الفقير الى رحمة الله
02-10-2009, 03:57 PM
الحَمدُ لله، كما يُحِبُ رَبُنا ويرضاه، ثمّ الصلاةُ على نبيه ومصطفاه، وآله وصحبه ومن والاه، ومن سار على دربهم واستنار بالأثر واقتفاه، وبعد:
يشهد الله أنني سررت بافتتاح هذا القسم المبارك، الذي يحتاج منّا إلى همّة عظيمة، وعزيمة أمينة، في ظل تزوير وتحريف، وتكذيب وتصحيف، وهدم وتجريف، لرموز العلم الشامخ، والفضل الراسخ، من سلفنا الصالح، وإن الدورعلينا اليوم في زمان اندرست فيه أعلام السنن، وعظمت المحن، وكثرت الإحن، وضعفت همم الطلاب، وتشاغلوا عن دار الثواب والعقاب، فكان لزاما وواقعا، "تبصير العامة " بما كانت عليه الأمة، من عزة وعلّو همّة، والأمة اليوم بلا مجد ملكناه، ومن غير علم ورثناه، إذ غيرنا فغيرَ اللهُ لنا، وقد مَررَتُ الحروف سريعا، وما حاجتي إليها والواقع يتكلم، لا بد أن نتعامل مع سير أهل الفضل واقعا نعيشه، ووالله لو وقفنا على نزر يسير منها، لجرى الغدير، وبان المرج وفاح العبير، وعلى حد قول البشير -صلى الله عليه وسلم- :"إن الله يرفع بهذا العلم أقواما، ويضع به آخرين"رواه مسلم 7/98
فهي من وسائل التربية لجيل الصحوة بإذن الله تعالى؛ وما أشد شغفهم بها، ليكونوا الطليعة في المقدمة وقد جمعوا تجارب من مضى، ويشهد له قول القاضي الأرجاني:
إذا علم الإنسان أخبار من مضى ..... توهمته قد عاش من أول الدهر
وتحسبه قد عاش آخر عمره .... إذ كان قد أبقى الجميل من الذكر
فقد عاش كل الدهر من كان عالما .... حليما كريما فاغتنم أول العمر
ليعلموا شرف هذا العلم وفضله، ويغرسوا محبة العلماء القدوة، واهل الصنعة والخبرة، ويحضرني كنية شيخنا حسنة الزمان أبي إسحاق الحويني حفظه الله، و اختياره للكنية، الذي بذكره تتجددُ للطلاب الهمم، لتعانق أعالي القمم، فوالله ما لنا من فائت أضعناه مثل الذي ورثناه من خصال أسلافنا، ونحن اليوم أشدُّ حاجة إليها، ورحم الله القائل: فإلى سِيَر الصالحين يحنّ قلبي ... ويهفوا إلى ذكر الهداة، عودا عودا إلى تاريخنا فإن فيه العبر .. ضلّ قومٌ ليس يعلمونَ الخبر، وفي كل حلقة بإذن الله سنستعرض ترجمة علم من أعلام السلف، نسأل الله أن يسترنا ولا يفضحنا، وأن يتجاوز عن قبيح فعالنا، ويرزقنا الإخلاص والتوفيق والسدادا، والهدي والقبول والرشادا.
======================
مَسْروقُ بْنُ الأجْدَع ِ الهَمَدَانِيُّ
======================
اسمه ومولده
======================
مسروق بن الأجدع الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي وهو مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مر بن سلمان -ويقال: سلامان- بن معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وادعة.تهذيب الكمال (27/451-452)
قال الحافظ أبو بكر الخطيب: "يقال: أنه سُرِقَ وهو صغير ثم وجد مسروقاً، وأسلم أبوه الأجدع"تاريخ بغداد (13/232)
مولده: لم يصرح أحد ممن ترجم له مما وقفت عليه بتاريخ ميلاده إلا أنهم صرحوا بأنه توفي سنة اثنين وستون أو ثلاث وستين، وقال هارون بن حاتم عن الفضل بن عمرو: "مات وله ثلاث وستون سنة" فيكون ميلاده في السنة الأولى من الهجرة أو قبلها بسنة، والله أعلم.
==================
ثناء العلماء عليه
عن مالك بن مغول قال: "سمعت أبا السفر غير مرة قال: "ما ولدت همدانية مثل مسروق" .تاريخ بغداد (13/233).
* وعن عامر الشعبي قال: "ما علمت أن أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق".تاريخ بغداد (13/233).
