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق خصصت غرفة خاصة له ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة، بالإضافة إلى منحه نسخة من مفتاح المكتبة حيث يدخلها وقت ما شاء، أما عن التأليف و التصنيف، فقد ابتدأهما في العقد الثاني من عمره، و كان أول مؤلفاته الفقهية المبنية على معرفة الدليل و الفقه المقارن كتاب " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " و هو مطبوع مراراً، و من أوائل تخاريجه الحديثية المنهجية أيضاً كتاب " الروض النضير في ترتيب و تخريج معجم الطبراني الصغير" و لا يزال مخطوطاً.
*كان لإشتغال الشيخ الألباني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أثره البالغ في التوجه السلفي للشيخ، و قد* زاد تشبثه و ثباته على هذا المنهج مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيميه و تلميذه ابن القيم و غيرهما من أعلام المدرسة السلفية. *
*حمل الشيخ الألباني راية الدعوة إلى التوحيد و السنة في سوريا حيث زار الكثير من مشايخ دمشق و جرت بينه و بينهم مناقشات حول مسائل التوحيد و الإتباع و التعصب المذهبي و البدع، فلقي الشيخ لذلك المعارضة الشديدة من كثير من متعصبي المذاهب و مشايخ الصوفية و الخرافيين و المبتدعة، فكانوا يثيرون عليه العامة و الغوغاء و يشيعون عنه بأنه "وهابي ضال" و يحذرون الناس منه، هذا في الوقت الذي وافقه على دعوته أفاضل العلماء المعروفين بالعلم و الدين في دمشق، و الذين حضوه على الاستمرار قدماً في دعوته و منهم، العلامة بهجت البيطار، الشيخ عبد الفتاح الإمام رئيس جمعية الشبان المسلمين في سوريا، الشيخ توفيق البزرة، و غيرهم من أهل الفضل و الصلاح (رحمهم الله).... لقراءة الترجمة كاملة ....توفي الشيخ رحمه الله قبيل يوم السبت في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة 1420ه، الموافق الثاني من أكتوبر 1999م، و دفن بعد صلاة العشاء
4 الشيخ عبدالعزيز الراجحي
هو عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن الراجحي، من مواليد البكيرية، ولد في حدود عام 1360هـ، وله من العمر الآن قرابة خمسة و ستين عاما، حفظه الله وأمد في عمره ونفع به وبعلمه؛ آمين. نشأ الشيخ في بلدة البكيرية في مدينة القصيم، وتتلمذ على علمائها، وحفظ القرآن ودرس مراحله الأولية فيها. وقد نشأ الشيخ بين أسرة صالحة، ثم رحل إلى مدينة الرياض والتحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بكلية الشريعة، فتخرج منها ثم التحق بكلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة. فدرس فيها ولا يزال الشيخ أستاذاً مشاركاً بالقسم.
تتلمذ الشيخ على علماء البكيرية، وقرأ على الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله تعالى، ولما رجع سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله إلى الرياض قادماً من المدينة لازمه الشيخ فحضر دروسه ومجالسه ولازمه حتى توفاه الله عز وجل.
للشيخ مشاركات علمية وذلك من خلال تأليفه لبعض الكتب وإشرافه على الرسائل العلمية المقدمة لنيل درجة الماجستير والدكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، ومنها الإشراف على تحقيق كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية الموسوم بـ: "بيان تلبيس الجهمية" وسيخرج الكتاب إن شاء الله قريبا. وكذلك إشرافه على تحقيق والتعليق على كتاب ابن القيم الموسوم بـ: "الكافية الشافية".
للشيخ دروس متفرقة على سبع فترات في كل من الأيام التالية:-
الأحد والاثنين فجراً، الأربعاء فجراً، والخميس فجراً.
وقد قُرىء ويقرأ على الشيخ بعض الكتب العلمية والمتون ومنها:-
الصحيحان، وقد قرأ قبل ذلك على الشيخ/ الكتب الأربعة سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وموطأ الإمام مالك، وصحيح ابن خزيمة، وبلوغ المرام، ورياض الصالحين.
وكتاب التوحيد ورسائل الإمام محمد بن عبدالوهاب، ورسائل أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.
وتفسير ابن كثير، وعمدة الفقه، وكتاب التوحيد للدارمي، وللإمام أحمد. والرسالة الحموية، والتدمرية، والعقيدة الواسطية، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومتن الرحبية، والآجرومية، ونخبة الفكر، والورقات، والعقيدة السفارينية، والعقيدة الطحاوية، ولمعة الاعتقاد، وغيرها من الكتب العلمية
5 الشيخ عبدالسلام البرجس* (1387 - 1425 هجري)
هو أبوعبدالرحمن عبدالسلام بن برجس بن ناصر آل عبدالكريم. وأسرة آل عبدالكريم من الأسر المشهورة في حرمة التابعة لمحافظة المجمعة، وهذه الأسرة من المعامرة من بني سعد من بني تميم.
- ولد في الرياض في عام 1387هـ كما هو مثبت في بطاقة الأحوال الشخصية له، ونشأ في رعاية أبويه، وبيتهم بيت ديانة وصلاح، ولقد كان الشيخ من صغره ذكيا حازما مجدا مجتهدا.
حفظ القرآن، وبدأ في طلب العلم، وهو في الثالثة عشرة من عمره، ولاحظ مشايخه عليه علامات النبوغ والتميز فأوْلَوْه مزيد عناية واهتمام.
ولقد تتلمذ الشيخ على يد عدد من علماء هذه البلاد المباركة منهم: الإمام العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ت 1420هـ- رحمه الله- لازمه فترة، وحضر العديد من دروسه خصوصا في بلوغ المرام لابن حجر، وتفسير ابن كثير وغيرها من الكتب.
ومنهم: الشيخ الفقيه الأصولي محمد بن صالح بن عثيمين ت 1421هـ- رحمه الله- وقد رحل اليه الشيخ عبدالسلام ما بين سنتي 1401 - 1403هـ في فترة إجازات المدارس النظامية، كما لازمه حينما بدأ الشيخ محمد دروسه في المسجد الحرام بمكة سنة 1402هـ، وكان يسكن معه قبل أن يصطحب الشيخ معه أهله إلى مكة، وغير ذلك من الأوقات، وقد قرأ عليه في كتاب التوحيد والعقيدة الواسطية والعبادات من زاد المستقنع في الفقه، والأجرومية في النحو، ومختصر قواعد بن رجب للشيخ محمد، وصحيح البخاري قرابة النصف، وقد كان الشيخ محمد يجل الشيخ عبدالسلام ويقدره، ولقد رأيت هذا بنفسي.
#### قرأ فيها عليه التوحيد لابن خزيمة، والنونية لابن القيم مع شرحها لابن عيسى، وقد حفظ منها الشيخ عبدالسلام قرابة الألف بيت، كما قرأ في زاد المستقنع مع الروض المربع، ومعارج القبول للشيخ حافظ الحكمي.
#####
ومنهم الشيخ المحدث العلامة عبدالله بن محمد الدويش ت 1409هـ قرأ عليه في فترة الإجازات النظامية في بريدة، قرأ عليه ألفية العراقي، وقطعة من سنن أبي داود.
ومنهم الشيخ صالح بن عبدالرحمن الأطرم- رفع الله عنه- درس عليه في كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود في حاشية الروض لابن قاسم وفي دروس مسجده،
ومنهم الشيخ فهد الحمين- حفظه الله- قرأ عليه في التوحيد والفقه، ومنهم الشيخ عبدالله بن قعود- رفع الله عنه- قرأ عليه في فتح المجيد، ومنهم الشيخ الفقيه الأصولي عبدالله بن عبدالرحمن بن غديان درس عليه في المعهد العالي للقضاء. ومنهم الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ت 1410هـ حضر له دروساً في زاد المستقنع مع حاشيته عليها المسماة (السلسبيل في معرفة الدليل).
ومنهم الشيخ الدكتور عبدالكريم الخضير قرأ عليه في نيل الأوطار للشوكاني، وألفية العراقي في المصطلح، ومنهم الشيخ الفرضي أ. د عبدالمحسن بن محمد المنيف قرأ عليه الرحبية في الفرائض في مكة سنة 1405هـ في رمضان.هؤلاء بعض مشايخه الذين تلقى الشيخ عنهم على جادة أهل العلم.
*وأما دراسته النظامية، فقد تلقى الشيخ تعليمه في مدينة الرياض، فأخذ المرحلة الابتدائية فيها، ثم التحق بالمعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود، ثم التحق بكلية الشريعة في الجامعة وتخرج منها في 1410هـ، فعين بعدها مدرسا في المعهد العلمي في القويعية التي تبعد قرابة 170 كم غرب الرياض على طريق مكة، ثم سمت همته للدراسات العليا فالتحق بالمعهد العالي للقضاء وأكمل فيه دراسة الماجستير، وكانت رسالة الماجستير بعنوان: (التوثيق بالعقود في الفقه الإسلامي).
ثم عين قاضيا في وزارة العدل، ولكنه طلب الإعفاء فلم يعف إلا بعد جهد جهيد، ثم رشح بعدها في ديوان المظالم في مدينة جدة، ولكنه لم يمكث فيها إلا أسبوعاً واحدا، ثم ترك الديوان رغبة عنه، وطلبا للسلامة، وعاد إلى الرياض محاضرا في المعهد العالي للقضاء .
وقد حصل على الدكتوراة في 1422هـ في تحقيقه لكتاب (الفوائد المنتخبات شرح أخصر المختصرات) لعثمان بن جامع ت 1240هـ بالاشتراك، وكان المشرف عليه سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، وبعدها عين أستاذا مساعدا حتى وفاته- رحمه الله-.
ولقد كان- رحمه الله تعالى- غاية في الأدب، متواضعا معروفا بوداعته وأنسه وبشاشته مع والديه وشيوخه وأهل بيته ومجالسيه، وكل من خالطه يعرف عنه ذلك، لذلك كثر من تأثر بوفاته وحزن نسأل الله أن يجمعنا به في دار كرامته.والشيخ عبدالسلام -رحمه الله- شاعر مجيد، قصائده في الذروة، وفي غاية من الرقة، وله مساجلات شعرية، وشعره يدل على فطرية هذه الموهبة، وعلى أنه لم يكن يتكلف كتابته، وكان شعره في أسماره ومحدودا بأصدقائه وأحبائه لو قدر أن تجمع لجاءت في مجلد لطيف يسر الله لها من يجمعها.
ولقد كان الشيخ عبدالسلام حريصا على نشر الكتب العلمية عموما، وكتب علماء الدعوة خصوصاً، وكان ربما صور المخطوطات، أو سعى في تحصيلها لمن يقوم بتحقيقها، وقد أحصيت أكثر من ثلاثين - ما بين - كتاب ورسالة يذكر محققوها أنهم استفادوا بعض النسخ في تحقيقهم من مكتبة الشيخ - -رحمه الله- وهناك الكثير من أخباره ومآثره التي يصعب حصرها هنا، فلعل الله ييسر جمعها وتبويبها.
توفي الشيخ رحمه الله ليلة السبت الموافق 13 - 2 - 1425هـ في حادث مروري مروّع في طريقه من الأحساء إلى الرياض.* رحم الله الشيخ رحمة واسعة و أسكنه فسيح جناته ..
6 الشيخ صالح اللحيدان
هو*الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، عالم جليل وداعية الى الله ذو هيبة وقدر ، وإمام وخطيب ، ولد بمدينة البكيرية بمنطقة القصيم عام 1350هـ وقد تخرج من كلية الشريعة بالرياض عام 1379هـ وعمل سكرتيرا لسماحة الشيخ : محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله مفتي الديار السعودية السابق في الإفتاء بعد تخرجه ، الى أن عين عام 1383هـ مساعدا لرئيس المحكمة الكبرى بالرياض ، ثم صار رئيسا للمحكمة عام 1384هـ . *وقد حصل على رسالة الماجستير من المعهد العالي للقضاء عام 1389هـ واستمر رئيسا للمحكمة الكبرى الى أن عين عام 1390هـ قاضي تمييز وعضوا بالهيئة القضائية العليا. * وفي عام 1403هـ عين رئيسا للهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى ، واستمر في ذلك نائبا لرئيس المجلس في غيابه الى أن عين عام 1413هـ رئيسا للمجلس بهيئة العامة والدائمة. *وهو أيضا عضوا في هيئة كبار العلماء منذ إنشائها عام 1391هـ وعضوا في رابطة العالم الإسلامي ، وكان له نشاط في تأسيس مجلة راية الإسلام ، ومديرها ورئيس تحريرها. *وله دروس في المسجد الحرام تذاع ، وفتاوى في برنامج نور على الدرب وله محاضرات وندوات ومشاركة في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه وغير ذلك مما فيه صلاح وإصلاح ، فجزاه الله أحسن الجزاء وأحسن لنا وله الخاتمة في الأمور كلها وصلى الله وسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
7 الشيخ محمد بن صالح العثيمين* (1347 - 1421 هجري)
هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي.*
كان مولده في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1347هـ، في مدينة عنيزة - إحدى مدن القصيم- بالمملكة العربية السعودية .. تعلم القران الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان الدامغ -رحمه الله- ثم تعلم الكتابة وشيئاً من الأدب والحساب والتحق بإحدى المدارس وحفظ القرآن عن ظهر قلب في سن مبكرة، وكذا مختصرات المتون في الحديث والفقه.*
وكان فضيلة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - قد رتب من طلبته الكبار لتدريس المبتدئين من الطلبة وكان منهم الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع -رحمه الله- فانضم إليه فضيلة شيخنا ..* ولما أدرك ما أدرك من العلم في التوحيد والفقه والنحو جلس في حلقة شيخه فضيلة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي فدرس عليه في التفسير والحديث والتوحيد والفقه وأصوله والفرائض والنحو.*
ويعتبر الشيخ عبدالرحمن السعدي شيخه الأول الذي نهل من معين علمه وتأثر بمنهجه وتأصيله واتباعه للدليل وطريقة تدريسه ، وقد توسم فيه شيخه النجابة والذكاء وسرعة التحصيل فكان به حفياً ودفعه إلى التدريس وهو لا يزال طالباً في حلقته.*
وفي سنه 1376هـ توفي شيخه عبدالرحمن السعدي فتولى بعده إمامة المسجد بالجامع الكبير في عنيزة والخطابة فيه والتدريس بمكتبة عنيزة الوطنية التابعة للجامع والتى أسسها شيخه عام 1359هـ .. ولما كثر الطلبة وصارت المكتبة لا تكفيهم صار يدرس في المسجد الجامع نفسه واجتمع إليه طلاب كثيرون من داخل المملكة وخارجها حتى كانو يبلغون المئات وهؤلاء يدرسون دراسة تحصيل لا لمجرد الاستماع - ولم يزل مدرساً في مسجده وإماماً وخطيباً حتى توفي -رحمه الله-.*
توفي الشيخ - رحمه الله - يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال سنة 1421هـ .. و صلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة العصرالآلاف المؤلفة وشيعته إلي المقبرة في مشاهد عظيمة لا تكاد توصف ثم صلي عليه من الغد بعد صلاة الجمعة صلاة الغائب في جميع مدن المملكة و في خارج المملكة جموع أخرى لا يحصيها إلا باريها، ودفن بمكة المكرمة رحمه الله رحمة واسعة ..
8 فضيلة العلاَّمة السلفي الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله
ترجمته وثناء العلماء عليه "موقع روح الاسلام"
فصلٌ في التعريف بالشيخ:
أ - اســمه: هو: محمد أمان بن علي جامي علي، يكنى بأبي أحمد.
ب – موطـنه: الحبشة، منطقة هرر، قرية طغا طاب.
ج – سنة ولادته: وُلد كما هو مدوَّن في أوراقه الرسمية سنة 1349 هـ.
