أبو الفرج
12-14-2005, 09:08 PM
الحلقة الثانية
منهج شيخ الإسلام
في تقرير العقيدة والاستدلال عليها
ابن تيمية رحمه الله أحد الأئمة الأعلام، الذين نشروا معتقد السلف ودافعوا عنه، وهو يعد من أكبر شُرّاح اعتقاد السلف، المستدلين لمسائله وجزئياته وتفصيلاته، ما بين رسائل صغيرة، وكتب، ومجلدات ضخمة، ولا يكاد القارئ لكتب ابن تيمية رحمه الله يقرأ في كتاب من كتبه التي ألفها في العلوم الأخرى إلا ويجد داخل هذه الكتب بحوثاً نفيسة في الاعتقاد، لما يرى من أهمية نشر الاعتقاد الحق، وبثّه بوسائل مختلفة وطرق شتى.
إن ابن تيمية رحمه الله الذي جدد للأمة عقيدتها في القرن الثامن الهجري لم يكن ينصر نحلة معينة، أو يؤيد مذهباً وطريقة غير طريقة السلف الصالح التي معتمدها كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وقد صرّح رحمه الله بهذا في مواضع متعددة من كتبه، فمما قاله حين نوظر؛ لأجل العقيدة الواسطية:
(مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحداً قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها) .
وقد كان رحمه الله يركز على الاعتقاد؛ لأن أمره خطير عظيم، ولذا لما التمس منه تلميذه البزار (ت - 749هـ) أن يؤلف نصاً في الفقه يجمع فيه اختياراته وترجيحاته، ويكون عمدة في الإفتاء بيّن له ابن تيمية رحمه الله أن الفروع أمرها قريب، بخلاف الأصول، إذ كثير من أهل الأهواء الذين أسسوا الطوائف والفرق الضالة، كان قصدهم إبطال الشريعة، فأوقعوا الناس في التشكيك في أصول دينهم.
ولذا قال رحمه الله: (فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم....) .
إلى أن قال: (فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جُلّ همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة العقلية والنقلية) .
وسأحاول تلمس أبرز معالم منهجه في تقرير العقيدة - إجمالاً -، ثم أبرز معالم منهجه رحمه الله في الاستدلال عليها بشيء من الاختصار.
أما منهجه في تقرير العقيدة فيمكن أن يتضح من معالم متعددة أبرزها:
1 - تعظيم نصوص الشريعة، وإجلالها، والصدور عنها، لقول الله - تبارك وتعالى -: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [النساء: 65] .
وقال سبحانه وتعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 63] .
وقد وصف رحمه الله أهل العلم والإيمان بأنهم (يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقاً، وما خالفه كان باطلاً) .
وجعل رحمه الله من طريقة أهل السنة والجماعة: (اتباع آثار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.... ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وسلّم، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس...) .
فهذه هي طريقته، وهذا هو منهجه: تعظيم النصوص، من الكتاب والسنة، بوجود مهابتها في النفس، والتسليم لها، واستنباط الحكم الشرعي منها وفق القواعد المرعية عند أهل العلم بها.
2 - دعم النصوص الشرعية، وتأييدها بأقوال سلف الأمة، وعلمائها المعتبرين، ويظهر هذا الأمر من إكثار ابن تيمية رحمه الله من النقل عنهم، وجعل أقوالهم حجة يستند إليها في توضيح النص وبيانه.
وقد أخذ ابن تيمية رحمه الله على نفسه أن لا يقول بقول إلا وهو مسبوق إليه، فلا ينفرد بقول لم يقل به أحد قبله، فضلاً عن مخالفة إجماع المسلمين في أي مسألة من المسائل.
قال رحمه الله عن نفسه: (..أن المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء.. فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولاً يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين) .
وهو رحمه الله يسلك هذا المنهج؛ لأنه يرى أن الحق دائماً مع السنة والآثار الصحيحة، فحين تحدث رحمه الله عن السلف قال: (الصواب معهم دائماً، ومن وافقهم كان الصواب معه دائماً لموافقته إياهم، ومن خالفهم فإن الصواب معهم دونه في جميع أمور الدين، فإن الحق مع الرسول، فمن كان أعلم بسنته، وأتبع لها كان الصواب معه، وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله، ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسنته وأتبع لها) .