* وعن منصور عن إبراهيم قال: "كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلمونهم السنَّة (علقمة، والأسود، وعبيدة، ومسروق، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل).تاريخ بغداد (13/233).
* وقال الشعبي لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة قال: "مَنْ أفضل الناس؟! قالوا له: مسروق".سير أعلام النبلاء (4/66)
* وقال ابن المديني: "أنا ما أقدم على مسروق أحد، صلى خلف أبي بكر".سير أعلام النبلاء (4/66)
* وقال أحمد بن حنبل: "قال ابن عيينة: "بقي مسروق بعد علقمة لا يفضل عليه أحداً. سير أعلام النبلاء (4/67).
* وعن ابن أبجر عن الشعبي قال: "كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشير مسروقاً.سير أعلام النبلاء (4/67).
* وقال يحيى بن معين: "مسروق ثقة، لا يسأل عن مثله، وسأل عثمان بن سعيد يحيى عن مسروق وعروة في عائشة فلم يخير"طبقات ابن سعد (6/82).
* وقال ابن سعد: "وكان ثقة، وله أحاديث صالحة". طبقات ابن سعد (6/84)).
* وقال العجلي: "تابعي ثقة، كان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرءونا ويفتون، وكان يصلي حتى ترم قدماه"سير أعلام النبلاء (4/67).
* وقال أبو نعيم: "ومنهم العالم بربه، الهائم بحبه، الذاكر لذنبه، في العلم معروق، وبالضمان موثوق، ولعبادة الله معشوق، أبو عائشة المسمى بمسروق" حلية الأولياء (2/95).
* وعن مجالد عن الشعبي عن مسروق قالت عائشة: (يا مسروق! إنك من ولدي، وإنك لمن أحبهم إلي فهل لك علم بالمخدج" سير أعلام النبلاء (4/67).
======================
عبادته رحمه الله
* عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: (كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله، ويقبل على صلاته، ويخليهم ودنياهم" . حلية الأولياء (2/96)
* وقال أنس بن سيرين عن امرأة مسروق: "كان مسروق يصلي حتى ترم قدماه، فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه" تهذيب الكمال (27/455) .
* وعن فطر بن خليفة عن الشعبي قال: "غشي على مسروق بن الأجدع في يوم صائف وهو صائم، وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنته، فسمى ابنته عائشة، وكان لا يعصي ابنته شيئاً، قال: "فنزلت إليه فقالت: (يا أبتاه أفطر واشرب"، قال: "ما أردت بي يا بنية؟"، قالت: "الرفق"، قال: يا بنية إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة"تاريخ بغداد (13/234).
* وعن أبي إسحاق قال: "حج مسروق فما بات إلا ساجداً". حلية الأولياء (2/95).
* قال إبراهيم بن محمد بن المنتشر: "أهدى خالد بن عبد الله بن أسيد عامل البصرة إلى عمي مسروق ثلاثين ألفًا وهو يومئذ محتاج، فلم يقبلها". * وقال أبو إسحاق السبيعي: "زوج مسروق بنته بالسائب بن الأقرع على عشرة آلاف لنفسه، يجعلها في المجاهدين والمساكين". سير أعلام النبلاء (4/66)
* وعن الأعمش عن أبي الضحى قال: "كان مسروق يقوم فيصلي كأنه راهب، وكان يقول لأهله: هاتوا كل حاجة لكم فاذكروها لي قبل أن أقوم إلى الصلاة" حلية الأولياء (2/96)
* وعن سعيد بن جبير قال: "لقيني مسروق فقال: "يا سعيد! ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب".حلية الأولياء (2/96).
=====================
موقفه رحمه الله في الفتنة
* عن الشعبي قال: (كان مسروق إذا قيل له: أبطأت عن علي وعن مشاهده فأراد أن يناصحهم الحديث قال: "أذكركم بالله، أرأيتم حين صف بعضكم لبعض، وأخذ بعضكم على بعض السلاح يقتل بعضكم بعضا، فتح باب من السماء وأنتم تنظرون، ثم نزل منه ملاك حتى إذا كان بين الصفين قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)) [النساء:29]، كان ذلك حاجزاً بعضكم عن بعض؟! قالوا: "نعم" قال: "فوالله لقد فتح الله لها باباً من السماء، ولقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإنها لمحكمة في المصاحف ما نسخها شيء" طبقات ابن سعد (4/67) .