فصلٌ في طلبه للعلم: أ- طلبه للعلم في الحبشة:
نشأ الشيخ في قرية طغا طاب وفيها تعلم القرآن الكريم، و بعدما ختمه شرع في دراسة كتب الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، و درس العربية في قريته أيضاً على الشيخ محمد أمين الهرري ثم ترك قريته على عادة أهل تلك الناحية إلى قرية أخرى, وفيها التقى مع زميل طلبه وهجرته إلى البلاد السعودية الشيخ عبدالكريم, فانعقدت بينهما الأخوة الإسلامية ثم ذهبا معاً إلى شيخ يُسمى الشيخ موسى, ودرسا عليه نظم الزبد لابن رسلان, ثم درسا متن المنهاج على الشيخ أبادر و تعلما في هذه القرية عدة فنون. ثم اشتاقا إلى السفر للبلاد المقدسة مكة المكرمة للتعلم و أداء فريضة الحج. فخرجا من الحبشة إلى الصومال فركبا البحر متوجيهن إلى عدن – حيث واجهتهما مصاعب ومخاطر في البحر و البر – ثم سارا إلى الحُدَيدة سيراً على الأقدام فصاما شهر رمضان فيها ثم غادرا إلى السعودية فمرا بصامطة و أبي عريش حتى حصلا على إذن الدخول إلى مكة وكان هذا سيراً على الأقدام. و في اليمن حذرهما بعض الشيوخ فيها من الدعوة السلفية التي يطلقون عليها الوهابية.
ب –طلبه للعلم في السعودية: بعد أداء الشيخ فريضة الحج عام 1369هـ بدأ رحمه الله طلبه للعلم بالمسجد الحرام في حلقات العلم المبثوثة في رحابه, و استفاد من فضيلة الشيخ عبدالرزاق حمزة رحمه الله, و فضيلة الشيخ عبدالحق الهاشمي رحمه الله, و فضيلة الشيخ محمد عبدلله الصومالي وغيرهم. و في مكة تعرَّف على سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وصَحِبهُ في سفره إلى الرياض لما افتُتح المعهد العلمي و كان ذلك في أوائل السبعينيات الهجرية. وممن زامله في دراسته الثانوية بالمعهد العلمي فضيلة الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد, و فضيلة الشيخ علي بن مهنا القاضي بالمحكمة الشرعية الكبرى بالمدينة سابقاً، كما أنه لازم حِلَق العلم المنتشرة في الرياض. فقد استفاد و تأثر بسماحة المفتي العلاَّمة الفقيه الأصولي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله. كما كان ملازماً لفضيلة الشيخ عبدالرحمن الأفريقي رحمه الله، كما لازم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله, فنهل من علمهِ الجم وخُلُقهِ الكريم، كما أخذ العلم بالرياض على فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، وفضيلة الشيخ العلاَّمة المحدِّث حماد الأنصاري رحمه الله, و تأثر المُتَرجم له بالشيخ عبدالرزاق عفيفي كثيراً حتى في أسلوب تدريسه. كما استفاد و تأثر بفضيلة الشيخ العلاَّمة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله, حيث كانت بينهما مراسلات، علماً بأن المُتَرجم له لم يدرس على الشيخ السعدي. كما تعلم على فضيلة الشيخ العلاَّمة محمد خليل هراس رحمه الله, و كان متأثراً به أيضاً. كما استفاد من فضيلة الشيخ عبدالله القرعاوي رحمه الله.
فصلٌ في مــؤهـلاته العـلمية: حصل على الثانوية من المعهد العلمي بالرياض. ثم انتسب بكلية الشريعة و حصل على شهادتها سنة 1380هـ. ثم معادلة الماجستير في الشريعة من جامعة البنجاب عام 1974م. ثم الدكتوراة من دار العلوم بالقاهرة.
فصلٌ في مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
لقد كان للشيخ رحمه الله مكانته العلمية عند أهل العلم و الفضل، فقد ذكروه بالجميل و كان محل ثقتهم، بل بلغت الثقة بعلمه وعقيدته أنه عندما كان طالباً في الرياض, و رأى شيخه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله نجابته و حرصه على العلم قدمه إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله, حيث تم التعاقد معه للتدريس بمعهد صامطة العلمي بمنطقة جازان. و أيضاً مما يدل على الثقة بعلمه و عقيدته و مكانته عند أهل العلم أنه عند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة انتُدب للتدريس فيها بعد وقوع اختيار سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله عليه، و معلوم أن الجامعة الإسلامية أُنشئت لنشر العقيدة السلفية, و قد أوكَلَت الجامعة تدريس هذه العقيدة إلى فضيلة المُتَرجم له بالمعهد الثانوي ثم بكلية الشريعة ثقةً بعقيدته و علمه و منهجه رحمه الله، وذلك ليُسهم في تحقيق أهداف الجامعة. و إليك أخي القارئ كلام العلماء الثقات فيما كتبوه عن فضيلة شيخنا محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى:
ففي كتاب سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله رقم 64 في 9/1/1418هـ قال عن الشيخ محمد أمان: {معروفٌ لديَّ بالعلم و الفضل و حسن العقيدة، و النشاط في الدعوة إلى الله سبحانه و التحذير من البدع و الخرافات غفر الله له و أسكنه فسيح جناته و أصلح ذريته وجمعنا و إياكم و إياه في دار كرامته إنه سميع قريب}.
وكتب فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان في كتابه المؤرخ 3/3/1418هـ قائلاً: {الشيخ محمد أمان كما عرفته: إن المتعلمين و حملة الشهادات العليا المتنوعة كثيرون, و لكن قليلٌ منهم من يستفيد من علمه و يستفاد منه، و الشيخ محمد أمان الجامي هو من تلك القلة النادرة من العلماء الذين سخَّروا علمهم و جهدهم في نفع المسلمين و توجي**م بالدعوة إلى الله على بصيرة من خلال تدريسه في الجامعة الإسلامية وفي المسجد النبوي الشريف وفي جولاته في الأقطار الإسلامية الخارجية و تجواله في المملكة لإلقاء الدروس و المحاضرات في مختلف المناطق يدعو إلى التوحيد و ينشر العقيدة الصحيحة ويوجِّه شباب الأمة إلى منهج السلف الصالح و يحذِّرهم من المبادئ الهدامة و الدعوات المضللة. و من لم يعرفه شخصياً فليعرفه من خلال كتبه المفيدة و أشرطته العديدة التي تتضمن فيض ما يحمله من علم غزير و نفع كثير }.
وكتب فضيلة الشيخ العلاَّمة عبدالمحسن بن حمد العباد المدرس بالمسجد النبوي، حفظه الله: {عرفتُ الشيخ محمد أمان بن علي الجامي طالباً في معهد الرياض العلمي ثم مدرِّساً بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المرحلة الثانوية ثم في المرحلة الجامعية. عرفته حسن العقيدة سليم الاتجاه، وله عناية في بيان العقيدة على مذهب السلف، و التحذير من البدع وذلك في دروسه و محاضراته و كتاباته غفر الله له و رحمه و أجزل له المثوبة}.
وقال معالي مدير الجامعة الإسلامية الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله العبود وفقه الله في كتابه المؤرخ في 15/4/1417هـ: { الحمد لله رب العامين و الصلاة و السلام على رسوله الأمين و على آله و أصحابه و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فقد رغب مني الأخ الشيخ مصطفى بن عبدالقادر أن أكتب عن الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله شيئاً مما أعرفه عنه من المحاسن لتكون من بعده في الآخرين فأجبته بهذه الأحرف اليسيرة على الرغم من أنني لم أكن من تلامذته ولا من أصحابه الملازمين له طويلي ملاقاته و مخالطته، ولكن صار بيني و بينه رحمه الله لقاءات استفدت منها، و تم من خلالها التعارف و انعقاد المحبة بيننا في الله تعالى و توثيق التوافق على منهج السلف الصالح في العقيدة و الرد على المخالفين. رحم الله الشيخ محمد أمان و أسكنه فسيح جناته و ألحقنا و إياه بالصاحين من أمة محمد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و أصحابه و التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين}.
وقَــالَ فضيلة الشيخ محمد بن علي بن محمد ثاني المدرس بالمسجد النبوي رحمه الله في كتابه المؤرخ في 4/1/1417هـ: { و فضيلته عالمٌ سلفيٌ من الطراز الأول في التفاني في الدعوة الإسلامية وله نشاط في المحاضرات في المساجد و الندوات العلمية في الداخل و الخارج، وله مؤلفات في العقيدة و غيرها جزاه الله عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء و أجزل له الأجر في الآخرة إنه سميعٌ مجيب}.
وقَـالَ فضيلة الشيخ محمد عبدالوهاب مرزوق البنا حفظه الله عن المُتَرجم له: {ولقد كان رحمه الله على خير ما نُحب من حسن الخلق وسلامة العقيدة و طيب العِشرة، أسأل الله أن يتغمده برحمته و يسكنه فسيح جناته و يجمعنا جميعاً إخواناً على سرر متقابلين}
و كتب فضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاته المدرس بالمسجد النبوي و مدير شعبة دار الحديث رحمه الله في كتابه المؤرخ في 8/2/1417هـ فمما جاء فيه: { و بالجملة فلقد كان رحمه الله صادق اللهجة عظيم الانتماء لمذهب أهل السنة، قوي الإرادة داعياً إلى الله بقوله و عمله و لسانه، عفَّ اللسان قوي البيان سريع الغضب عند انتهاك حرمات الله، تتحدث عنه مجالسُهُ في المسجد النبوي الشريف التي أدَّاها و قام بها, و تآليفه التي نشرها و رحلاته التي قام بها، و لقد رافقته في السفر فكان نعم الصديق, و رافق هو فضيلة الشيخ العلاَّمة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله صاحب أضواء البيان و غيره – فكان له أيضاً نعم الرفيق – و السفر هو الذي يُظهر الرجالَ على حقيقتهم. لا يجامل و لا ينافق و لا يماري و لا يجادل، إن كان معه الدليل صدع به، و إن ظهر له خلاف ما هو عليه قال به و رجع إليه و هذا هو دأب المؤمنين كما قال الله تعالى في كتابه:{ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله …}الآية. و أُشهدُ الله تعالى أنه رحمه الله قد أدى كثيراً مما عليه من خدمة الدين، و نشر سنة سيد المرسلين. و لقد صادف كثيراً من الأذى و كثيراً من الكيد و المكر فلم ينثنِ ولم يفزع حتى لقي الله. وكان آخر كلامه شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله}.
وكتب فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد حمود الوائلي المدرس بالمسجد النبوي و الجامعة الإسلامية و وكيلها للدراسات العليا و البحث العلمي في كتابه المؤرخ في 29/5/1417هـ: بدأت معرفتي بالشيخ رحمه الله عام 1381هـ عندما قامت هذه الدولة السعودية الكريمة حفظها الله بإنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في العام المذكور و كان رحمه الله من أوائل المدرِّسين بها وكنتُ أحد طلابها، كان رحمه الله من بين عدد من المشايخ الذين يولون طلابهم عناية خاصة لا تقف عند علاقة المدرس بتلميذه في الفصل وكان في عامة دروسه يُعنى عناية عظيمة بعقيدة السلف الصالح – رضي الله عنهم – لا يترك مناسبة تمر دون أن يبين فيها مكانة هذه العقيدة، لا فرق في ذلك بين دروس العقيدة و غيرها. وهو حين يتحدث عن عقيدة السلف الصالح و يسعى في غرسها في نفوس أبنائه الطلاب الذين جاء أكثرهم من كل فج عميق، إنما يتحدث بلسان خبير بتلك العقيدة، لأنه ذاق حلاوتها و سبر غورها حتى إن السامع المشاهد له و هو يتكلم عنها ليحس أن قلبه ينضح حباً و تعلقاً بها، و كانت له رحلات في مجالي الدعوة و التعليم خارج المملكة. و إن القارئ ليلمس صدق دعوته في كتبه و رسائله التي ألَّفها. و قد حضرت مناقشة رسالته في مرحلة الدكتوراه في دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة بمصر و كان يسعى في عامة مباحثها إلى بيان صفاء عقيدة السلف الصالح و سلامة منهجها و تجلت شخصيته العلمية في قدرته – أثناء المناقشة – على كشف زيف كل منهجٍ خرج عن عقيدة السلف, و بطلان كل دعوةٍ صُوبت نحو دعاتها المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها و الوقوف عندها و الدعوة إليها و دحض كل مقالة أو شبهة يحاول أهل الباطل النيل بها من هذه العقيدة. }.
و كتب فضيلة الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس المدرس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وفقه الله: { فإن فضيلة الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله رحمة واسعة كان فيما علمتُ من أشد المدافعين عن عقيدة السلف الصالح رحمهم الله جميعاً الداعين إليها، الذابين عنها في الكتب و المحاضرات و الندوات. و كان شديداً في الإنكار على من خالف عقيدة السلف الصالح، و كأنما قد نذر حياته لهذه العقيدة تعلماً و تعليماً و تدريساً و دعوة، و كان يدرك أهمية هذه العقيدة في حياة الإنسان و صلاحها. كما كان يدرك خطورة البدع المخالفة لهذه العقيدة على حياة الفرد و المجتمع، فرحمه الله رحمة واسعة و غفر له و لجميع المسلمين آمين يا رب العالمين }.
مما سبق من كلام أهل العلم و الفضل عن الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله تَظهر مكانته العلمية و جهوده و جهاده في الدعوة إلى الله منذ ما يقرب من أربعين عاماً، وصلته الوثيقة بالعلماء، واهتمامه رحمه الله و عنايته بتقرير و بيان العقيدة السلفية و الرد على المبتدعة المتنكبين لصراط السلف الصالح و دحض شب**م الغوية، حتى يكاد يرحمه الله لا يُعرف إلا بالعقيدة و ذلك لعنايته بها. هذا و كانت له مشاركة في علم التفسير و الفقه مع المعرفة التامة باللغة العربية.
فصلٌ في ذكر بعض مؤلفاته:
منها كتاب { الصفات الإلهية في الكتاب و السنة النبوية في ضوء الإثبات و التنزيه } وهو من أنفع كتبه رحمه الله. و كتاب { أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام } و يحتوي هذا الكتاب على عدة محاضرات فيها تقريرُ العقيدة السلفية و عرضٌ للدعوة في أفريقيا، و ذكرٌ لمشاكل الدعوة و الدعاة في العصر الحديث مع الحلول المناسبة لتلك المشاكل، و ردٌ على الصوفية. و كتاب{ مجموع رسائل الجامي في العقيدة و السُنة }.و رسالة بعنوان { المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية } و هي في الأصل محاضرة ألقاها في السودان سنة 1383هـ و ردَّ فيها على الملحد محمود طه. و رسالة بعنوان { حقيقة الديموقراطية و أنها ليست من الإسلام } و هي في الأصل محاضرة ألقاها سنة 1412هـ. و رسالة بعنوان { حقيقة الشورى في الإسلام } و رسالة بعنوان { العقيدة الإسلامية و تاريخها }.
فصل في ذكر بعض تلاميذه:
رجلٌ هذه مكانته عند ذوي العلم، و هذه جهوده في الدعوة إلى الله تعالى و حبه لهذه العقيدة السلفية الخالدة التي أوذي في سبيل نشرها و تقريرها في نفوس المسلمين، سواء في داخل المملكة أو خارجها, يصعُبُ حصر طلبته و تلاميذه, و كان من أبرز طلبته كلٌ من:
فضيلة الشيخ الدكتور السلفي ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله. وفضيلة الشيخ العلاَّمة زيد بن هادي المدخلي حفظه الله. وفضيلة الدكتور علي بن ناصر فقيهي المدرس بالمسجد النبوي حفظه الله. وفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد حمود الوائلي المدرس بالمسجد النبوي و وكيل الجامعة الإسلامية للدراسات العليا حفظه الله. وفضيلة الشيخ المحدِّث عبدالقادر بن حبيب الله السندي رحمه الله. وفضيلة الدكتور صالح بن سعد السحيمي المدرس بالمسجد النبوي و الجامعة الإسلامية حفظه الله. وفضيلة الشيخ فالح بن نافع الحربي المدرِّس بالجامعة الإسلامية حفظه الله. وفضيلة الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي المدرس بالجامعة الإسلامية حفظه الله. وفضيلة الدكتور بكر بن عبدالله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء حفظه الله. وفضيلة الدكتور صالح الرفاعي حفظه الله. وفضيلة الدكتور فلاح إسماعيل المدرس بجامعة الكويت حفظه الله. وفضيلة الدكتور فلاح بن ثاني المدرِّس بجامعة الكويت حفظه الله. وآخرين يصعب حصرهم.