وبين رحمه الله أن كلام السلف مؤتلف غير مختلف، فلا يتعارض؛ لوحدة المنهج والمصدر، فإذا اجتمع بعضه إلى بعض زال الإشكال الوارد في الأذهان، ولذا حين تحدث رحمه الله عن بعض مسائل الصفات قال: (فكلام أئمة السنة والجماعة كثير في هذا الباب، متفق غير مختلف، وكله صواب، ولكن قد يبين بعضهم في بعض الأوقات ما لا يبينه غيره لحاجته في ذلك) .
وقال رحمه الله مثنياً على كلام السلف، وموافقته النصوص: (ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظراً، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب) .
ثم ذكر قول الله - تبارك وتعالى -: { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } [البقرة: 176] ، ولذا فإن المعطلة النفاة لا يجدون نصاً واحداً من نصوص السلف والأئمة يؤيد قولهم وينصره، بل أقوال السلف متفقة متحدة على بيان القول الحق قول أهل السنة والجماعة، ورد مذاهب الضلال، وسبل أهل الغواية ، وصرّح رحمه الله في أن المادة العلمية، والترجيحات المرضية في المسائل العقدية المذكورة في كتبه إنما هي من كتب أئمة السلف، ولم يكتف بهذا الإجمال، بل ذكر هذه الكتب في مواضع متعددة من كتبه ورسائله العقدية ، ومن الكتب التي كان يعتمد عليها: كتب السنة والرد على الجهمية لجمع من السلف، ومنهم عبد الله بن محمد الجعفي ، والدارمي ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم ، وعبد الله بن الإمام أحمد ، وأبو بكر بن الأثرم ، وحنبل بن إسحاق ، والخلال ، والإمام الطبري ، وابن أبي زمنين ، وابن منده ، وأبو حفص بن شاهين ، وأبو ذر الهروي ، وأبو داود السجستاني ، وابن أبي عاصم .
وكذلك التوحيد لابن خزيمة ، والشريعة للآجري ، والإبانة لابن بطة ، وشرح أصول السنة للالكائي ، واعتقاد السلف أصحاب الحديث للصابوني .
إضافة إلى كتب التفاسير المعتمدة التي تنقل تفاسير السلف كتفسير عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وغيرهما، وكذلك الكتب المؤلفة في السنة التي تنقل أقوال الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وآثار السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
3 - تقرير العقيدة بأسلوب ميسر، وعبارات واضحة، مدعماً ما يقول بما يتيسر من آيات الكتاب العزيز، والسنة النبوية المطهّرة، ثم بعض أقوال السلف في فهمهم لنصوص الوحيين لهذه المسألة المطروحة.
ويحسن التنبيه إلى أن كتب الاعتقاد التي ألفها تنقسم ثلاثة أقسام:
أ - كتب تعنى بعرض اعتقاد السلف من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة دون ذكر للشُبه، مثل العقيدة الواسطية.
ب - وكتب تعنى بالرد على شبه المخالفين، ومناقشتها، سواء كان المخالفون من الملل الأخرى كالنصارى في رده عليهم في (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، أو كانوا من المنتسبين إلى الإسلام من الفرق الإسلامية ككتابه (بيان تلبيس الجهمية) وكتابه (درء تعارض العقل والنقل) وغيرهما.
جـ - وكتب تجمع بين العرض والرد، فيذكر مسائل الاعتقاد، وأقوال السلف فيها، ثم يذكر الشبه ومناقشتها من كلام السلف وتعليقه عليها كالحموية، وعلى سبيل المثال مما قرّره ابن تيمية رحمه الله في الاعتقاد بوضوح قوله في العقيدة الواسطية: (هذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة - وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11] ... وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) .
وقال رحمه الله: (ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم مما يكون بعد الموت فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر وبنعيمه... إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين... وتنصب الموازين، فتوزن فيها أعمال العباد: { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } [المؤمنون: 102، 103] ، وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره... وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء...) .
وقال عن الإيمان: (ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية...) .
وعن الصحابة قال رحمه الله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } [الحشر: 10] ... ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم) .
وذكر أموراً من اعتقاد أهل السنة والجماعة: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء، والنصح للأمة، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا عند القضاء، وأن أهل السنة يدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال .
وذكر أن أهل السنة والجماعة يندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفسافها .
وهذا العرض لاعتقاد السلف كله واضح ميسر، لم يتعمد الغريب من الكلمات، أو الإيغال في المصطلحات الكلامية وغيرها، بل قرر ذلك كله بعبارات واضحة، وجمل موجزة.
