شمعة الفرسان
09-07-2005, 02:17 PM
يروي أبو الحسن بن هذيل في كتابه الجميل (عين الأدب والسياسة، وزين الحسب والرياسة) قصةً طريفةً تدلُّ على ما في نيَّات السوء من مصارع أصحابها، فيقول: حكى بكر بن عبد الله المزني (( أنّ رجلاً كان يقف على رأس بعض الملوك ويقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء ستكفيكه مساعيه، وكان الملك يثق بهذا الرجل ويحسن إليه، فحسده رجلٌ من أصحابه جلساء الملك على مقامه هذا، وتمنى أن يكون مكانه في مقامه من الملك، فأضمر له السوء وأخذ يكيد له عند الملك، ويسعى في تشويه صورته عنده، وما زال كذلك على غفلةٍ من صاحبه حتى استطاع أن يغيّر قلب الملك على صاحبه، بعد أن أوهمه أن ذلك الرجل الذي يقف على رأس الملك يريد بالملك سوءاً.
فكتب الملك بخط يده كتاباً إلى بعض عمَّاله - وكان لا يكتب بخط يده إلا خطاب صلةٍ أو جائزة - ولكنَّه كتب هذه المرة بخط يده كتاباً إلى عامله جاء فيه: إذا وصلك كتابي هذا، فاذبح حامله، واسلخه واحش جلده تبناً، وابعث به إليَّ، ودفع الملك هذا الكتاب إلى القائم على رأسه وقال له: اذهب به إلى عاملي فلان، وخرج الرجل منطلقاً إلى ذلك العامل، فلقيه صاحبه الذي خانه وكذب عليه عند الملك، ورأى في يده الكتاب فسأله عنه، فقال: هذا كتاب بخط يد الملك إلى عامله فلان أمرني أن أوصله إليه، فلما رآه ذلك الصاحب المخادع بخط الملك أيقن أن فيه جائزة على حسب عادة الملك فيما يكتب بخط يده، فقال لصاحبه: أرجوك، أعطني هذا الكتاب أوصله بنفسي إلى العامل، فإني محتاج وأنت غني عن ذلك، فرقَّ له صاحبه، وأعطاه الخطاب، فانطلق به فرحاً مستبشراً.
ولما قرأه العامل نظر إلى الرجل ورأى سروره وفرحه فعجب لذلك وسأله: أتعرف ما في كتابك؟ قال بلهجة المتأكد: لا شك أنها صلة الملك لي كتبها بخط يده، قال العامل: بل أمرني في هذا الكتاب أن أذبحك وأحشو جلدك تبناً وأرسل به إليه، فصعق الرجل وقال للعامل: اتق الله في دمي، فإن الكتاب لم يكن لي، فأرجو أن تراجع الملك في أمري.
قال العامل: لا مراجعة للملك فيما أمر، ولا بدّ من إنفاذ أمره ولا سيما إذا كان الكتاب بخط يده، وأمر بقتل الرجل.
أما القائم على رأس الملك، فقد عاد إلى الملك ووقف كعادته وجعل يقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء ستكفيكه مساعيه، فعجب الملك لوجوده، وسأله عن الكتاب فقال - وهو لا يعلم عن شيء -: لقيني فلان فاستوهب الكتاب مني فوهبته له مساعدة له لعلمي بحاله.
فسكت الملك متعجباً ثم أخبر صاحبه بقصّة الكتاب وما فيه من الأمر بالقتل، وقال للرجل: صدقتَ وصدقت موعظتك التي تكرِّرها كلَّ يوم.))
هكذا تصرع نيَّة السوء صاحبها، وتسوقه إلى شر مآلٍ في الآخرة إن لم يتب في الحياة الدنيا.
فلا تحزنوا على من وقع في شر أفعاله ، ولا تساندوه عليها حتى يوقن بأنه المخطىء، ولا تكونوا سببا في اضرام النار بين الخلائق .
مقالة الدكتور عبد الرحمن العشماوي
فكتب الملك بخط يده كتاباً إلى بعض عمَّاله - وكان لا يكتب بخط يده إلا خطاب صلةٍ أو جائزة - ولكنَّه كتب هذه المرة بخط يده كتاباً إلى عامله جاء فيه: إذا وصلك كتابي هذا، فاذبح حامله، واسلخه واحش جلده تبناً، وابعث به إليَّ، ودفع الملك هذا الكتاب إلى القائم على رأسه وقال له: اذهب به إلى عاملي فلان، وخرج الرجل منطلقاً إلى ذلك العامل، فلقيه صاحبه الذي خانه وكذب عليه عند الملك، ورأى في يده الكتاب فسأله عنه، فقال: هذا كتاب بخط يد الملك إلى عامله فلان أمرني أن أوصله إليه، فلما رآه ذلك الصاحب المخادع بخط الملك أيقن أن فيه جائزة على حسب عادة الملك فيما يكتب بخط يده، فقال لصاحبه: أرجوك، أعطني هذا الكتاب أوصله بنفسي إلى العامل، فإني محتاج وأنت غني عن ذلك، فرقَّ له صاحبه، وأعطاه الخطاب، فانطلق به فرحاً مستبشراً.
ولما قرأه العامل نظر إلى الرجل ورأى سروره وفرحه فعجب لذلك وسأله: أتعرف ما في كتابك؟ قال بلهجة المتأكد: لا شك أنها صلة الملك لي كتبها بخط يده، قال العامل: بل أمرني في هذا الكتاب أن أذبحك وأحشو جلدك تبناً وأرسل به إليه، فصعق الرجل وقال للعامل: اتق الله في دمي، فإن الكتاب لم يكن لي، فأرجو أن تراجع الملك في أمري.
قال العامل: لا مراجعة للملك فيما أمر، ولا بدّ من إنفاذ أمره ولا سيما إذا كان الكتاب بخط يده، وأمر بقتل الرجل.
أما القائم على رأس الملك، فقد عاد إلى الملك ووقف كعادته وجعل يقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء ستكفيكه مساعيه، فعجب الملك لوجوده، وسأله عن الكتاب فقال - وهو لا يعلم عن شيء -: لقيني فلان فاستوهب الكتاب مني فوهبته له مساعدة له لعلمي بحاله.
فسكت الملك متعجباً ثم أخبر صاحبه بقصّة الكتاب وما فيه من الأمر بالقتل، وقال للرجل: صدقتَ وصدقت موعظتك التي تكرِّرها كلَّ يوم.))
هكذا تصرع نيَّة السوء صاحبها، وتسوقه إلى شر مآلٍ في الآخرة إن لم يتب في الحياة الدنيا.
فلا تحزنوا على من وقع في شر أفعاله ، ولا تساندوه عليها حتى يوقن بأنه المخطىء، ولا تكونوا سببا في اضرام النار بين الخلائق .
مقالة الدكتور عبد الرحمن العشماوي