فصلٌ في ذكر بعض أخلاقه الفاضلة:
1- كان رحمه الله تعالى ناصحاً – فيما نحسب – لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم. ويظهر ذلك بأدنى تأمل، فقد نذر حياته في تقرير عقيدة السلف الصالح، و ذلك من خلال دروسه و تآليفه و محاضراته و ردوده على المخالفين للكتاب و السنة، و كان عادلاً في رده على المخالف مجانباً للعصبية و الهوى.
2- قلة مخالطته للناس: كان رحمه الله معروفاً بقلة مخالطته للناس إلا في الخير، فأغلب أوقاته و أيامه محفوظة، و طريقته في ذلك معروفة إذ يخرج من البيت إلى العمل بالجامعة ثم يعود إلى البيت ثم إلى المسجد النبوي الشريف لإلقاء دروسه بعد العصر و بعد المغرب و بعد العشاء و بعد الفجر و هكذا إلى أن لازم الفراش بسبب اشتداد المرض.
3- عِفة لسانه: كان رحمه الله عف اللسان لا يلمز و لا يطعن و لا يغتاب، بل و لا يسمح لأحد أن يغتاب أحداً بحضرته، ولا يسمح بنقل الكلام و عيوب الناس إليه، و إذا وقع بعض طلبة العلم في خطأ طلب الشريط أو الكتاب فيسمع أو يقرأ، فإذا ظهر له أنه خطأ قام بما يجب على مثله من النصيحة.
4- عفوه و حلمه: فبقدر ما واجه من الأذى و المحن و الكيد و المكر, قابل من أساء إليه بالحلم والعفو. وقد كان يأتيه بعض من كان ينال من عرضه بالسب، أو الطعن، أو الافتراء، فيستسمح منه فيقول رحمه الله: أرجو الله تعالى ألا يدخل أحداً النار بسببي، و يسامح من يتكلم في عرضه و يقول: لا داعي لأن يأتي من يعتذر فإني قد عفوت عن الجميع، و يطلب من جلسائه إبلاغ ذلك عنه.
5- عنايته و تعهده بطلبته فقد كان رحمه الله من الذين يولون طلابهم عناية خاصة لا تنتهي بانتهاء الدرس، بل كان يحضر مناسباتهم و يسأل عن أحوالهم، و يعالج بعض مشاكلهم الأسرية، و بالجملة فلقد كان يبذل ماله وجا** و وقته لمساعدة المحتاج منهم. وكان هذا التصرف منه يترك أثراً بالغاً عند طلابه، فرُزق بسبب ذلك المحبة الصادقة منهم. وقد شعروا بعد موته بفراغ في هذه الناحية. و الحق إن الشيخ رحمه الله اجتمعت فيه خصالُ خيرٍ كثيرة، و ما تم نقله آنفاً عن أهل العلم كافٍ و الله أعلم.
فصلٌ في عقيدته السلفية:
مما يدل على عقيدة الشيخ السلفية أنه كان يدرِّس كتب العقيدة السلفية مثل: الواسطية و الفتوى الحموية الكبرى و التدمرية و شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز و الإيمان و ثلاثة الأصول و فتح المجيد شرح كتاب التوحيد و قرة عيون الموحدين و الأصول الستة و الواجبات المتحتمات و القواعد المثلى و تجريد التوحيد للمقريزي.
و رده على أهل البدع كالأشاعرة و الصوفية و الشيعة الروافض وذلك في كتبه و مقالاته في المجلات العلمية و في محاضراته و دروسه فعلى سبيل المثال كتابه {أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام }.
و من خلال كلام أهل العلم السابق في بيان عقيدته السلفية.
مرضُه و موتُه:
لقد اُبتلي في آخر عمره - رحمه الله تعالى – بمرضٍ عُضال حتى ألزمه الفراش نحو عام فصبر و احتسب. وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس و العشرين من شهر شعبان سنة 1416هـ أسلمَ روحه لبارئها، فصُلي عليه بعد الظهر, و دُفن في بقيع الغرقد بالمدينة النبوية.
وشهد دفنه جمعٌ كبير من العلماء و القضاة و طلبة العلم و غيرهم. و بموته حصل نقص في العلماء العاملين, فنسأل الله تعالى أن يغفر له و يرحمه و يخلف على المسلمين عدداً من العلماء العاملين آمين.
"موقع روح الاسلام
9 الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ
هو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي صدر أمر خادم الحرمين الشريفين بتعيينه مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء برتبة وزير - هو من مواليد مكة المكرمة بتاريخ 3/12/1362 هـ.
*توفي والده وهو صغير لم يتجاوز الثامنة من عمره في عام 1370 هـ ، وحفظ القرآن صغيرا في عام 1373 هـ على يد الشيخ محمد بن سنان ، وقرأ على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم أل الشيخ مفتي الديار السعودية كتاب التوحيد والأصول الثلاثة والأربعين النووية وذلك من عام 1374 هـ حتى عام 1380 هـ ، كما قرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الفرائض في عام 1377 هـ وعام 1380 هـ ، وقرأ على الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشد رحمه الله الفرائض والنحو والتوحيد وذلك في عام 1379 هـ ، وفي عام 1375 هـ و 1376 هـ قرأ على الشيخ عبد العزيز الشثري عمدة الأحكام وزاد المستقنع ، وفي عام 1374 هـ التحق بمعهد إمام الدعوة العلمي بالرياض ، ثم تخرج منه والتحق بكلية الشريعة بالرياض عام 1380 هـ وحصل على شهادة الليسانس في العلوم الشرعية واللغة العربية منها وذلك في العام الجامعي 1383 / 1384 هـ ، ثم عين مدرسا في معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض من عام 1384 هـ حتى عام 1392 هـ ، وانتقل إلى كلية الشريعة بالرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث كان يعمل أستاذا مشاركا فيها ، وبالإضافة إلى التدريس بها يقوم بالإشراف والمناقشة لرسائل الماجستير والدكتوراه في كل من كلية الشريعة ، وأصول الدين ، والمعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وكلية الشريعة التابعة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة ، بالإضافة إلى التدريس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض ، والعضوية والمشاركة بالمجالس العلمية بالجامعة ، وفي شهر شوال عام 1407 هـ عين عضوا في هيئة كبار العلماء ، وقد تولى سماحته الإمامة والخطابة في جامع الشيخ محمد بن إبراهيم بدخنة بالرياض بعد وفاة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وذلك في عام 1389 هـ ، وفي شهر رمضان عين خطيبا في الجامع الكبير بالرياض ، وفي عام 1402 هـ عين إماما وخطيبا بمسجد نمرة بعرفة ، وفي شهر رمضان عام 1412 هـ عين إماما وخطيبا بجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض .
*ولسماحته حضور مميز في المحافل العلمية ، إضافة إلى المشاركة في الندوات وإلقاء المحاضرات والدروس ، وكذلك المشاركة في البرامج الدينية في الإذاعة والتلفاز .
*ولسماحة الشيخ أربعة أبناء هم :
*- عبد الله ويحضر رسالة الدكتوراه في المعهد العالي للقضاء .
*- محمد ويدرس في الستوى السابع في كلية أصول الدين .
*- عمر ويدرس في السنة الثانية الثانوية .
*- عبد الرحمن ويدرس في السنة الثانية المتوسطة .
*ومن الصفات التي اتصف بها سماحة الشيخ عبد العزيز النشأة الصالحة منذ الصغر ، والورع والتقوى ، والإخلاص ، والنصح لولاة الأمر ، ولعموم المسلمين ، ومحبة الناس ، والعطف عليهم ، وبخاصة طلاب العلم.
*أما التدرج الوظيفي فقد كان على النحو التالي :
*1 - مدرس بمعهد إمام الدعوة العلمي في 1/7/1384 هـ .
*2 - أستاذ مساعد بكلية الشريعة في 7/5/1399 هـ .
*3 - أستاذ مشارك بكلية الشريعة في 13/11/1400 هـ .
*4 - انتقل من الجامعة بتاريخ 15/7/1412 هـ لتعيينه عضوا للإفتاء في رئاسة البحوث العلمية والإفتاء بقرار رقم 1/76 وتاريخ 15/7/1412 هـ .
*5 - صدر الأمر الملكي رقم 838 وتاريخ 25/8/1416 هـ بتعيينه نائباً للمفتي العام .
*وبعد وفاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله صدر أمر ملكي برقم أ/20 وتاريخ 29/1/1420 هـ بتعيينه مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء .
*وعن تعاونه المستمر مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقد استمرت علاقته العلمية مع الجامعة بعد أن انتقل منها ، وذلك من خلال التدريس في المعهد العالي للقضاء ، ولإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه ، وكانت آخر رسالة دكتوراه ناقشها في كلية أصول الدين يوم الأربعاء 26/1/1420 هـ.
10 الشيخ صالح آل الشيخ
هو صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله جميعًا- وحفظ الله الشيخ ورعاه، والشيخ يرجع نسبه إلى قبيلة بني تميم المشهورة.
ولد في مدينة الرياض سنة 1378هـ، وأكمل تعليمه الثانوي في الرياض، ولحرصه -حفظه الله- على أن يكون تعليمه الجامعي شرعيًّا فقد التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين بقسم القرآن وعلومه، وبعد تخرجه منها عمل ضمن هيئة التدريس فيها، منذ ذلك الحين إلى عام 1416هـ حيث عين نائبًا لوزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
وفي عام 1420هـ صدر الأمر بتعيينه وزيرًا للشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، إلى جانب إشرافه على المؤسسات الخيرية كمؤسسة الحرمين الخيرية، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي.
والشيخ -حفظه الله- منصرف إلى طلب العلم وتحقيق المسائل على نحو ما كان عليه علماء الدعوة السلفية وكبار العلماء منذ نعومة أظفاره، ودأب على نشر ذلك وتعليمه في دروسه ومحاضراته وتوجيهاته التي يلقيها في المساجد وفي غيرها.
والشيخ قارئ وباحث كبير في فتاوى جده سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى-، حيث تفرغ لدراستها وفهم مقاصدها واصطلاحاتها الفقهية والعلمية ومقاصدها التي انفردت بها بحكم الزمان والمكان، وكان يستعين بعد الله بكبار العلماء في ذلك كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وسماحة والده الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم -حفظه الله-، وسماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة -حفظه الله-، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى سابقًا -حفظه الله-.
وتلقى العلم على عدد من العلماء منهم :
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- ، و والده سماحة الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم -حفظه الله تعالى- ، و فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل -حفظه الله تعالى- ، فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان عضو هيئة كبار العلماء -حفظه الله- و غيرهم ..
وقد حرص -رعاه الله- على جمع الإجازات العلمية من شتى أنحاء الأرض ، حيث حصل على إجازات عدة من بعض علماء المملكة، ورحل إلى: تونس والمغرب وباكستان والهند وغيرها في سبيل ذلك. وله من المؤلفات والتحقيقات التي يحرص على اقتنائها طلبة العلم لما فيها من الشمولية والتدقيق العلمي ما يقارب سبعة عشر عملًا علميًّا. وشارك في عدد من المؤتمرات في داخل المملكة وفي أمريكا وأوروبا ومصر وغيرها. حفظ الله الشيخ وسدد على درب الخير خطاه.
11 العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي، رحمة الله عليه.
الذي رحل إليه الطلاب العلم من سائر الديار، ينهلون من علم القرآن والسنة والآثار، فأظهر الله على يده خيرا عظيما، أغاظ أهل البدع والأهواء والضلالات، فأجمعوا كيدهم ومكرهم، لإطفاء هذا النور الذي كشف عوارهم وأضرهم، {يريدون ليطفئوا نور الله بأفوا**م والله متم نوره}، و أعادوا الكرة بعد الكرة وفي كل مرة لا تنجح الفكرة.
ثم لجئوا بعد الإفلاس والإملاق، إلى البهت والكذب، تشويها لسيرة الشيخ ودعوته، واستعانوا على ذلك بفئات من أهل الدنيا والتحزبات، فقام الشيخ بالخطب والمحاضرات، تبينا لسبيل الدعوة ونقضا للافتراءات، ثم ألف كتابه هذه دعوتنا وعقيدتنا، فبين فيه سبيل الدعوة المباركة، وتضمن الكتاب ذكر ما ألفه طلبة العلم وعلى رأسهم شيخنا رحمه الله.
وقد وفق شيخنا رحمه الله توفيقا عظيما، ووضع الله فيه بركة جمة، فمع أنه نشأ يتيماً في حجر أم تنهاه عن العلم، وترغه في الدنيا - نسأل الله أن يغفر لنا وله - ، ومع ترعرعه في بيئة زيدية طغى عليها الجهل، حتى أنه ليحرم فيها القبيلي من أمثال الشيخ من إتقان القراءة والكتابة، ويعاب عليه ذلك فضلاً عن طلب العلم، ومع طلبه المتأخر للعلم الشرعي - فقد طلب العلم في أرض الحرمين وعمره خمسة وثلاثون عاما تقريباً، ومع هذا قيض الله على يديه خيراً كبيراً بالمقارنة مع بعض الأئمة المعاصرين الذين نشئوا في أول أمرهم في بيئة علمية - ، ومع تكالب الأعداء عليه من كل مكان، ومع حالته الصحية المتردية.
مع كل هذا وذاك فقد أقام الله به اليمن دعوة ملأت الأرجاء في غضون عشرين سنة، لا تكاد تسمع لهذه الدعوة نظيراً في اليمن بعد عصر الإمامين معمر وعبد الرزاق.
ومع انشغاله رحمه الله بالدعوة والتدريس ورّث الأمة أكثر من خمسين مؤلفا منه "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين"، الذي يساوي وحده الدنيا بأسرها، إذ هو تتمة للصحيحين.
دراسته ومشايخه:
يقول الشيخ:
درست في الكتب حتى انتهيت من منهج المكتب، ثم ضاع من العمر ما شاء الله في غير طلب علم، لأنه ما كان هناك من يرغب أو يساعد على طلب العلم، وكنت محباً لطلب العلم، وطلبت العلم في جامع الهادي فلم أساعد على طلب العلم، وبعد زمن اغتربت إلى أرض الحرمين ونجد، فكنت أسمع الواعظين ويعجبني وعظهم، فاستنصحت بعض الواعظين ما هي الكتب المفيدة حتى أشتريها؟ فأرشد إلى "صحيح البخاري"، "وبلوغ المرام"، و"رياض الصالحين"، و"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد"، وأعطاني نسيخات من مقررات التوحيد، وكنت حارساً في عمارة الحجون بمكة، فعكفت على تلك الكتب، وكانت تعلق بالذهن لأن العمل في بلدنا على خلاف ما فيها، خصوصا "فتح المجيد".
وبعد مدة من الزمن رجعت الى بلدي أنكر كل ما رأيته مخالفاً ما في تلك الكتب من الذبح لغير الله، وبناء القباب على الأموات، ونداء الأموات، فبلغ الشيعة ذلك، فأنكروا ما أنا عليه، فقائل يقول منهم: من بدل دينه اقتلوه، وآخر يرسل إلى أقربائي يقول إن لم تمنعوه فسنسجنه، وبعد ذلك قرروا أن يدخلوني "جامع الهادي" من أجل الدراسة عندهم لإزالة الشبهات التي قد علقت بقلبي، ويدندن بعضهم بقول الشاعر:
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى **** فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وبعد ذلك دخلت الدراسة عندهم في جامع الهادي ومدير الدراسة القاضي (مطهر حنش)، فدرست في "العقد الثمين"، وفي "الثلاثين المسألة وشرحها" لحابس، ومن الذين درسونا فيها (محمد بن حسن المتميز) وكنا في مسألة الرؤية فصار يسخر من ابن خزيمة وغيره من أئمة أهل السنة، وأنا أكتم عقيدتي، إلا أني ضعفت عن وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة وأرسلت يدي، ودرسنا في "متن الأزهار" إلى النكاح مفهوما ومنطوقا، وفي شرح الفرائض كتاب ضخم فوق مستوانا فلم أستفد منه.