4 - شمولية عرض العقيدة وتقريرها في كتبه رحمه الله، وذلك لربطه بعض القضايا ببعض، ولكثرة إنتاجه العقدي، فلا تكاد تجد مسألة من مسائل الاعتقاد إلا وله رحمه الله إسهام واضح فيها، بدءاً بأركان الإيمان الستة على وجه التفصيل، وتقرير أنواع التوحيد الثلاثة والاستدلال لها، إضافة إلى المسائل المتعلقة بالاعتقاد مثل: الاعتقاد الحق في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكرامات الأولياء، واعتقاد أهل السنة والجماعة في ولاة الأمور، ووجوب طاعتهم، وتحريم الخروج عليهم، إلى غير ذلك من مسائل الاعتقاد التي بثها رحمه الله في تضاعيف كتبه، ويكفي في معرفة ذلك النظر في الأجزاء الأولى من مجموع فتاواه فهي دواوين كبيرة لشرح معتقد السلف والاستدلال له.
وقد كان تركيزه رحمه الله على توحيد الألوهية كبيراً؛ ذلك أنه أصل دعوة الرسل، وسبب إنزال الكتب، فبيّن رحمه الله أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد اعتنى بتقرير هذا التوحيد، وحماية جنابه ، ويظهر اهتمام ابن تيمية رحمه الله وحرصه على توحيد الألوهية ما ألفه في هذا الجانب، فقد بلغت مؤلفات عدة كلها في تقرير هذا التوحيد وبيانه، والدفاع عنه، إضافة إلى استطراداته عن توحيد الألوهية في كتبه الأخرى، ورسائله الصغيرة التي تعنى بتقرير هذا التوحيد.
ومن مؤلفاته رحمه الله في تقرير هذا التوحيد:
أ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.
ب - الرد على البكري .
جـ - الرد على الأخنائي .
د - قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان، وعبادات أهل الشرك والنفاق.
هـ - الجواب الباهر في زوار المقابر.
وقد وُجدت بحوث طيبة في بعض كتبه عن توحيد الألوهية، مثل: اقتضاء الصراط المستقيم، والتدمرية، والصارم المسلول، وغيرها، وهناك فتاوى متعددة جُمعت في الجزء الأول من مجموع الفتاوى.
منهج شيخ الإسلام
في تقرير العقيدة والاستدلال عليها
ابن تيمية رحمه الله أحد الأئمة الأعلام، الذين نشروا معتقد السلف ودافعوا عنه، وهو يعد من أكبر شُرّاح اعتقاد السلف، المستدلين لمسائله وجزئياته وتفصيلاته، ما بين رسائل صغيرة، وكتب، ومجلدات ضخمة، ولا يكاد القارئ لكتب ابن تيمية رحمه الله يقرأ في كتاب من كتبه التي ألفها في العلوم الأخرى إلا ويجد داخل هذه الكتب بحوثاً نفيسة في الاعتقاد، لما يرى من أهمية نشر الاعتقاد الحق، وبثّه بوسائل مختلفة وطرق شتى.
إن ابن تيمية رحمه الله الذي جدد للأمة عقيدتها في القرن الثامن الهجري لم يكن ينصر نحلة معينة، أو يؤيد مذهباً وطريقة غير طريقة السلف الصالح التي معتمدها كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وقد صرّح رحمه الله بهذا في مواضع متعددة من كتبه، فمما قاله حين نوظر؛ لأجل العقيدة الواسطية:
(مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحداً قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها) .
وقد كان رحمه الله يركز على الاعتقاد؛ لأن أمره خطير عظيم، ولذا لما التمس منه تلميذه البزار (ت - 749هـ) أن يؤلف نصاً في الفقه يجمع فيه اختياراته وترجيحاته، ويكون عمدة في الإفتاء بيّن له ابن تيمية رحمه الله أن الفروع أمرها قريب، بخلاف الأصول، إذ كثير من أهل الأهواء الذين أسسوا الطوائف والفرق الضالة، كان قصدهم إبطال الشريعة، فأوقعوا الناس في التشكيك في أصول دينهم.
ولذا قال رحمه الله: (فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم....) .
إلى أن قال: (فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جُلّ همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة العقلية والنقلية) .
وسأحاول تلمس أبرز معالم منهجه في تقرير العقيدة - إجمالاً -، ثم أبرز معالم منهجه رحمه الله في الاستدلال عليها بشيء من الاختصار.