* وقال الذهبي: "قال وكيع: "تخلف عن علي مسروق، والأسود، والربيع بن خثيم، وأبو عبد الرحمن السلمي، ويقال: (شهد صفين، فوعظ وخوف ولم يقاتل، وقيل: (شهد قتال الحرورية مع علي، واستغفر من تأخره عن علي)، وقيل: إن قبره بالسلسلة بواسط". سير أعلام النبلاء (4/67)
=====================
ورعه وزهده رحمه الله
* عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن مسروق: أنه كان لا يأخذ على القضاء أجراً ويتأول هذه الآية: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ)) [التوبة:111]. حلية الأولياء (2/96)
* عن الأعمش عن أبي الضحى قال: "غاب مسروق عاملاً على السلسلة سنتين ثم قدم، فنظر أهله في خرجه فأصابوا فأسًا، فقالوا: غبت سنتين ثم جئتنا بفأس بلا عود، قال: إنا لله استعرناها نسينا نردها" سير أعلام النبلاء (4/66).
* قال أبو الضحى: "سئل مسروق عن بيت شعر فقال: أكره أن أجد في صحيفتي شعراً ". حلية الأولياء (2/96).
* وعن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن المنتشر قال: "كان مسروق يركب كل جمعة بغلة ويحملني خلفه، ثم يأتي كناسة بالحيرة قديمة، فيحمل عليها بغلته فيقول: الدنيا تحتنا". حلية الأولياء (2/97,96) .
* وعن حمزة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: بلغني أن مسروقاً أخذ بيد ابن أخ له، فارتقى به على كناسة بالكوفة، قال: (أريكم الدنيا، هذه الدنيا أكلوها فأفنوها، ولبسوها فأبلوها، وركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دمائهم، واستحلوا منها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم"
* وعن محمد بن عقبة قال: سمعت الأصمعي يقول: "كان مسروق يتمثل:
ويكفيك مما أغلق الباب دونه وأرخى عليه الستر ملح وجردق
وماء فرات بارد ثم تغتدي تعارض أصحاب الثريد المُلَبّقْ(1)
تجشأ إذا ما هم تجشوا كأنما غذيت بألوان الطعام المُفَتَّقْ(2)
حلية الأولياء (2/97)
1: الثريد الملبق: المُلَّينُ بالدَّسم .
2: المًّلبقْ: الكثير الخصب.
======================
شيوُخُهُ وتَلامِذَتُهُ
شيوُخُهُ رَحِمَهُ الله:
قال المُزيّ في تهذيب الكمال: روى عن أبيّ بن كعب، وخبّاب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمروا بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعبيد الله بن عمير الليثي وهو من أقرانه، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، و معاذ بن جبل، ومعقل بن سنان الأشجعي، والمغيرة بن شعبة، وأبي بكر الصدّيق، وسبيعة الأسلمية، وعائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم-، وأمهّا: أمُّ رومان، يقال: مرسل، وأم سلمة زوجُ النبيّ -صلى الله عليه وسلم-. تهذيب الكمال للمزي(27/452,4253)
تَلامِذَتُهُ رَحِمَهُمُ الله:
روى عنه ابراهيمُ النَخْعي، وأنسُ بن سيرين، وأيوبُ بن هاني، و حبال بن فريدة، وأبو وائل شقيقُ بن سلمة، وعامر الشعبيّ، وعبدُ اللهِ بنُ مُرّة الخارِقيّ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبيدُ بن نَضلة، وعمارةُ بن عمير، والقاسم بن المنتشر بن الأجدَعِ، ومحمدُ بن نشر الهَمَدانيّ، وأبو الضُحى مسلمُ بن صبيح، ومَكحولُ الشاميّ، و يحيى بن الجزار، ويحيى بن وّثاب، وأبو الأحوصِ الجشمي، وأبو إسحاق السُبيعيّ، وأبو الشعثاء المحاربيّ، وامرأته قُمير بنت عمرو. تهذيب الكمال للمزي(27/4253).
======================
من أقواله وأفعاله رحمه الله
* عن مسلم عن مسروق قال: (كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله". طبقات ابن سعد (6/80)
* وقال مسروق: "المرء حقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها فيذكر ذنوبه فيستغفر الله". طبقات ابن سعد (6/80) .
* وعن أبي الضحى أن مسروقاً شفع لرجل بشفاعة فأهدى له جارية فغضب وقال: "لو علمت أن هذا في نفسك ما تكلمت فيها ولا أتكلم فيما بقي منها أبداً سمعت عبد الله بن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليرد بها حقاً، أو يدفع بها ظلمًا، فأهدي له فقبل فذلك السحت"، قالوا: (ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم، قال: "الأخذ على الحكم كفر". طبقات ابن سعد (6/81).