فلما رأيت الكتب المدرسة غير مفيدة، حاشا النحو فإني درست عندهم "الآجرومية" و"قطر الندى"، ثم طلبت من القاضي (قاسم بن يحي شويل) أن يدرسني في "بلوغ المرام"، وأنكر علينا ذلك ثم تركنا، فلما رأيت أن الكتب المقررة شيعية معتزلية قررت الإقبال على النحو فدرست "قطر الندى" مراراً على (إسماعيل حطبة) رحمه الله في المسجد الذي أسكن فيه ويصلي فيه وكان يهتم بنا غاية الاهتمام، وفي ذات مرة أتى إلى المسجد (محمد بن حورية) فنصحته أن يترك التنجيم فنصحهم أن يطردوني من الدراسة، فشفعوا لي عنده وسكت، وكان يمر بنا بعض الشيعة ونحن ندرس في "القطر" ويقول: (قبيلي صبن غرارة) بمعنى أن التعليم لا يؤثر في وأنا أسكت وأستفيد في النحو.
حتى قامت الثورة وتركنا البلاد ونزلنا إلى نجران ولازمت (أبا الحسين مجد الدين المؤيد) واستفدت منه خصوصا في اللغة العربية ومكثت بنجران قدر سنتين، فلما تأكدت أن الحرب بين الجمهورية والملكية لأجل الدنيا عزمت على الرحلة إلى الحرمين ونجد، وسكنت بنجد قدر شهر ونصف في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للشيخ (محمد بن سنان الحدائي) حفظه الله، ولقد كان مكرما لي لما رأى من استفادتي وينصحني باستمرار مدة حتى يرسلني إلى (الجامعة الإسلامية)، فتغير علي الجو بالرياض، وعزمت على السفر إلى مكة، فكنت أشتغل إن وجدت شغلا، وأطلب العلم في الليل أحضر دروس الشيخ (يحي بن عثمان الباكستاني) في "تفسير ابن كثير"، والبخاري، ومسلم.
وأطالع في الكتب والتقيت بشيخين فاضلين:
أحدهما: القاضي (يحي الاشول) صاحب معمرة، فكنت أدرس عنده في "سبل السلام" للصنعاني ويدرسني في أي شيء أطلب منه.
الثاني: الشيخ (عبد الرزاق الشاحذي المحويتي) وكان أيضا يدرسني فيما أطلب منه.
ثم فتح معهد الحرم المكي وتقدمت للاختبار مع مجموعة من طلبة العلم، فنجحت والحمد لله، وكان من أبرز مشايخنا فيه الشيخ (عبد العزيز السبيل)، ودرست مع بعض طلبة المعهد عند الشيخ (عبد الله بن حميد) رحمه الله في "التحفة السنية" بعد العشاء في الحرم، فكان رحمه الله يأتي بفوائد من "شرح ابن عقيل" وغيره، وكانت فوق مستوى زملائي فتملصوا، فترك رحمه الله الدرس.
ودرست مع مجموعة من الطلاب عند الشيخ (محمد السبيل) حفظه الله شيئا من الفرائض.
وبعد الخروج من المعهد خرجت للإتيان بأهلي من نجران فأتيت بهم وسكنا بمكة مدة الدراسة في المعهد ست سنين والدراسة في الحرم نفسه، وبركة دراسة المساجد معلومة، ولا تسأل عن أنس وراحة كنا فيها، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده".
النهار في دراسة المعهد، والدروس كلها تخدم العقيدة والدين، ومن بعد العصر إلى بعد العشاء في الحرم نشرب من ماء زمزم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: "إنه طعام طعم وشفاء سقم" ونسمع من الواعظين القادمين من الآفاق لأداء حج أو عمرة.
ومن المدرسين في الحرم بين مغرب وعشاء الشيخ (عبد العزيز بن راشد النجدي) صاحب "تيسير الوحيين في الاقتصار على القرآن والصحيحين" فازددت يقيناً ببطلان كلامه رحمه الله، وكان رجل التوحيد وله معرفة قوية بعلم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه.
ومن مشايخي في الحرم المكي الذين استفدت منهم الشيخ (محمد بن عبد الله الصومالي) فقد حضرت عنده حوالي سبعة أشهر أو أكثر، وكان رحمه الله آية في معرفة رجال الشيخين، ومنه استفدت كثيرا في علم الحديث، على إني بحمد ربي من ابتدائي في الطلب لا أحب إلا علم الكتاب والسنة.
وبعد الانتهاء من معهد الحرم من المتوسط والثانوية، وكل الدروس دينية، انتقلنا إلى المدينة إلى الجامعة الإسلامية، فحول أكثرنا إلى كلية الدعوة وأصول الدين، وأبرز من درسنا فيها الشيخ (السيد محمد الحكيم) والشيخ (محمود عبد الوهاب فائد) المصريان.
وعند إن جاءت العطلة خشيت من ذهاب الوقت وضياعه فانتسبت في كلية الشريعة، لأمرين: أحدهم: التزود من العلم، الثاني: إن الدروس متقاربة وبعضها متحدة، فهي تعتبر مراجعة لما درسناه في كلية الدعوة وانتهيت بحمد الله من الكليتين، وأعطيت شهادتين وأنا بحمد الله لا أبالي بالشهادات، المعتبر عندي هو العلم.
وفي عام انتهائنا من الكليتين فتحت في الجامعة دراسة عالية ما يسمونه بالماجستير، فتقدمت لأخبار المقابلة ونجحت بحمد الله وهي تخصص في علم الحديث، وبحمد الله حصلت الفائدة التي أحبها، وكان من أبرز من درسنا الشيخ (محمد أمين المصري) رحمه الله، والشيخ (السيد محمد الحكيم المصري) وفي آخرها الشيخ (حماد بن محمد الانصاري) وكنت أحضر بعض الليالي درس الشيخ (عبد العزيز بن باز) في الحرم المدني في صحيح مسلم، وأحضر كذلك مع الشيخ (الألباني) في جلساته الخاصة بطلبة العلم للاستفادة.
ومنذ كنت في الحرم المكي وأنا أدرس بعض طلبة العلم في "قطر الندى" وفي "التحفة السنية"، وعند أن كنت بالمدينة كنت أدرس بعض إخواني بالحرم المدني في "التحفة السنية" ثم وعدت إخواني في الله بدروس في بيتي بعد العصر في "جامع الترمذي"، و"قطر الندى"، و"الباعث الحثيث"، واتشرت دعوة كبيرة من المدينة ملأت الدنيا في مدة ست سنوات، بعض أهل الخير هم الذين يسعون في تمويلها، و(مقبل بن هادي) وبعض إخوانه هم الذين يقومون بتعليم إخوانهم، وأما الرحلات للدعوة إلى الله في جميع أنحاء المملكة فمشتركة بين الإخوان كلهم، طالب العلم للتزود من العلم ولإفادت الآخرين، والعمي للتعلم، حتى استفاد كثير من العامة وأحبوا الدعوة.
ولما وصلت إلى اليمن عدت إلى قريتي ومكثت بها أعلم الأولاد القرآن، فما شعرت إلا بتكالب الدنيا، فكأني خرجت لخراب البلاد والدين والحكم، وأنا آنذاك لا أعرف مسؤلا ولا شيخ قبيلة فأقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وإذا ضقت أذهب إلى صنعاء أو إلى حاشد، أو إلى ذمار، وهكذا إلى تعز و إب والحديدة، دعوة وزيارة للإخوان في الله.
وبعد هذا مكثت في مكتبتي - بعد مشقة ومساعدة بعض الإخوان في استردادها - وما هي الا أيام وفتحت دروساً مع بعض الإخوة المصريين في بعض كتب الحديث وبعض كتب اللغة، وبعد هذا مازال طلبة العلم يفدون من مصر، ومن الكويت ومن أرض الحرمين ونجد... وكثير من البلاد الإسلامية وغيره.
ويقدر طلبة الشيخ بحوالي ألف طالب، والعوائل نحو خمسمائة عائلة.
الدروس التي تلقى:
تفسير ابن كثير بعد الظهر.
صحيح البخاري بعد العصر.
صحيح مسلم، وبعده مستدرك الحاكم بين مغرب وعشاء.
الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين قبل الظهر.
الصحيح المسند من دلائل النبوة.
الجامع الصحيح في القدر.
وقال الشيخ رحمه الله : "كنت أدرس في "شرح ابن عقيل" ثم مرضت فتركت.
أما إخواني في الله فإنهم قائمون بدروس لإخوانهم في جميع المجالات العلمية على مستوى الطلاب في: التوحيد، والعقيدة، والفقه وأصوله، والحديث وأصوله، والفرائض، والنحو، والخط والإملاء وجميع ما يحتاج إليه الطالب من العلوم الدينية ووسائلها، وإذا ضاق المسجد والسكنات، ففي الوادي وتحت الشجار، وتلقى هناك الدروس، علم طيب وهواء طيب.
والفضل في هذا لله وحده".
بعض مؤلفات الشيخ مقبل:
1 - الطليعة في الرد على غلاة الشيعة.
2 - تحريم الخضاب بالسواد.
3 - شرعية الصلاة في النعال.
4 - الصحيح المسند من أسباب النزول.
5 - حول القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
6 - الشفاعة.
7 - رياض الجنة في الرد على أعداء السنة.
8 - الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين.
9 - السيوف الباترة لإلحاد الشيوعية الكافرة.
10 - المخرج من الفتنة.
11 - الإلحاد الخميني في أرض الحرمين.
12 - قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد.
13 - إجابة السائل عن أهم المسائل.
14 - أحاديث معلة ظاهرها الصحة.
15 - تحفة الشاب الرباني في الرد على الإمام محمد بن علي الشوكاني.
16 - غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل.
17 - إيضاح المقال في أسباب الزلزال.
18 - إعلان النكير على أصحاب عيد الغدير.
19 - إقامة البرهان على ضلال عبد الرحيم الطحان.
20 - فضائح ونصائح.
21 - البركان لنسف جامعة الإيمان.
22 - إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبد الله القرضاوي.
23 - تحفة المجيب عن أسئلة الحاضر والغريب.
24 - الزنداني ومجلس الشورى للشيخات في اليمن.
25 - صعفة الزلزال لنسف أباطيل أهل الرفض والاعتزال.
لشيخنا مقبل - رحمه الله - جهد مشكور، وسعي مبرور في الدفاع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصبر على تحمل الأذى هنا وهناك في سبيل نشر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهل يستوي هؤلاء بأناس وجدوها لقمة سائغة؟ هل يستوي من لطم على وج**، وسجن وطرد في سبيل نشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم بمن وجد الأمر قد تحول فأصبح أهل السنة وأهل الحديث لهم الكلمة والاحترام فمشى في ركبهم.
وشيخنا مقبل لم يزدد ماله شيئا من وراء عمله العلمي ولا الدعوة إلى الله، وإنما يدفع من ماله لطلبة العلم والدعوة إلى الله.
فهل يستوي مع من أصبح من أصحاب الأموال الطائلة من وراء عمله العلمي، وإخراج الكتب.
وشيخنا مقبل رحمه الله آمر بالمعروف، ناه عن المنكر قوال بالحق من غير مداراة لا يبالي بمن خالفه عندما يظهر الحق.
فهو فيما يراه حقا لا يداهن، ولا يجامل بل ولا يداري، فسبب ذلك له عداوة بعض الناس، وهو مع هذا ظاهره كباطنه لا يمكر بأحد، بل إذا وجد على أحد أظهر كل ما في نفسه، وظهر على وج**.
وطلبته الكثير منهم بل أكثرهم كان سبباً في هدايتهم، فكثير منهم كانوا على بدعة التشيع فهداهم الله بسببه، وتوجهوا لطلب العلم النافع، وبعضهم كانوا مستقيمين ولكنهم لم يكونوا متجهين لطلب العلم النافع، ولا يعرفون الطريق إليه، فجعل الله شيخنا مقبلا سببا في هدايتهم لطريق العلم النافع، فقد انتفع به أقوام كثيرون فجزاه الله خير الجزاء
وهو رجل علم ودعوة من غير إثارة فتن ولا فوضى ولا طلب مناصب ولارياسة ولا شهرة.
وهو رجل علم وعمل، فهو يتعلم ليعمل بعلمه، فما من سنة يتعلمها إلا وهو يبادر بالعمل بها.
وهو رجل وقاف عند نصوص الكتاب والسنة لا يستنكف أن يتراجع عن رأيه إذا رده أحد بنص من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان على رؤوس الأشهاد.
وهو رجل قنوع يرضى بالقليل من أمور الدنيا، أقل شيء منها يكفيه، المهم عنده أن يعيش بين الصحيحين وسائر السنن، وتفسير ابن كثير، وقبل ذلك كتاب الله، وكتب الرجال، وغيرها من كتب العلم.
وهو رجل يصدر بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرده عن قول الحق شيء مهما كلفه، ومهما خسر في ذلك.
وعلى أي حال فهو بشر يصيب ويخطئ، ولكن يكفيه أن صوابه أكثر من خطئه، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الناس كإبل مائة، لاتكاد تجد منها راحلة".
ونحن إذ نشرنا ترجمة الشيخ رحمه الله نريد من ذلك التعريف به، ونرجو منها أيضاً أن تكون حافزاً للشباب لكي يجدوا ويجتهدوا في طلب العلم النافع والعمل به.
أكثر من خمسين مؤلفا منه "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين"، الذي يساوي وحده الدنيا بأسرها، إذ هو تتمة للصحيحين.
من مقبل بن هادي الوداعي؟
يقول الشيخ رحمه الله: أنا مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة - اسم رجل - الهمداني الوادعي الخلالي، من قبيلة آل راشد. وشيباتنا يقولون: أن وادعة من بكيل.
أنا من وادعة التي هي شرق صعدة من وادي دماج، ووادعة في بلاد شتى من البلاد اليمنية، وأكبرها فيما أعلم الساكنون بلواء صعدة، فهم يسكنون بدماج شرقي صعدة، وبصحوة في أعلى دماج تحت جبل براش، وبالدرب، وآل حجاج، والطلول بين شرقي صعدة وجنوبه. وبشمال صعدة الزور، وآل نائل، وآل رطاس، والرزمات في وادي نشور. وبحاشد غربي الصنعانية ويسمون وادعة حاشد لأنهم يسكنون في بلاد حاشد.
ووادعة في نجران في أعلى وادي نجران، ووادعة في ظهران الجنوب.
وقبائل وادعة كغيرهم من القبائل اليمنية التي لم تؤت حقها من التوعية الدينية، وفيهم مجموعة طيبة قدر أربعين شابا ملازمين للدروس سنذكر بعضهم إن شاء الله في جملة الطلاب. وإني أحمد الله، فغالب وادعة الذين هم بجوار صعدة يدافع عني وعن الدعوة، بعضهم بدافع الدين، وبعضهم بدافع التعصب القبلي، ولولا الله ثم هم لما أبقى لنا أعداء الدعوة خصوصا شيعة صعدة عينا ولا أثرا.
وقد ولد الشيخ العلامة رحمه الله سنة 1944 وقد كانت وفاته مع غروب شمس السبت 30 ربيع الآخر 1422هـ/2001م في مدينة جدة بعد رحلة علاجية دامت أكثر من سنة.
12 الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله-.
مولده ونشأته:
ولد الشيخ محمد حامد الفقي بقرية نكلا العنب في سنة 1310هـ الموافق 1892م بمركز شبراخيت مديرية البحيرة.
نشأ في كنف والدين كريمين فوالده الشيخ أحمد عبده الفقي تلقى تعليمه بالأزهر ولكنه لم يكمله لظروف اضطرته لذلك.
أما والدته فقد كانت تحفظ القرآن وتجيد القراءة والكتابة، وبين هذين الوالدين نما وترعرع وحفظ القرن وسنّه وقتذاك اثني عشر عامًا.
ولقد كان والده أثناء تحفيظه القرآن يوضح له معاني الكلمات الغريبة ويعلمه مبادئ الفقه حتى إذا أتَّم حفظ القرآن كان ملمًا إلمامًا خفيفًا بعلومه ومهيأ في الوقت ذاته لتلقي العلوم بالأزهر على الطريقة التي كانت متبعة وقتذاك.