أما منهجه في تقرير العقيدة فيمكن أن يتضح من معالم متعددة أبرزها:
1 - تعظيم نصوص الشريعة، وإجلالها، والصدور عنها، لقول الله - تبارك وتعالى -: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [النساء: 65] .
وقال سبحانه وتعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 63] .
وقد وصف رحمه الله أهل العلم والإيمان بأنهم (يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقاً، وما خالفه كان باطلاً) .
وجعل رحمه الله من طريقة أهل السنة والجماعة: (اتباع آثار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.... ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وسلّم، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس...) .
فهذه هي طريقته، وهذا هو منهجه: تعظيم النصوص، من الكتاب والسنة، بوجود مهابتها في النفس، والتسليم لها، واستنباط الحكم الشرعي منها وفق القواعد المرعية عند أهل العلم بها.
2 - دعم النصوص الشرعية، وتأييدها بأقوال سلف الأمة، وعلمائها المعتبرين، ويظهر هذا الأمر من إكثار ابن تيمية رحمه الله من النقل عنهم، وجعل أقوالهم حجة يستند إليها في توضيح النص وبيانه.
وقد أخذ ابن تيمية رحمه الله على نفسه أن لا يقول بقول إلا وهو مسبوق إليه، فلا ينفرد بقول لم يقل به أحد قبله، فضلاً عن مخالفة إجماع المسلمين في أي مسألة من المسائل.
قال رحمه الله عن نفسه: (..أن المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء.. فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولاً يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين) .
وهو رحمه الله يسلك هذا المنهج؛ لأنه يرى أن الحق دائماً مع السنة والآثار الصحيحة، فحين تحدث رحمه الله عن السلف قال: (الصواب معهم دائماً، ومن وافقهم كان الصواب معه دائماً لموافقته إياهم، ومن خالفهم فإن الصواب معهم دونه في جميع أمور الدين، فإن الحق مع الرسول، فمن كان أعلم بسنته، وأتبع لها كان الصواب معه، وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله، ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسنته وأتبع لها) .
وبين رحمه الله أن كلام السلف مؤتلف غير مختلف، فلا يتعارض؛ لوحدة المنهج والمصدر، فإذا اجتمع بعضه إلى بعض زال الإشكال الوارد في الأذهان، ولذا حين تحدث رحمه الله عن بعض مسائل الصفات قال: (فكلام أئمة السنة والجماعة كثير في هذا الباب، متفق غير مختلف، وكله صواب، ولكن قد يبين بعضهم في بعض الأوقات ما لا يبينه غيره لحاجته في ذلك) .
وقال رحمه الله مثنياً على كلام السلف، وموافقته النصوص: (ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظراً، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب) .
ثم ذكر قول الله - تبارك وتعالى -: { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } [البقرة: 176] ، ولذا فإن المعطلة النفاة لا يجدون نصاً واحداً من نصوص السلف والأئمة يؤيد قولهم وينصره، بل أقوال السلف متفقة متحدة على بيان القول الحق قول أهل السنة والجماعة، ورد مذاهب الضلال، وسبل أهل الغواية ، وصرّح رحمه الله في أن المادة العلمية، والترجيحات المرضية في المسائل العقدية المذكورة في كتبه إنما هي من كتب أئمة السلف، ولم يكتف بهذا الإجمال، بل ذكر هذه الكتب في مواضع متعددة من كتبه ورسائله العقدية ، ومن الكتب التي كان يعتمد عليها: كتب السنة والرد على الجهمية لجمع من السلف، ومنهم عبد الله بن محمد الجعفي ، والدارمي ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم ، وعبد الله بن الإمام أحمد ، وأبو بكر بن الأثرم ، وحنبل بن إسحاق ، والخلال ، والإمام الطبري ، وابن أبي زمنين ، وابن منده ، وأبو حفص بن شاهين ، وأبو ذر الهروي ، وأبو داود السجستاني ، وابن أبي عاصم .
وكذلك التوحيد لابن خزيمة ، والشريعة للآجري ، والإبانة لابن بطة ، وشرح أصول السنة للالكائي ، واعتقاد السلف أصحاب الحديث للصابوني .
إضافة إلى كتب التفاسير المعتمدة التي تنقل تفاسير السلف كتفسير عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وغيرهما، وكذلك الكتب المؤلفة في السنة التي تنقل أقوال الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وآثار السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
3 - تقرير العقيدة بأسلوب ميسر، وعبارات واضحة، مدعماً ما يقول بما يتيسر من آيات الكتاب العزيز، والسنة النبوية المطهّرة، ثم بعض أقوال السلف في فهمهم لنصوص الوحيين لهذه المسألة المطروحة.