* وعن الشعبي أن مسروقاً قال: "لأن أقضي بقضية فأوافق الحق، أو أصيب الحق أحبُّ إلي من رباط سنة في سبيل الله". طبقات ابن سعد (6/82).
* وعن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن مسروق قال: ما من شيء خير للمؤمن من لحد قد استراح من هموم الدنيا، وأمن من عذاب الله ". حلية الأولياء (97/2)
* وعن مسلم أو غيره عن مسروق قال: "إن أحسن ما أكون ظناً حين يقول لي الخادم: ليس في البيت قفيز ولا درهم". حلية الأولياء (2/97).
* وعن هلال بن يساف قال: قال مسروق: "من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين، وعلم الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة".
* قال الذهبي: "هذا قاله مسروق على المبالغة لعظم ما في السورة من جمل أمور الدارين، ومعنى قوله: "فليقرأ الواقعة" أي يقرأها بتدبر وتفكر وحضور، ولا يكن مثل الحمار يحمل أسفاراً". سير أعلام النبلاء (4/68)
======================
وفاته رحمه الله
* عن شقيق قال: "كان مسروق على السلسلة سنتين، فكان يصلي ركعتين ركعتين، يبتغي بذلك السنة".
* عن الأعمش عن شقيق قال: (قلت لمسروق: ما حملك على هذا العمل؟"، قال: "لم يدعني ثلاثة زياد وشريح والشيطان حتى أوقعوني فيه". طبقات ابن سعد (6/83).
* عن أبي وائل أن مسروق حين حضره الموت قال: اللهم لا أموت على أمر لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر، والله ما تركت صفراء ولا بيضاء عند أحد من الناس، غير ما في سيفي هذا فكفنوني فيه". طبقات ابن سعد (6/83).
* قال سفيان بن عيينة: "مات مسروق سنة ثلاث وستين، وكان ثقة وله أحاديث صادقة". طبقات ابن سعد (6/84).
* وقال أبو نعيم: "مات سنة اثنتين وستين"، وقال يحيى بن بكير وابن سعد وابن نمير: "مات سنة ثلاث وستين". حلية الأولياء (2/68).
======================
يشهد الله أنني سررت بافتتاح هذا القسم المبارك، الذي يحتاج منّا إلى همّة عظيمة، وعزيمة أمينة، في ظل تزوير وتحريف، وتكذيب وتصحيف، وهدم وتجريف، لرموز العلم الشامخ، والفضل الراسخ، من سلفنا الصالح، وإن الدورعلينا اليوم في زمان اندرست فيه أعلام السنن، وعظمت المحن، وكثرت الإحن، وضعفت همم الطلاب، وتشاغلوا عن دار الثواب والعقاب، فكان لزاما وواقعا، "تبصير العامة " بما كانت عليه الأمة، من عزة وعلّو همّة، والأمة اليوم بلا مجد ملكناه، ومن غير علم ورثناه، إذ غيرنا فغيرَ اللهُ لنا، وقد مَررَتُ الحروف سريعا، وما حاجتي إليها والواقع يتكلم، لا بد أن نتعامل مع سير أهل الفضل واقعا نعيشه، ووالله لو وقفنا على نزر يسير منها، لجرى الغدير، وبان المرج وفاح العبير، وعلى حد قول البشير -صلى الله عليه وسلم- :"إن الله يرفع بهذا العلم أقواما، ويضع به آخرين"رواه مسلم 7/98
فهي من وسائل التربية لجيل الصحوة بإذن الله تعالى؛ وما أشد شغفهم بها، ليكونوا الطليعة في المقدمة وقد جمعوا تجارب من مضى، ويشهد له قول القاضي الأرجاني:
إذا علم الإنسان أخبار من مضى ..... توهمته قد عاش من أول الدهر
وتحسبه قد عاش آخر عمره .... إذ كان قد أبقى الجميل من الذكر
فقد عاش كل الدهر من كان عالما .... حليما كريما فاغتنم أول العمر
ليعلموا شرف هذا العلم وفضله، ويغرسوا محبة العلماء القدوة، واهل الصنعة والخبرة، ويحضرني كنية شيخنا حسنة الزمان أبي إسحاق الحويني حفظه الله، و اختياره للكنية، الذي بذكره تتجددُ للطلاب الهمم، لتعانق أعالي القمم، فوالله ما لنا من فائت أضعناه مثل الذي ورثناه من خصال أسلافنا، ونحن اليوم أشدُّ حاجة إليها، ورحم الله القائل: فإلى سِيَر الصالحين يحنّ قلبي ... ويهفوا إلى ذكر الهداة، عودا عودا إلى تاريخنا فإن فيه العبر .. ضلّ قومٌ ليس يعلمونَ الخبر، وفي كل حلقة بإذن الله سنستعرض ترجمة علم من أعلام السلف، نسأل الله أن يسترنا ولا يفضحنا، وأن يتجاوز عن قبيح فعالنا، ويرزقنا الإخلاص والتوفيق والسدادا، والهدي والقبول والرشادا.