طلبه العلم:
كان والده قد قسم أولاده الكبار على المذاهب الأربعة المشهورة ليدرس كل واحد منهم مذهبًا، فجعل الابن الأكبر مالكيًا، وجعل الثاني حنفيًا، وجعل الثالث شافعيًا، وجعل الرابع وهو الشيخ محمد حامد الفقي حنبليًا.
ودرس كل من الأبناء الثلاثة ما قد حُدد من قبل الوالد ما عدا الابن الرابع فلم يوفق لدراسة ما حدده أبوه فقُبل بالأزهر حنفيًا.
بدأ محمد حامد الفقي دراسته بالأزهر في عام 1322هـ - 1904م وكان الطلبة الصغار وقتذاك يبدؤون دراستهم في الأزهر بعلمين هما: علم الفقه، وعلم النحو.
وكانت الدراسة المقررة كتابًا لا سنوات، فيبدأ الطالب الحنفي في الفقه بدراسة مراقي الفلاح.
ويبدأ في النحو بكتاب الكفراوي وهذان الكتابان هما السنة الأولى الدراسية، ولا ينتقل منها الطالب حتى يتقن فهم الكتابين.
كان آخر كتاب في النحو هو الأشموني أما الفقه، فحسب المذاهب ففي الحنابلة الدليل، وعند الشافعية التحرير، وعند الحنفية الهداية، وعند المالكية الخرشي، أما بقية العلوم الأخرى كالمنطق وعلم الكلام والبلاغة وأصول الفقه فكان الطالب لا يبدأ في شيء منها إلا بعد ثلاث سنوات.
بدأ الشيخ محمد حامد الفقي دراسته في النحو بكتاب الكفراوي وفي الفقه بكتاب مراقي الفلاح وفي سنته الثانية درس كتابي الشيخ خالد في النحو وكتاب منلا مسكين في الفقه ثم بدأ في العلوم الإضافية بالسنة الثالثة، فدرس علم المنطق وفي الرابعة درس علم التوحيد ثم درس في الخامسة مع النحو والفقه علم الصرف وفي السادسة درس علوم البلاغة وفي هذه السنة وهي سنة 1910م بدأ دراسة الحديث والتفسير وكانت سنه وقتذاك ثمانية عشر عاما فتفتح بصره وبصيرته بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسك بسنته لفظًا وروحًا.
بدايات دعوة الشيخ لنشر السنة الصحيحة:
لما أمعن الشيخ في دراسة الحديث على الوجه الصحيح ومطالعة كتب السلف الصحيح والأئمة الكبار أمثال ابن تيمية وابن القيم وابن حجر والإمام أحمد بن حنبل والشاطبي وغيرهم، فدعا إلى التمسك بسنة الرسول الصحيحة والبعد عن البدع ومحدثات الأمور وأن ما حدث لأمة الإسلام بسبب بعدها عن السنة الصحيحة وانتشار البدع والخرافات والمخالفات.
فالتف حوله نفر من إخوانه وزملائه وأحبابه واتخذوه شيخًا لهم وكان سنه عندها ثمانية عشرة عامًا سنة 1910م بعد أن أمضى ست سنوات من دراسته بالأزهر، وهذا دلالة على نبوغ الشيخ المبكر.
وظل يدعو بحماسة من عام 1910م حتى أنه قبل أن يتخرج في الأزهر الشريف عام 1917م دعا زملائه أن يشاركوه ويساعدوه في نشر الدعوة للسنة الصحيحة والتحذير من البدع.
ولكنهم أجابوه: بأن الأمر صعب وأن الناس سوف يرفضون ذلك فأجابهم: أنها دعوة السنة والحق والله ناصرها لا محالة، فلم يجيبوه بشيء.
فأخذ على عاتقه نشر الدعوة وحده والله معه، فتخرج عام 1917 بعد أن نال الشهادة العالمية من الأزهر وهو مستمر في الدعوة وكان عمره عندها 25 سنة.
ثم انقطع منذ تخرجه إلى خدمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وحدثت ثورة 1919م وكان له موقف فيها بأن خروج الاحتلال لا يكون بالمظاهرات التي تخرج فيها النساء متبرجات والرجال ولا تحرر فيها عقيدة الولاء والبراء لله ولرسوله، ولكنه بالرجوع لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وترك ونبذ البدع وإنكاره لمبادئ الثورة "الدين لله والوطن للجميع". "وأن خلع حجاب المرأة من التخلف" وانتهت الثورة وظل على موقفه هذا.
وظل بعد ذلك يدعوا عدة أعوام حتى تهيئت الظروف وتم إشهارها ثمرة هذا المجهود وهو إنشاء جماعة أنصار السنة المحمدية التي هي ثمرة سنوات الدعوة من 1910م إلى 1926م عام إشهارها.
ثم إنشاء مجلة الهدي النبوي وصدر العدد الأول في 1937هـ.
أنشأ جماعة أنصار السنة المحمدية في عام 1345هـ/ 1926م تقريبًا واتخذ لها دارًا بعابدين ولقد حاول كبار موظفي قصر عابدين بكل السبل صد الناس عن مقابلته والاستماع إليه حتى سخَّرُوا له من شرع في قتله ولكن صرخة الحق أصمَّت آذانهم وكلمة الله فلَّت جموعهم وانتصر الإيمان الحق على البدع والأباطيل. (مجلة الشبان المسلمين رجب 1371هـ).
تأسيس مجلة الهدي النبوي:
بعد أن أسس الشيخ رحمه الله جماعة أنصار السنة المحمدية وبعد أن يسر الله له قراءة كتب الإمامين ابن تيمية وابن القيم واستوعب ما فيها ووجد فيها ضالته أسس عام 1356هـ في مارس 1936م صدر العدد الأول من مجلة الهدي لتكون لسان حال جماعته والمعبرة عن عقيدتها والناطقة بمبادئها، وقد تولى رياسة تحريرها فكان من كتاب المجلة على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ أحمد محمد شاكر، الأستاذ محب الدين الخطيب، والشيخ محيي الدين عبد الحميد، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، (أو إمام للحرم المكي)، والشيخ أبو الوفاء محمد درويش، والشيخ صادق عرنوس، والشيخ عبد الرحمن الوكيل، والشيخ خليل هراس، كما كان من كتابها الشيخ محمود شلتوت.
أغراض المجلة:
وقد حدد الشيخ أغراض المجلة فقال في أول عدد صدر فيها:
"وإن من أول أغراض هذه المجلة أن تقدم ما تستطيعه من خدمة ونصح وإرشاد في الشؤون الدينية والأخلاقية، أخذت على نفسها موثقًا من الله أن تنصح فيما تقول وأن تتحرى الحق وأن لا تأخذ إلا ما ثبت بالدليل والحجة والبرهان الصحيح من كتاب الله تعالى وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم" اهـ.
جهاده:
يقول عنه الشيخ عبد الرحمن الوكيل: "لقد ظل إمام التوحيد (في العالم الإسلامي) والدنا الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- أكثر من أربعين عامًا مجاهدًا في سبيل الله، ظل يجالد قوى الشر الباغية في صبر، مارس الغلب على الخطوب واعتاد النصر على الأحداث، وإرادة تزلزل الدنيا حولها، وترجف الأرض من تحتها، فلا تميل عن قصد، ولا تجبن عن غاية، لم يكن يعرف في دعوته هذه الخوف من الناس، أو يلوذ به، إذ كان الخوف من الله آخذا بمجامع قلبه، كان يسمي كل شيء باسمه الذي هو له، فلا يُدهن في القول ولا يداجي ولا يبالي ولا يعرف المجاملة أبدًا في الحق أو الجهر به، إذ كان يسمي المجاملة نفاقًا ومداهنة، ويسمي السكوت عن قول الحق ذلا وجبنا".
عاش رحمه الله للدعوة وحدها قبل أن يعيش لشيء آخر، عاش للجماعة قبل أن يعيش لبيته، كان في دعوته يمثل التطابق التام بين الداعي ودعوته، كان صبورًا جلدًا على الأحداث، نكب في اثنين من أبنائه الثلاث فما رأى الناس معه إلا ما يرون من مؤمن قوي أسلم لله قلبه كله(1) (ada99:16.html#1).
ويقول الشيخ أبو الوفاء درويش: "كان يفسر آيات الكتاب العزيز فيتغلغل في أعماقها ويستخرج منها درر المعاني، ويشبعها بحثًا وفهمًا واستنباطاً، ويوضح ما فيها من الأسرار العميقة والإشارات الدقيقة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة.
ولا يترك كلمة لقائل بعده بعد أن يحيط القارئ أو السامع علما بالفقه اللغوي للكلمات وأصولها وتاريخ استعمالها فيكون الفهم أتم والعلم أكمل وأشمل".
قلت: لقد كانت آخر آية فسرها قوله تبارك وتعالى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء:11].
وقد فسرها رحمه الله في عدد 6 و 7 لسنة 1378هـ في حوالي 22 صفحة.
إنتاجه:
إن المكتبة العربية لتعتز بما زودها به من كتب قيمة مما ألف ومما نشر ومما صحح ومما راجع ومما علق وشرح من الإمام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
وكما كان الشيخ محبًا لابن تيمية وابن القيم فقد جمعت تلك المحبة لهذين الإمامين الجليلين بينه وبين الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر، وكذلك جمعت بينه وبينه الشيخ شلتوت الذي جاهر بمثل ما جاهر به الشيخ حامد.
ومن جهوده كذلك قيامه بتحقيق العديد من الكتب القيمة نذكر منها ما يأتي:
1- اقتضاء الصراط المستقيم.
2- مجموعة رسائل.
3- القواعد النورانية الفقهية.
4- المسائل الماردينية.
5- المنتقى من أخبار المصطفى.
6- موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، حققه بالاشتراك مع محمد محي الدين عبد الحميد.
7- نفائس تشمل أربع رسائل منها الرسالة التدمرية.
8- والحموية الكبرى.
وهذه الكتب جميعها لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن كتب الشيخ ابن القيم التي قام بتحقيقها نذكر:
9- إغاثة اللفهان.
10- المنار المنيف.
11- مدارج السالكين.
12- رسالة في أحكام الغناء.
13- التفسير القيم.
14- رسالة في أمراض القلوب.
15- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
كما حقق كتب أخرى لمؤلفين آخرين من هذه الكتب:
16- فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن آل شيخ.
17- بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني.
18- جامع الأصول من أحاديث الرسول.
19- لابن الأثير.
20- الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية لعلي بن محمد بن عباس الدمشقي.
21- الأموال لابن سلام الهروي.
22- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل لعلاء الدين بن الحسن المرادي.
23- جواهر العقود ومعين القضاة.
24- والموقعين والشهود للسيوطي.
25- رد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
26- شرح الكوكب المنير.
27- اختصار ابن النجار.
28- الشريعة للآجري.
29- العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لمحمد ابن أحمد بن عبد الهادي.
30- القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية لابن اللحام.
31- مختصر سنن أبي داود للمنذري حققه بالاشتراك مع أحمد شاكر.
32- معارج الألباب في مناهج الحق والصواب لحسن بن مهدي.
33- تيسير الوصول إلى جامع الأصول لابن الربيع الشيباني.
34- العقود، (لشيخ الإسلام)، [تحقيق، بمشاركة: الشيخ: محمد ناصر الدين الالبانى رحمه الله، (ط)].
كما جاء في تقديم الشيخ محمد حامد الفقي ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ للكتاب ..
مصير هذا التراث:
هذا قليل من كثير مما قام به الشيخ محمد حامد الفقي فيما مجال التحقيق وخدمة التراث الإسلامي وهذا التراث الذي تركه الشيخ إذ أن جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت قد جمعت كل هذا التراث.
وقد جاء في نشرتها (أخبار التراث الإسلامي) العدد الرابع عشر 1408هـ 1988م أنها اشترت خزانة الشيخ محمد حامد الفقي كاملةً مخطوطتها ومصورتها وكتبها وكتيباتها وقد أحصيت هذه تلك المحتويات على النحو التالي:
1- 2000 كتاب.
2- 70 مخطوطة أصلية.
3- مائة مخطوطة مصورة على ورق.
وفاته:
توفي رحمه الله فجر الجمعة 7 رجب 1378هـ الموافق 16 يناير 1959م على إثر عملية جراحية أجراها بمستشفى العجوزة، وبعد أن نجحت العملية أصيب بنزيف حاد وعندما اقترب أجله طلب ماء للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها، وبعد ذلك طلب من إخوانه أن ينقل إلى دار الجماعة حيث توفى بها، وقد نعاه رؤساء وعلماء من الدول الإسلامية والعربية، وحضر جنازته واشترك في تشيعها من أصحاب الفضيلة وزير الأوقاف والشيخ عبد الرحمن تاج، والشيخ محمد الحسن، والشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، والشيخ أحمد حسين، وجميع مشايخ كليات الأزهر وأساتذتها وعلمائها، وقضاة المحاكم.
أبناؤه:
الطاهر محمد الفقي، وسيد أحمد الفقي، ومحمد الطيب الفقي وهو الوحيد الذي عاش بعد وفاة والده.
فجزاه الله خير الجزاء.
فرحم الله هذا العالم الفقيه النحرير، وأن يبدلنا من هو خيرا منه، إنه ولى ذلك والقادر عليه. هامـــش:
(1) هما الظاهر، وسيد، وقد توفي الأول وأبوه في رحلة الحج، وأما الثاني فقد مات فجر الجمعة ذي القعدة عام 1377هـ فخطب الشيخ الجمعة بالناس ووعظهم وطلب منهم البقاء على أماكنهم حتى يصلوا على أخيهم.
مصدر الترجمة منقول من مجلة أنصار السنة المحمدية - مصر
13 الشيخ تقى الدين الهلالى
هو العالم المغربي والعلامة اللغـوي الشـــيخ الدكتــور محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي، وكنيته "أبو شكيب"، حيث سمى أول ولد له على اسم صديقه الأمير شكيب أرسلان.
ولد الهلالي في قرية "الفرخ" من بادية سجلماسة في المغرب عام 1311هـ، التي هاجر إليها أجداده من "القيروان" في تونس في القرن التاسع الهجري.
وكانت الأسرة أسرة علم، حيث كان والده وجده من العلماء الفقهاء المعروفين.
وقد قرأ على والده، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم سافر إلى الجزائر لطلب الرزق عام 1333هـ، فقصد الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي وبقي يتعلم في مدرسته سبع سنين، ثم توفي شيخه الشنقيطي عام 1338هـ، وكان من أفضل العلماء في الزهد والتقوى ومكارم الأخلاق.
وفي عام 1340هـ عاد الهلالي إلى المغرب حيث حضر بعض الدروس على العلماء في مدينة "فاس"، وكان من شيوخه الذين تلقى العلم على أيديهم الشيخ الفاطمي الشراوي، والشيخ محمد العربي العلوي، والشيخ أحمد سوكيرج، كما حصل على شهادة من جامع القرويين.
وبعد ذلك سافر الهلالي إلى القاهرة حيث التقى بالشيخ محمد رشيد رضا وبعض العلماء السلفيين، أمثال: الشيخ محمد الرمالي، والشيخ عبدالعزيز الخولي، والشيخ عبدالظاهر أبو السح، والشيخ محمدعبد الرزاق، والشيخ محمد أبو زيد، وغيرهم من العلماء بمصر، كما حضر دروس القسم العالي بالأزهر.
ومن مصر توجه إلى الحج، ثم إلى الهند، حيث اجتمع بعلماء أهل الحديث وأخذ العلم عن الشيخ عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري، وهو أفضل علماء الهند في ذلك الزمان.
ومن الهند توجه إلى "الزبير" في العراق، حيث التقى العالم الموريتاني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، مؤسس مدرسة النجاة الأهلية بالزبير، وتزوج ابنته، ومن الزبير سافر إلى مصر، ثم إلى المملكة العربية السعودية، حيث أعطاه السيد محمد رشيد رضا توصية وتعريفاً إلى الملك عبدالعزيز آل سعود قال فيها: "إن محمد تقي الدين الهلالي المغربي أفضل من جاءكم من علماء الآفاق، فأرجو أن تستفيدوا من علمه".