ويحسن التنبيه إلى أن كتب الاعتقاد التي ألفها تنقسم ثلاثة أقسام:
أ - كتب تعنى بعرض اعتقاد السلف من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة دون ذكر للشُبه، مثل العقيدة الواسطية.
ب - وكتب تعنى بالرد على شبه المخالفين، ومناقشتها، سواء كان المخالفون من الملل الأخرى كالنصارى في رده عليهم في (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، أو كانوا من المنتسبين إلى الإسلام من الفرق الإسلامية ككتابه (بيان تلبيس الجهمية) وكتابه (درء تعارض العقل والنقل) وغيرهما.
جـ - وكتب تجمع بين العرض والرد، فيذكر مسائل الاعتقاد، وأقوال السلف فيها، ثم يذكر الشبه ومناقشتها من كلام السلف وتعليقه عليها كالحموية، وعلى سبيل المثال مما قرّره ابن تيمية رحمه الله في الاعتقاد بوضوح قوله في العقيدة الواسطية: (هذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة - وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11] ... وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) .
وقال رحمه الله: (ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم مما يكون بعد الموت فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر وبنعيمه... إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين... وتنصب الموازين، فتوزن فيها أعمال العباد: { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } [المؤمنون: 102، 103] ، وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره... وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء...) .
وقال عن الإيمان: (ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية...) .
وعن الصحابة قال رحمه الله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } [الحشر: 10] ... ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم) .
وذكر أموراً من اعتقاد أهل السنة والجماعة: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء، والنصح للأمة، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا عند القضاء، وأن أهل السنة يدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال .
وذكر أن أهل السنة والجماعة يندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفسافها .
وهذا العرض لاعتقاد السلف كله واضح ميسر، لم يتعمد الغريب من الكلمات، أو الإيغال في المصطلحات الكلامية وغيرها، بل قرر ذلك كله بعبارات واضحة، وجمل موجزة.
4 - شمولية عرض العقيدة وتقريرها في كتبه رحمه الله، وذلك لربطه بعض القضايا ببعض، ولكثرة إنتاجه العقدي، فلا تكاد تجد مسألة من مسائل الاعتقاد إلا وله رحمه الله إسهام واضح فيها، بدءاً بأركان الإيمان الستة على وجه التفصيل، وتقرير أنواع التوحيد الثلاثة والاستدلال لها، إضافة إلى المسائل المتعلقة بالاعتقاد مثل: الاعتقاد الحق في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكرامات الأولياء، واعتقاد أهل السنة والجماعة في ولاة الأمور، ووجوب طاعتهم، وتحريم الخروج عليهم، إلى غير ذلك من مسائل الاعتقاد التي بثها رحمه الله في تضاعيف كتبه، ويكفي في معرفة ذلك النظر في الأجزاء الأولى من مجموع فتاواه فهي دواوين كبيرة لشرح معتقد السلف والاستدلال له.
وقد كان تركيزه رحمه الله على توحيد الألوهية كبيراً؛ ذلك أنه أصل دعوة الرسل، وسبب إنزال الكتب، فبيّن رحمه الله أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد اعتنى بتقرير هذا التوحيد، وحماية جنابه ، ويظهر اهتمام ابن تيمية رحمه الله وحرصه على توحيد الألوهية ما ألفه في هذا الجانب، فقد بلغت مؤلفات عدة كلها في تقرير هذا التوحيد وبيانه، والدفاع عنه، إضافة إلى استطراداته عن توحيد الألوهية في كتبه الأخرى، ورسائله الصغيرة التي تعنى بتقرير هذا التوحيد.
ومن مؤلفاته رحمه الله في تقرير هذا التوحيد:
أ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.
ب - الرد على البكري .
جـ - الرد على الأخنائي .
د - قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان، وعبادات أهل الشرك والنفاق.
هـ - الجواب الباهر في زوار المقابر.
وقد وُجدت بحوث طيبة في بعض كتبه عن توحيد الألوهية، مثل: اقتضاء الصراط المستقيم، والتدمرية، والصارم المسلول، وغيرها، وهناك فتاوى متعددة جُمعت في الجزء الأول من مجموع الفتاوى.