في ضيافة الملك عبدالعزيز ..
فأقام الهلالي في ضيافة الملك عبدالعزيز آل سعود بضعة أشهر، ثم عُين مراقباً للتدريس في المسجد النبوي، وبعد سنتين نقل إلى المسجد الحرام والمعهد السعودي بمكة المكرمة لمدة سنة، ثم جاءته رسائل من إندونيسيا ومن الهند، وكلها تطلبه للتدريس في مدارسها، فاستجاب لدعوة السيد سليمان الندوي بالهند، وصار رئيس أساتذة الأدب العربي في كلية ندوة العلماء في مدينة لكنهو بالهند، حيث بقي ثلاث سنوات تعلم فيها الإنجليزية، وأصدر باقتراح من الشيخ سليمان الندوي وبمساعدة تلميذه الطالب مسعود عالم الندوي مجلة "الضياء"، ثم عاد إلى الزبير حيث عمل مدرساً بمدرسة النجاة الأهلية التي أسسها الشيخ الشنقيطي والد زوجته.
وبعد ثلاث سنوات سافر إلى مدينة جنيف في سويسرا، ونزل عند الأمير شكيب أرسلان الذي كتب له توصية إلى أحد أصدقائه في وزارة الخارجية الألمانية في برلين قال فيها: "عندي شاب مغربي أديب ما دخل ألمانيا مثله، وهو يريد أن يدرِّس في إحدى الجامعـات، فعسى أن تجدوا له مكاناً لتدريس الأدب العربي براتب يستعين به على الدراسة".
وسرعان ما جاء الجواب بالقبول، حيث سافر الهلالي إلى ألمانيا وعُين محاضراً في جامعة "بون" وشرع يتعلم اللغة الألمانية، حيث حصل على دبلومها بعد عام، ثم صار طالباً بالجامعة مع كونه محاضراً فيها، وفي تلك الفترة ترجم الكثير من الألمانية وإليها، وبعد ثلاث سنوات في بون انتقل إلى جامعة برلين طالباً ومحاضراً ومشرفاً على الإذاعة العربية 1939م، وفي 1940م قدَّم رسالة الدكتوراه، حيث فنَّد فيها مزاعم المستشرقين أمثال: مارتن هارثمن، وكارل بروكلمان، وكان موضوع رسالة الدكتوراه "ترجمة مقدمة كتاب الجماهر من الجواهر مع تعليقات عليها"، وكان مجلس الامتحان والمناقشة من عشرة من العلماء، وقد وافقوا بالإجماع على منحه شهادة الدكتوراه.
مراسـل صحفي
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية سافر إلى المغرب بتكليف من سماحة الحاج محمد أمين الحسيني في مهمة سياسية، حيث زوّده السفير المغربي عبدالخالق الطريسي بجواز سفر على أنه من أهالي "تطوان" التي تقع تحت الحماية الإسبانية حيث أقام خمس سنوات.
ويروي الأستاذ محمد المجذوب في كتابه القيم "علماء ومفكرون عرفتهم" على لسان الدكتور الهلالي أنه تلقى في فترة إقامته بتطوان خطاباً من الشيخ حسن البنا ـ المرشد العام للإخوان المسلمين ـ يقول فيه:
"لنا مكاتبون ومراسلون من جميع أنحاء العالم الإسلامي إلا المغرب، فأرجو منك أن تبحث لنا عن مراسل، وتخبرنا بقدر المكافأة التي يتطلبها عن كل مقال يرسله إلى صحيفة الإخوان المسلمين، وإن قدرتَ أنت أن تقوم بهذا الأمر فهو أحبُّ إلينا...".
يقول د.الهلالي: فقبلتُ الطلب، وبدأتُ أراسل صحيفة الإخوان المسلمين سراً بواسطة البريد الإنجليزي في تطوان، ولكن الإسبانيين كانوا قد اتفقوا مع أحد الموظفين المغاربة في البريد الإنجليزي أنه متى رأى رسالة أو مقالاً لا يذكرهم بخير، ينسخ لهم نسخة منه، ويعطونه مكافأة عظيمة على كل رسالة أو مقال، فأطلعهم هذا الموظف على جميع المقالات التي أرسلتها إلى صحيفة الإخوان المسلمين، فقبضوا عليَّ وزجوني في السجن، ولم يوجهوا إليَّ أي اتهام، وبقيت ثلاثة أيام، فاحتج أهل المدينة وأذاعت محطة لندن باللهجة المغربية هذه الحادثة والاحتجاج فأطلقوا سراحي.
وفي 1947م سافر الشيخ الهلالي إلى العراق، حيث قام بالتدريس في كلية الملكة عالية ببغداد وبقي إلى 1958م حيث قام الانقلاب العسكري في العراق، فغادرها عام 1959م إلى المغرب حيث عمل أستاذاً في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، وفي 1968م تلقى دعوة من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للعمل أستاذاً بالجامعة منتدباً من المغرب وبقي يعمل إلى 1974م حيث ترك الجامعة وتفرغ للدعوة بالمغرب.
وكانت بداية معرفتي بأستاذنا محمد تقي الدين الهلالي من خلال ما كنت أسمعه عنه من العم محمد السليمان العقيل الذي كان من أعز أصدقائه، ثم قرأت له في مجلة "الإخوان المسلمون" عام 1946م قصيدة عصماء يندد فيها بالاستعمار الفرنسي، ولا يحضرني منها الآن سوى مطلعها..
أعادي فرنسا ما حييتُ وإن أمت فأوصي أحبائي يعادونها بعدي
فازداد حبي له، وتشوَّقتُ للاتصال به فراسلته في "تطوان" على عنوان المجلة "لسان الدين" التي كان يصدرها بالتعاون مع الشيخ عبدالله كنون كبير علماء المغرب، وكانت أعدادها تصل إلى مكتب العم محمد العقيل، وقد سُمِّيت المجلة بهذا الاسم تيمناً باسم لسان الدين بن الخطيب الأندلسي، ومن ذلك الوقت توثقت صلتي بالشيخ الهلالي، فلما قدم إلى العراق واستقر بها، زرته في بيته ببغداد أكثر من مرة، حيث استفدت من علمه، وفي سنة 1948م جاءتني رسالة منه في بغداد يوصيني بالشيخ مسعود عالم الندوي ورفيقه محمد عاصم الحداد اللذين يزوران العراق بتكليف من السيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان، حيث سعدنا بهما في البصرة والزبير، وقد بذلت مع إخواني عبدالله الرابح وعبدالعزيز الربيعة وعمر الدايل مانستطيع من جهد لمساعدتهما في مهمتهما، ومن خلالهما اطلعنا على مؤلفات المودودي وعرفنا الكثير عن الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان.
يحدثنا العم محمد السليمان العقيل عن صديقه الهلالي فيقول: كانت صلتي بالهلالي قديمة منذ قدم الزبير، وكانت لنا معه لقاءات يشارك في بعضها الشيخ ناصر الأحمر والشيخ عذبي الصباح والشيخ جاسم اليعقوب، وهو عالم فاضل متمكن من علمه وأديب شاعر فحل.
ويروي لنا الهلالي عن صديقه محمد العقيل فيقول: كان أبوقاسم مبتدئاً بالعمل التجاري، فوعدني أنه إذا فتح الله عليه واتسعت تجارته فلن يتخلى عني، وكان ذلك أوائل الثلاثينيات الميلادية، ولما عدت إلى العراق سنة 1947م بعد غربة طويلة، ذكَّرته بوعده، وطلبت منه المساعدة لشراء بيت لسكناي ببغداد وكان ذلك من خلال قصيدة نظمتها وأرسلتها له فكانت استجابته سريعة ووفى بوعده جزاه الله خيراً.
وأنا لايحضرني من قصيدة الهلالي سوى مطلعها:
أبا قاسم قد جئتُ أستنجز الذي وعدت به قدماً وأنت كريمُ
أعيذك بالرحمن من شرِّ مارد يزين لك الإخلافَ وهو ذميم
ويحدثنا بعض الطلبة الذين درسوا على يده في مدرسة النجاة الأهلية في الزبير أنه رجل عالم، ومدرس فاهم، ومرب حازم، غزير الإنتاج، وافر العطاء، شديد الملاحظة للأخطاء اللغوية، فلا يتساهل فيها، كما يروون شدته وحزمه مع الطلاب ومحاسبته لهم، إذا ما قصّروا في أداء الواجبات، حتى أن بعض الطلاب الكسالى يتربصون به في الطريق ويقذفون الحجارة ثم يهربون ولا يعرفهم أحد، فضاق بهم ذرعاً وكتب مقالاً يهاجمهم وأولياء أمورهم في جريدة "السجل" لصاحبها طه الفياض وعنوان المقال "أعيلان أم غيلان؟" وقد أحدث هذا المقال ضجة حملت أولياء الأمور على مراقبة أبنائهم وتأديبهم وإلزامهم الانتظام في الدراسة واحترام المدرسين.
أفكاره: التزم الشيخ الهلالي بالمنهج السلفي وصار من دعاته النشيطين، و كان متفتحاً غير متزمت ومجتهداً غير مقلد، وقد أكسبته الأسفار الكثيرة إلى البلاد العربية والهند وسويسرا وألمانيا، ولقاؤه العلماء في العالم العربي والإسلامي، صفات العالم العامل والداعية الواعي، والمصلح الحكيم والمجاهد الصادق، وكان منهجه في التعليم والتربية، الحرص على غرس التوحيد، والالتزام بالأركان والعمل بالأصول، والبعد عن مواطن الخلاف في الفروع، والاستفادة مما لدى الغرب من تقدم علمي، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
وفي فترة وجوده بالمدينة المنورة أستاذاً بالجامعة الإسلامية كنت أزوره حين حضوري لاجتماعات المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة حيث كنت عضواً فيه، ونغترف من فيض علمه ومعارفه ونتدارس معه أوضاع المسلمين في كل مكان، وسبل النهوض بهم، ومهمة الدعاة إلى الله وضرورة صبرهم وثباتهم على ما يلقونه لأن المهمة شاقة والطريق طويل وقد حفَّت الجنة بالمكاره وحفَّت النار بالشهوات.
كما أنه شرفني في بيتي بالكويت حين زارها أواخر السبعينيات الميلادية، حيث تناولت أحاديثه ذكرياته في الزبير والهند وألمانيا والمغرب.
وشاعر أيضاً؟
والدكتور الهلالي له قصائد كثيرة في مناسبات عديدة ولكنها تحتاج إلى جمع وتوثيق للزمان والمكان والمناسبة التي قيلت فيها ونرجو أن يضطلع بذلك تلامذته وأحبابه في المغرب، أمثال الأخ الدكتور عبدالسلام الهراس وإخوانه.
قال قصيدة في تحية الزعيم المغربي عبدالخالق الطريس سنة 1356هـ نقتطف منها الأبيات التالية:
سنا الحرية الغراء لاحا فصيَّر حندس الظلما صباحا
وأحيا ميِّت الآمال لما أهاب بنا إلى العليا وصاحا
سلاح الحق لايخشى فلولاً ويلقى من يصول به النجاحا
تحارب باغياً وتميتُ جهلاً ونور العلم تجعله السلاحا
فيصبح قومك الأموات أحيا وتنشرح الصدور لك انشراحا
وتنهض بالبلاد إلى المعالي وتفتتح الطريق لها افتتاحاً
وتبدل ضيمها عزاً وفخراً وتملؤها ابتهاجاً وارتياحا
وقال في قصيدة يُحيي الزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني أذيعت في محطة برلين سنة 1941م:
يا مقبلاً من غزوه متأهباً للقاء أخرى ليس بالمتواني
تهديك وثبتك العظيمة أنها فجر الجهاد وأول الفرقان
لك في قلوب العرب حب صادق ومكانة جلَّت عن التبيان
وبكل أرض رفعة وجلالة في الناء من أرجائها والداني
الفضل فيك سجية موروثة عن جدك المختار من عدنان
ومن قصيدة نظمها في انتقاد أخلاق بعض الموظفين الكسالى وترفعهم عن الناس وتأخير معاملاتهم نقتطف منها:
بلدة أصبح الموظف فيها جالساً في السماء فوق السحاب
حالة تضحك العدو وتبكي بدماء معاشر الأحباب
أبهذي الأخلاق يرجع مجد ضاع منكم في غابر الأحقاب
فإلى الله نشتكي من زمان فاسد جاءنا بكل عجاب
وحين سأل الأستاذ المجذوب الشيخ الهلالي عن أحب العلوم إليه أجاب: "أحبها إليَّ علوم الحديث وعلوم القرآن لأني أحب اتباع الكتاب والسنة وأكره مخالفتهما، ثم علم النحو وسائر علوم الأدب، ثم علم اللغات".
مؤلفاتـــه:
وللشيخ الهلالي مؤلفات كثيرة ما بين صغير وكبير ومن أهمها:
الزند الواري والبدر الساري في شرح صحيح البخاري (المجلد الأول فقط).
الإلهام والإنعام في سورة الأنعام.
الإسفار عن الحق في مسألة السفور والحجاب.
القاضي العدل في حكم البناء على القبور.
الأنوار المتبعة في تحقيق سنة الجمعة.
قبسة من أنوار الوحي.
الصبح السافر في حكم صلاة المسافر.
العلم المأثور والعلم المشهور واللواء المنشور في بدع القبور.
آل البيت ما لهم وما عليهم.
أحكام الخُلع في الإسلام .
حاشية على كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب.
مختصر هدي الخليل في العقائد وعبادة الجليل.
حاشية على كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب.
أهل الحديث.
الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق.
دليل الحاج إلى مناسك الحج.
العقود الدرية في منع تحديد الذرية.
دواء الشاكين وقامع المشككين في الرد على الملحدين.
البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية وبريء من الألوهية.
فكاك الأسير العاني المكبول بالكبل التيجاني.
سب القاديانيين للإسلام والرد عليهم.
الرجعية والتقدم.
تقويم اللسانين.
رحلة من الزبير إلى جنيف.
رحلة إلى درعة بالمغرب.
من يرافقني إلى برلين؟.
الهاديات.
حواشي شتى على إنجيل متى.
الصديقات الثلاث (قصة).
تاريخ اللغة السامية.
رحلة إلى ألمانيا.
الطبقات عند العر.
تمثيليات طيف الخيال لمحمد بن دانيال.
الجماهر في الجواهر (رسالة الدكتوراه).
مدنية العرب في الأندلس (مترجم عن الإنجليزية).
كتاب البلدان لمحمد بن الفقيه البغدادي (مترجم إلى الألمانية) بالاشتراك.
لسان الدين (المجلد الأول) .
المجلة التي كان يصدرها بتطوان.
فضل الكبير المتعالي (ديوان شعر محمد تقي الدين الهلالي).
والهلالي كان من المواظبين على الكتابة في مجلة (الفتح) لمحب الدين الخطيب، ومجلة (المنار) لمحمد رشيد رضا.
كما أن له محاضرات ودروساً وندوات وأحاديث ومقالات وبحوث لا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة، لأنها في موضوعات عدة، وبلدان متفرقة، وأزمان مختلفة.
حدثني الأخوان عمر الدايل وعبدالعزيز الناصر عن الشيخ الهلالي ـ حين زاراه في بيته بالمدينة المنورة ـ عن موقف من مواقفه، قال الشيخ الهلالي: كنت إمام المسجد الذي بناه الحاج مصطفى الإبراهيم في منطقة الدورة بالبصرة، وفي مرة تأخر الحاج مصطفى عن موعد الصلاة، فأقيمت وصليت بالناس دون انتظاره، وبعد الصلاة عاتبني كيف تقام الصلاة قبل حضوره، فأجبته أن وقت المغرب قصير، ولا يصح التأخير، فقال الحاج مصطفى الإبراهيم: ألا تعلم ياشيخ تقي الدين أنني أملك نصف منطقة الدورة؟ فأجبته وأنا أملك النصف الآخر، وأنا إمام المسجد!! وتأزم الموقف وغادرت المنطقة ولم أعد.
إن أستاذنا الشيخ الهلالي علم من أعلام الإسلام، ومجاهد من المجاهدين العظام، كانت له آثار في كل مكان زاره أو استقر فيه، وله من الطلاب والمحبين آلاف مؤلفة في أنحاء العالم الإسلامي، ولقد تزوج حين كان في ألمانيا بمسلمة ألمانية وله منها ولد، كما تزوج في المغرب من مغربية وله منها أولاد بالإضافة لزوجته الأولى أم شكيب التي لها منه ولد وبنت.
وقد وافته المنية في منزله بالدار البيضاء بالمغرب يوم الإثنين 25 شوال 1407هـ الموافق 22 يونيو 1987م وشيع جنازته جمهور كبير من العلماء والمفكرين والمثقفين والسياسيين.
نسأل الله أن يتغمده برحمته ورضوانه وأن يدخلنا وإياه في جنته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فائدة:
سمعت من الشيخ صالح آل الشيخ أن الدكتور تقي الدين الهلالي قد قرأ على الشيخ محمد بن إبراهيم كتاب التوحيد.
وأن الشيخ محمد بن إبراهيم قرأ على الدكتور تقي الدين الهلالي متنا في البلاغة.
هل كان العلامة تقي الدين الهلالي متأثراً بالغرب؟
بقلم تلميذه الشيخ/ أحمد بن محمد الحمزاوي *
ضمني وإخوة أجلاء مجلس مبارك تجاذبنا فيه أطراف الحديث، فجرى ذكر مجدد الدعوة السلفية في المغرب وناصرها، ومحيي معالم السنة بعد اندثارها، وقامع البدع والخرافات وقاهرها، لسان أهل السنة وخطيبهم، وكاتب أصحاب الحديث وشاعرهم، الإمام العلامة الشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي تغمده الله بواسع رحمته.
فأخبرني بعض الحاضرين أن شخصا من المغرب يشيع بين المشايخ وطلبة العلم، أن العلامة الهلالي رحمه الله كان معجبا بالمدنية الغربية وأصحابها، ومتأثرا بالحضارة الأوروبية وأفكارها، فتملكني العجب، لا من سوء الفرية، وقبح البهتان، فمثل الشيخ العلامة في جهاده، وإصلاحه، ودعوته، وذبه عن عقيدة السلف وأهلها، وذوده عن حياض السنة وآلها، وانبرائه لصد ما يخالف شرع الله تعالى بلسان سحبان فصاحة وبيانا، وقلم ابن قتيبة سلاسة وبرهانا، وشعر حسان جزالة وإتقانا عرضة لأن ينفس المبتدعون والخرافيون والصوفيون والقبوريون عن غيظهم بالطعن فيه بعد موته والحي قد يغلب ألف ميت أما في حياته، فقد أسكت والله أصواتهم، وألجم ألسنتهم، وكمم أفوا**م، وقلم أظفار أقلامهم, لكن سبب عجبي أن مختلق الإفك، ومشيع الكذب من المنتسبين الى منهج أهل السنة والجماعة الذي أحياه الشيخ الهلالي، وذاد عنه قرابة ثمانين عاما في مشارق الأرض ومغاربها، ويبلغ العجب منتهاه، والاستغراب مداه، أن الذي تولى كبر هذه الفرية، وباء بإثم نشرها، ممن طوق العلامة الهلالي أعناقهم بمعروفه، وغمرهم بإحسانه، فهو الذي أرشده إلى طريق العلم، ويسر له سبل المعرفة، فكان كما قيل: (أحشك وتروثني)..
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني
مع أن النفوس السوية، والفطر السليمة تأبى أن تقابل المعروف إلا بالمكافأة والشكران، وأن تجزي الإحسان إلا بالإحسان، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}، وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن حبان: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس", وقد استند هذا الرجل في دعواه وافتئاته على أمرين:
أولهما: أن الشيخ العلامة الهلالي درس في أوروبا، ونال شهادته منها.
الثاني: أنه رحمه الله كان يذكر في دروسه، وكتاباته ما رآه من تمسك بعض الأوروبيين بجملة من محمود الصفات، وتحليهم ببعض الأخلاق الحسنة كترك الفضول، وحسن الإنصات للمناقش، والمحافظة على المواعيد، والحرص على عدم إضاعة الأوقات، والجد في العلوم الدنيوية، مما أوصلهم إلى ما هم فيه من التقدم المادي الدنيوي، حتى أصبح المسلمون يحتاجون إلى صناعاتهم من الإبرة الى الطائرة.
ودونك أخي الكريم حقيقة الأمر وجلية المسألة، لتعلم ما في كلام الرجل من التدليس والتلبيس..
أولاً: أن الشيخ رحمه الله بين بنفسه سبب سفره إلى أوروبا، وعلة سعيه في الحصول على الشهادة، فقال: وإنما سافرت إلى أوروبا بعد سن الأربعين، للحصول على شهادة جامعية تمكنني من الدخول الى الجامعات في البلاد الآسيوية والإفريقية، لنشر الدعوة بين المعلمين والمتعلمين، لأن الآسيويين والأفريقيين قد غلوا في تعظيم الشهادات العالية، وأصحابها، حتى صارت عندهم كل شيء، فمن حصل عليها صار حديثه مقبولاً، وصار في نظرهم عالما، ولو كان أجهل من حمار أهله، صيانة العرض ص 33.
وهذا الكلام من وضوح المغزى ونبل المقصد بحيث لا يحتاج الى تعليق وقد صرح في موضع آخر بأن الإقامة في أوروبا إنما تكون للضرورة فقد كاتبه الاستاذ عبداللطيف أبو السمح فكان مما قاله: "وأسأله تعالى أن يجمعنا بكم في أوروبا كما جمعنا في إفريقيا ثم آسيا", فأجابه العلامة الهلالي من قلب أوروبا قائلا:
"وما رجوته من الاجتماع هو بغيتي وسؤالي إلا أنني أخالفك في موضعه فأتمنى أن يكون في مصر في خير وسلامة فهي أحب إلي من أوروبا، ولا أظن أن العاقل يستحب الإقامة في أوروبا إلا للضرورة وبقدرها".
إلى أن قال:
"ولا أنكر أن هنا في أوروبة علوما نافعة لأهل الشرق، ولا أجحد أن بعض من يرحل الى أوروبة من الطلبة فيهم شهامة ونجابة، والذي أنكره هو أنه ليس كل الطلبة الآتين هذه الديار لطلب العلم هم في الحقيقة طلاب علم، وأنهم يرجعون الى الشرق بما ينفع أوطانهم، أو على الأقل لا يضرها، ومنذ جئت الى أوروبة، وخبرت أحوال طلبة العلم أسفت أسفا شديداً، إذ لم يكن لي حول ولا قوة لإصلاح الحال, فإن قلت: وماذا تصنع لو كان لك حول وقوة؟ فالجواب: لو كان لي مثلا مال فاضل وهو أحد أنواع الحول لما اقتصرت في النصيحة على تصديع القراء بمثل هذه المقالات الفارغة، بل أجبت بالعمل، وذلك أني أرجع الى الشرق، وألقي بصري على طلبة العلم، ومتى رأيت منهم من جزمت لي فراستي وأظنها قلما تخطئ في هذا الباب دعوته واختبرته، وعرفت العلم الذي هو متأهل له, فقلت له: تهيأ للسفر وجهزته وبعثته، فإذا أتم دراسته ورجع يعمل عملا حرا أو حكوميا مضاداً أشد المضادة لما يعمل المزورون الملبسون، فإذا رأى الشعب والحكومة الفرق بينه وبين أولئك المحتالين، عرفوا الحقيقة، واحتاطوا في إرسال الطلبة، وتدرجوا في إصلاح هذا الباب الى أن يصلوا إلى الصواب، وهو إرسال الطلبة حسبما تقتضيه حاجة البلاد، لا حسب شهوة المرسلين أو المرسلين" انظر مجلة الفتح العدد 811 ص 13.
فتأمل أخي الكريم هذه الجواهر واللآلىء بعين الإنصاف، وزنها بميزان العقل، تجد أن الشيخ العلامة قد طبق المفصل، وأصاب كبد الحقيقة، وأن ذلك لا يصدر إلا من أصيل الرأي، ثاقب النظر، سديد الرأي لا عن مقلد للغرب متأثر به، كما يزعم ذلك الرجل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما على الحكومات العربية والإسلامية إلا أن تبحث في سبل تطبيق هذه النظرية العلمية العظيمة، وآلات تحقيقها..
فهذا الحق ليس به خفاء فدع عني بنيات الطريق
ويقول رحمه الله وهو في ألمانيا: "وأنا من أهم الأمور التي دعتني للإقامة في أوروبة إبطال دعاوى المتفرنجين، وفضح أحوالهم، وهتك أستارهم، وإتيان بيوتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت من القواعد، {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} حرر في بن جرمانية: 25 رجب 1357هـ"
لم أعرف عن أحد من الشدة والغلظة والإنكار على المتفرنجين والعلمانيين مثل ما عرفته عن الشيخ الهلالي رحمه الله وفي قوله السابق ما ينبئ عن شيء قليل من ذلك، فهل يقول بعد ذلك عاقل يعي ما يقول: إن الشيخ متأثر بالغربيين؟؟
ثانياً : ما شغب به صاحبنا من كون الشيخ العلامة كان يمثل ببعض الأوروبيين في تمسكهم بجملة من محمود الأخلاق، كما أسلفنا، فهذا الرجل إما أن يكون قد أتى من فهم سقيم وفكر مريض فالتبس عليه الأمر كما قيل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وهذا أمر بعيد الاحتمال، وإما أن يكون قد بلغ به الحقد إلى حد محاولة إخفاء شمس الحقيقة، واختلاق الأكاذيب، كما قيل:
إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
وإلا فإن كل من جالس الشيخ العلامة رحمه الله أو أخذ عنه، أو استمع إليه، أو قرأ له يعلم يقينا أن الشيخ كان من أشد الناس إنكارا على من يخل بمكارم الأخلاق، أو يتهاون في التمسك بآداب الإسلام، وكان يقول: إن من أسباب تخلف المسلمين تركهم لتلك الأخلاق والآداب، ويدلل على ذلك بأن الأوروبيين والغربيين ما وصلوا الى ما وصلوا إليه من العلوم الدنيوية، إلا بأخذهم بجزء مما جاء به الإسلام، وحث عليه من الجد في العمل، وعدم إضاعة الوقت، وغير ذلك.
قال رحمه الله في مقال له بعنوان: "كيف كانت عقولهم؟" نشر في الفتح العدد 281 ص9:
"لئن خسر الأوروبيون في غزوات فلسطين لقد ربحوا ربحا عظيما، ونالوا ما هو خير لهم في ذلك الزمان من فتح مصر والشام والعراق, كانت صفقتهم رابحة وصفقتنا خاسرة، ذلك بأنه وقعت بيننا وبينهم مبادلة علمية خلقية، إذ أخذوا منا جانبا من العلم والأخلاق التي كان بها سعودنا وصعودنا، وأخذنا منهم قسطا وافرا من الجهل والأخلاق التي كانت سبب شقائهم وهبوطهم".
ويقول في آخر المقال: "فمن أين يا ترى جاءتنا هذه العقيدة، عقيدة المحاربة بالقوى الخفية؟ لا شك أنها بضاعة أوروبية من بضائع أولئك القسيسين الذين قدموا الصبيان الفرنسيين لحتفهم, وكيف تبدلت عقول الأوروبيين، وانتقلت من تلك الدركة السفلى، فارتفعت الى ما هي عليه الآن من معرفة سنن الكون، وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا، من تلك الحروب الصليبية التي أفهمت الاوروبيين جهلهم وانحطاطهم، فبادروا الى درس العلوم المحمدية، والحضارة العربية، وثابروا على ذلك إلى أن بلغوا ما بلغوا، ومن سلك الجدد أمن العثار".
فانظر رحمك الله إلى عظيم قدر الأخلاق، وكبير منزلة العلوم المحمدية عند العلامة المفكر رحمه الله فقد جعل ما ظفر به الصليبيون من علوم المسلمين وأخلاقهم نصرا حقيقيا وإن انهزموا في ميادين الحرب لأنه كان السبب في نهضتهم وقوتهم المادية، كما جعل ما تلقفه المسلمون من جهل الأوروبيين ومساوئ أخلاقهم انهزاما حقيقيا وإن انتصروا في المعارك لأنه كان سبب انحطاطهم وتخلفهم.
وقوله رحمه الله: "وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا" بيان لما أخذه الأوروبيون من الأخذ بالأسباب، أما التوكل على الله مسبب الأسباب، فهذا جانب عقدي لم يأخذه الأوروبيون، فلم يذكره، وذلك بيّن واضح.
ثم بعد هذا، أيقال في حق مثل هذا الإمام العلامة، وهو الداعية الصادع بالحق المعلن أن ما أصاب المسلمين من ضعف ووهن، سببه ترك تعاليم دينهم وأخلاق شريعتهم إلى خزعبلات الأوروبيين وخرافاتهم: إنه متأثر بالفكر الغربي والحضارة الأوروبية؟! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!!
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم
وقد وقفتك أخي المنصف على نزر ضئيل من فكر الشيخ الإمام في تنظير التعامل مع الغرب، وانبلج الصبح لذي عينين، وعسى الله أن ييسر لنا إتمام هذا الموضوع وغيره بأوسع من هذا.
14 العلامه محمد الامين الشنقيطى
أولاً التعريف بالمؤلف:
اسمه ونسبه:
هو محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، ولد رحمه الله بالقطر المسمى شنقيط من دولة موريتانيا، وكان مولده في عام 1325هـ / 1905م.
نشأته وطلبه للعلم:
نشأ رحمه الله يتيما فقد توفي أبوه وهو صغير يقرأ في جزء "عم" فنشأ في بيت أخواله، وكان بيت علم، فحفظ القرآن على يد خاله، وعمره عشر سنوات، وتعلم رسم المصحف على يد ابن خاله، وقرأ عليه كذلك التجويد.
وأخذ الأدب وعلوم اللغة على يد زوجة خاله، فكانت مدرسته الأولى بيت خالته، فنعم البيت كان.
أما بقية الفنون فتعلم الفقه المالكي وهو السائد في بلاده، فدرس مختصر خليل على يد الشيخ محمد بن صالح إلى قسم العبادات، ثم درس عليه أيضا ألفية بن مالك، ثم أخذ بقية العلوم على مشايخ متعددين، وكلهم من الجكنيين، وهي القبيلة التي ينتمي إليها الشيخ، وكانت معروفة بالعلم حتى قيل: "العلم جكني" وكانت الطريقة المعهودة في بلاده هي أن يبدأ الطالب بفن واحد من الفنون، ويبدا بكتابة المتن في اللوح الخشبي فيكتب قدر ما يستطيع حفظه، ثم يمحوه ثم يكتب قدرًا آخر، غير أنه رحمه الله تميز في طلب العلم فألزمه بعض مشايخه بأن يقرن بين كل فنين، حرصا على سرعة تحصيله، وقد انشغل رحمه الله بطلب العلم حتى تأخر في الزواج، ولما كلمه البعض في أمر الزواج رد عليهم قائل:
فقلت لهم دعوني إن قلبي من الغي الصراع اليوم صاح
الشيخ والشعر:
كان الشيخ رحمه الله ذا قريحة وقادة، وكانت شاعريته رقراقة، ومعانيه عذبة فياضة، وأسلوبه سهل جزل، وبالرغم من هذا كله فقد كان رحمه الله يتباعد عن قول الشعر.
سأله تلميذه الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله عن سبب تركه للشعر مع قدرته عليه وإجازته فيه فقال:
تذكرت قول الشافعي فيما ينسب إليه:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
ومثل هذا قاله ابنه عبد الله، وقال أيضاً: وجدت شعرًا لأبي عند أحد الناس فأردت حفظه، فقال لي: استأذن أباك، فاستأذنته فزجرني بشدة، ونهاني عن تعلمه ونسبته إليه.
وحدث أن قدم يوما رحمه الله وهو في مقتبل شبابه، ولم يكن يعرفه فسأله من يكون فأجاب الشيخ رحمه الله مرتجلاً:
هذا فتى من بني جاكاني قد نزلا به الصبا عن لسان العرب قد عدلا
رمت به همة علياء نحوكم إذ شام برق علوم نوره اشتعلا
فجاء يرجو ركاما من سحائبه تكسو لسان الفتى أزهاره حللا
إذا ضاق ذرعا بجهل النحو ثم أبا ألا يميز شكل العين من فعلا
قد أتى اليوم صبا مولعا كلفا بالحمد لله لا أبغي له بدلا
أعماله وجهوده في نشر العلم قبل قدوم المملكة:
كانت أعماله رحمه الله كعمل غيره من العلماء: الدرس والفتيا، واشتهر رحمه الله بالقضاء وبالفراسة فيها، وقد كان الناس يفدون إليه من أماكن بعيدة، وكان عضوًا في لجنة الدماء التي تعرض عليها أحكام القصاص من القتلى والتي كانت تتكون من عضوين للتصديق على أحكام الحاكم الفرنسي.
أخلاقه:
أما عن أخلاق الشيخ رحمه الله فحدث ولا حرج، فهو آية في أخلاقه، كرمه، وعفته، وشجاعته، وزهده، وترفُّع نفسه، فهو صاحب ميزة فيها يقول تليمذه الشيخ عطية محمد سالم: فهذا ما يستحق أن يفرد بحديث وإني لا أستطيع إلا تصويره ولا يسعني في هذا الوقت تفصيله.
لم تكن الدنيا تساوي شيئا عنده، وكان غير مكترث به، على طول فترة إقامته بالمملكة لم يطلب عطاء ولا راتبا ولا ترفيعا لمرتبه، ولا حصولاً على مكافأة، ولكن ما جاء من غير سؤال أخذه، وما حصل عليه لم يكن ليستبقيه لنسفه؛ بل يوزعه على غيره كما يقول الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله: كان كثير التغاضي عن أمور تخصه هو، وتتعلق بنفسه فإن سئل عن ذلك تمثل قول الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
تواضعه:
أما عن تواضعه فقل إنه صاحبه، كان إذا سئل مسألة في أخريات حياته، تباعد عن الفتيا، فإذا اضطر قال: لا أتحمل في ذمتي شيئا العلماء يقولون كذا، وكذا.
يقول الشيخ عطية محمد سالم: سألته مرة عن ذلك أي تحفظه في الفتيا فقال: إن الإنسان في عافية ما لم يبتلى، والسؤال ابتلاء، لأنك تقول عن الله ولا تدري أتصيب حكم الله أم لا، فما لم يكن عليه نص قاطع من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب التحفظ فيه ويتمثل بقول الشاعر:
إذا ما قتلت الشيء علما فقل به ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
فمن كان يهوى أن يرى متصدرًا ويكره لا أدري أصيب مقاتله
ألا ليت شعري ألا يتأمل المتعجلون في الفتوى لمثل هذ، ألا يرحم ناشئة طلاب العلم أنفسهم والناس من الفتاوى السريعة، والأجوبة الجاهزة، والأحكام الجريئة.
بل وأعجب من هذا كله أنه كان يردد على مسامع تلامذته "صار أمثالنا علماء لما مات العلماء" وكأنه كان يعلم تلامذته الإقلال من الفتوى، والتثبت من العلم.
موقف رائع:
على الرغم من أن الشيخ كان جوهرة ثمينة، وقد ملئ علما من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، أو كما يقول عنه الاستاذ محمد المجذوب رحمه الله: "ثقافة موسوعية، حتى ليخيل إليك وهو يحضر تقريراته منها أنها تخصصه الذي لا يكاد يعدوه، شأنه في ذلك شأن الأسلاف الكبار".
جهود الشيخ الدعوية في المملكة:
خرج الشيخ في رحلته إلى الحج والتي ألف فيها كتابا خاصا احتوى على نكات فقهية ودروس علمية ومحاورات أدبية، وقد كانت نيته الحج ولم يكن في خلده أن يقيم بالمملكة، ولكنه أراد أمرًا وأراد الله خيرًا وفيراً، فمكث الشيخ في المملكة واستقر به المقام في المدينة المنورة ورغب رحمه الله في هذا الجوار الكريم، وقام بتفسير القرآن مرتين وتوفي رحمه الله ولم يكمل الثالثة.
وفي سنة 1317هـ افتُتح معهد علمي بالرياض وكلية للشريعة وأخرى للغة، واختير الشيخ للتدريس بالمعهد والكليتين فتولى تدريس التفسير والأصول إلى سنة 1381هـ.
ومكث الشيخ بالرياض عشر سنوات وكان يقضي الإجازة بالمدينة ليكمل التفسير، وكان رحمه الله يدرس في مسجد الشيخ محمد آل الشيخ في الأصول، كما كان يخص بعض الطلاب بدرس آخر في بيته، وقد كان بيته أشبه بمدرسة يؤمها الصغير والكبير والقريب والبعيد.
ولما أنشئت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كان الشيخ رحمه الله علما من أعلامها ووتدًا من أوتادها، يرجع إليه طلابها كما يرجع إليه شيوخها، وفي سنة 1386هـ افتتح معهد القضاء العالي بالرياض فكان الشيخ يذهب لإلقاء المحاضرات المطلوبة في التفسير والأصول.
ولما شكلت هيئة كبار العلماء، كان رحمه الله عضوًا من أعضائها، وكان رئيسا لإحدى دوراتها.
كما كان رحمه الله عضوًا في رابطة العالم الإسلامي.
مؤلفاته:
خاض الشيخ رحمه الله غمار التأليف منذ نعومة أظفاره، فألف وهو في بلاده:
1- نظما في أنساب العرب.. وكان ذلك قبل البلوغ.
2- رجزًا في فروع مذهب مالك.
3- ألفية في المنطق.
4- نظما في الفرائض.
وهذه المؤلفات الأربعة مازالت مخطوطة.
وألف في بلاد الحجاز:
1- منع المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز.
2- دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب.
3- مذكرة الأصول على روضة الناظر.
4- آداب البحث والمناظرة.
5- أضواء البيان لتفسير القرآن بالقرآن.
كما أن هناك العديد من المحاضرات.
وفاته:
توفي رحمه الله ضحى يوم الخميس 17 من ذي الحجة 1393هـ بمكة المكرمة مرجعه من الحج ودفن بمقبرة المعلاة بريع الحجون في مكة رحمه الله وجمعنا به في مستقر رحمته يوم القيامة.
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:
يقع هذا الكتاب في سبعة أجزاء، وصل فيها الشيخ إلى قوله تعالى في سورة المجادلة: رأولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} (المجادلة/22) ووافقه المنية، فأكمل التفسير من بعده تلميذه الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله.
المقصود من تأليف الشيخ لهذا التفسير:
1 - بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلّها تفسير كتاب الله بكتاب الله.
2 - بيان الأحكام الفقهية.
ومن ثم فإن الكتاب يصنف على أنه تفسير القرآن بالمأثور، فهو تابع فيه لمدرسة التفسير بالأثر، ويدخل كذلك في مدرسة التفسير الفقهية، ومن هنا فقد ذكره صاحب كتاب "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر" مرتين، الأولى في المنهج أهل السنة والجماعة، والثانية في المدرسة الفقهية.
منهجه:
بيّن المؤلف رحمه الله غرضه من تأليف هذا التفسير بقوله: "واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمران:
أحدهم: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلّها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جلّ وعلا من الله جلّ وعلا، وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلاّ بالقراءة سبعية سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيره، ولا نعتمد على البيان بالقراءات الشاذة وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادًا للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات.
والثاني: بيان الأحكام الفقهية في جميع الآيات المبينة بالفتح في هذا الكتاب، فإننا نبين ما فيها من الأحكام وأدلتها من السنة وأقوال العلماء في ذلك، ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح بالدليل، من غير تعصب لمذهب معين ولا لقول قائل، معين لأننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله، لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلاّ كلامه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا.
وقد تضمن هذا الكتاب أمورًا زائدة على ذلك، كتحقيق بعض المسائل اللغوية وما يحتاج إليه من صرف وإعراب والاستشهاد بشعر العرب وتحقيق ما يحتاج إليه فيه من المسائل الأصولية والكلام على أسانيد الأحاديث، كما سنراه إن شاء الله تعالى" (أضواء البيان في إيضاح القرآن 1/34).
وقال أيضا في بيان منهجه، رحمه الله تعالى: "واعلم أن مما التزمنا في هذا الكتاب المبارك أنه إن كان للآية الكريمة مبين من القرآن غير وافٍ بالمقصود من تمام البيان فإنا نتمم البيان من السنّة من حيث أنها تفسر للمبين باسم الفاعل" (أضواء البيان1/24).
وقال أيضاً: "وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها يشهد له قرآن فإنا نذكرها ونذكر القرآن، الدال عليها من غير تعرض لترجيح بعضه؛ لأن كل واحد منها صحيح" (أضواء البيان1/20).
وقد التزم رحمه الله بهذا فالتزم تفسير القرآن بالقرآن معتمدًا على القراءات السبع مبتعدًا عن القراءات الشاذة ومستندًا إلى السنّة النبوية الطاهرة معتبرًا لأقوال العلماء الثقات، لا يتعصب الرأي، ولا يحقر قولا، بل ينظر إلى ذات القول لا إلى قائله، يستوفي الأقوال ويرجح بالدليل والبرهان، إن كنت أصوليا وجدت في تفسيره دقائقه، وإن كنت من علماء الحديث وجدت فيه بدائعه، وإن كنت فقيها وجدت فيه وفاءه، وإن كنت من علماء العقيدة وجدت فيه صفاءها ونقاءها، بل عقيدة أهل السنة والجماعة التي لا تشوبها شائبة، وإن كنت من علماء كل هذا وجدت فيه رواءك وشفاءك.
طرق تفسيره:
أولاً: تفسير القرآن بالقرآن:
وهذا النوع من التفسير هو الذي أبرزه المؤلف في تفسيره واعتني به عناية كبيرة، بل أفرده بدارسة قيّمة في مقدمة تفسيره، لا أحسبك تجدها بهذا الجمع والترتيب عند سواه، ولولا أنه ذكر من أنواع بيان القرآن بالقرآن أكثر من عشرين نوعا في أكثر من عشرين صفحة لسقتها لك بحذافيرها، فهي الكنز عليك به من معدنه وتعجب حين تقرأ له بعد أن عدّد هذه الأنواع قوله: "واعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن هذا الكتاب المبارك - يعني تفسيره - تضمن أنواعا كثيرة جدًا من بيان القرآن بالقرآن، غير ما ذكرنا تركنا ذكر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها وفي البعض تنبيه لطيف على الكل والغرض أن يكون الناظر في الترجمة على بصيرة ما يتضمنه الكتاب في الجملة قبل الوقوف على جميع ما فيه" ( أضواء البيان1/26).
ولذا فلا تثريب عليّ أن ذكرت بعض الأمثلة لبعض الأنواع التي جاءت بعد تفسيره رحمه الله فهي أنواع كثيرة وأمثلة أكثر، فمن ذلك:
بيان الإجمال:
وقد ذكر رحمه الله في مقدمة تفسيره أن الإجمال يكون بسبب الاشتراك سواء كان الاشتراك في اسم أو فعل أو حرف.
ومن الاشتراك في اسم قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} (الحج/29)، قال رحمه الله في ذلك: "في المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد به القديم، لأنه أقدم مواضع التعبد.
الثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة.
الثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم، والعرب تسمي القديم عتيقا وعاتقا ومنه قول حسان رضي الله عنه:
كالمسك تخلطه بماء سحابة أو عاتق كدم الذبيح مدام
لأن مراده بالعاتق الخمر القديم التي طال مكثها في دنها زمنا طويلاً وتسمي الكرم عتقا ومنه قول كعب بن زهير:
قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين وفي الخدين تسهيل
فقوله عتق مبين: أي كرم ظاهر ومنه قول المتنبي:
ويبين عتق الخيل في أصواتها
أي كرمه، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف.
وإذا علمت ذلك فاعلم: أنه قد دلت آية من كتاب الله على أن العتيق في الآية بمعنى: القديم الأول، وهي قوله تعالى: {إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركاً} (آل عمران/96) مع أن المعنيين الآخرين كلاهما حق، ولكن القرآن دل على ما ذكرنت، وخير ما يفسر به القرآن القرآن" (أضواء البيان5/686687).
وقد يكون الإجمال بسبب إبهام في اسم جنس جمعا كان أو مفردًا أو اسم جمع أو صلة موصول أو معنى حرف.
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مجموع: قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات} (البقرة/37) قال رحمه الله في ذلك: "لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بيّنها في سورة الأعراف بقوله: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين} (الأعراف/23)" (أضواء البيان1/63).
ومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مفرد قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} (الأعراف/137) قال رحمه الله في تفسيره: "لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم ولكنه بينها في القصص بقوله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} (القصص/5، 6)" (أضواء البيان2/297).
ومن أمثلة هذا النوع أعني أن يكون الإجمال بسبب الإبهام في اسم جنس مفرداً، قوله تعالى: {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) (الزمر/71) قال رحمه الله: "فقد بينها بقوله: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (السجدة/13) ونحوها من الآيات" (أضواء البيان1/8).
ثانياً: تفسير القرآن بالسنة:
أما تفسير القرآن بالسنّة ومن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أورد رحمه الله عددًا كثيرًا منها وهذه بعضه:
فمن ذلك: تفسيره لقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (الفاتحة/7)، قال: "قال جماهير من علماء التفسير "المغضوب عليهم" اليهود، "الضالين" النصارى، وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله صلى عليه وسلم من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه" (أضواء البيان1/37).
وقال في تفسير قوله تعالى: {ثلاثة قروء} (البقرة/228): "وأما الذين قالوا الأطهار فاحتجوا بقوله تعالى: {فطلقوهنَّ لعدتهنَّ} (الطلاق/1) قالوا عدتهنَّ المأمور بطلاقهنَّ لها الطهر لا الحيض كما هو صريح الآية.
ويزيده إيضاحا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتفق عليه: "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمره الله" (البخاري 6/67، مسلم2/1093).
قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في هذا الحديث المتفق عليه بأن الطهر هو العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، مبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: {فطلقوهنَّ لعدتهنَّ} وهو نص من كتاب الله وسنّة نبيه في محل النزاع.
قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا فصل في محل النزاع، لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار؟ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلا على أنها الأطهار.
ولا يوجد في كتاب الله، ولا سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في النزاع، لأنه حديث متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب الله تعالى"(أضواء البيان1/130).
ومنها ما هو بيان أحكام زائدة على ما جاء في القرآن ومنها ما هو بيان للناسخ والمنسوخ، ومنها ما هو تأكيد لما جاء في القرآن، وغير ذلك.
ثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
والمؤلف رحمه الله كثيرًا ما يستشهد بالتفسير الصحيح لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثيرًا ما يذكر لتفاسيرهم شواهد من آيات القرآن الكريم أو من سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ففي تفسير قوله تعالى: {وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} (النحل/112).
قال رحمه الله: "وقوله: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} وقع نظيره قطعا لأهل مكة لما لجّوا في الكفر والعناد ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف" (البخاري كتاب التفسير 6/39، مسلم كتاب صفات النافقين 4/2157).
فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء حتى أكلوا الجيف والعلهز "وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه" وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن، وذلك الخوف من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته وبعوثه وسراياه، وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات فقد فسر ابن مسعود آية "الدخان" بما يدل على ذلك".
ثم ذكر رحمه الله بعض الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنه وعقب عليها قائل: "وفي تفسير ابن مسعود رضي الله عنه لهذه الآية الكريمة ما يدل دلالة واضحة على أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في "سورة النحل" من لباس الجوع أذيقه أهل مكة حتى أكلوا العظام وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع، وهذا التفسير من ابن مسعود رضي الله عنه له حكم الرفع لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله:
تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له تحقق
وكما هو معروف عند أهل العلم" (أضواء البيان1/340342). المراجع:
1 - ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "عبد الرحمن السديس" ط دار الهجرة.
2 - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: الشيخ : محمد الأمين الشنقيطي/ ط دار الكتب العلمية.
3 - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: "د. فهد بن عبد الرحمن الرومي".
http://www.forsonna.com/forum/ada99:line-1.gif