======================
مَسْروقُ بْنُ الأجْدَع ِ الهَمَدَانِيُّ
======================
اسمه ومولده
======================
مسروق بن الأجدع الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي وهو مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مر بن سلمان -ويقال: سلامان- بن معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وادعة.تهذيب الكمال (27/451-452)
قال الحافظ أبو بكر الخطيب: "يقال: أنه سُرِقَ وهو صغير ثم وجد مسروقاً، وأسلم أبوه الأجدع"تاريخ بغداد (13/232)
مولده: لم يصرح أحد ممن ترجم له مما وقفت عليه بتاريخ ميلاده إلا أنهم صرحوا بأنه توفي سنة اثنين وستون أو ثلاث وستين، وقال هارون بن حاتم عن الفضل بن عمرو: "مات وله ثلاث وستون سنة" فيكون ميلاده في السنة الأولى من الهجرة أو قبلها بسنة، والله أعلم.
==================
ثناء العلماء عليه
عن مالك بن مغول قال: "سمعت أبا السفر غير مرة قال: "ما ولدت همدانية مثل مسروق" .تاريخ بغداد (13/233).
* وعن عامر الشعبي قال: "ما علمت أن أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق".تاريخ بغداد (13/233).
* وعن منصور عن إبراهيم قال: "كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلمونهم السنَّة (علقمة، والأسود، وعبيدة، ومسروق، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل).تاريخ بغداد (13/233).
* وقال الشعبي لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة قال: "مَنْ أفضل الناس؟! قالوا له: مسروق".سير أعلام النبلاء (4/66)
* وقال ابن المديني: "أنا ما أقدم على مسروق أحد، صلى خلف أبي بكر".سير أعلام النبلاء (4/66)
* وقال أحمد بن حنبل: "قال ابن عيينة: "بقي مسروق بعد علقمة لا يفضل عليه أحداً. سير أعلام النبلاء (4/67).
* وعن ابن أبجر عن الشعبي قال: "كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشير مسروقاً.سير أعلام النبلاء (4/67).
* وقال يحيى بن معين: "مسروق ثقة، لا يسأل عن مثله، وسأل عثمان بن سعيد يحيى عن مسروق وعروة في عائشة فلم يخير"طبقات ابن سعد (6/82).
* وقال ابن سعد: "وكان ثقة، وله أحاديث صالحة". طبقات ابن سعد (6/84)).
* وقال العجلي: "تابعي ثقة، كان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرءونا ويفتون، وكان يصلي حتى ترم قدماه"سير أعلام النبلاء (4/67).
* وقال أبو نعيم: "ومنهم العالم بربه، الهائم بحبه، الذاكر لذنبه، في العلم معروق، وبالضمان موثوق، ولعبادة الله معشوق، أبو عائشة المسمى بمسروق" حلية الأولياء (2/95).
* وعن مجالد عن الشعبي عن مسروق قالت عائشة: (يا مسروق! إنك من ولدي، وإنك لمن أحبهم إلي فهل لك علم بالمخدج" سير أعلام النبلاء (4/67).
======================
عبادته رحمه الله
* عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: (كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله، ويقبل على صلاته، ويخليهم ودنياهم" . حلية الأولياء (2/96)
* وقال أنس بن سيرين عن امرأة مسروق: "كان مسروق يصلي حتى ترم قدماه، فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه" تهذيب الكمال (27/455) .
* وعن فطر بن خليفة عن الشعبي قال: "غشي على مسروق بن الأجدع في يوم صائف وهو صائم، وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنته، فسمى ابنته عائشة، وكان لا يعصي ابنته شيئاً، قال: "فنزلت إليه فقالت: (يا أبتاه أفطر واشرب"، قال: "ما أردت بي يا بنية؟"، قالت: "الرفق"، قال: يا بنية إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة"تاريخ بغداد (13/234).
* وعن أبي إسحاق قال: "حج مسروق فما بات إلا ساجداً". حلية الأولياء (2/95).
* قال إبراهيم بن محمد بن المنتشر: "أهدى خالد بن عبد الله بن أسيد عامل البصرة إلى عمي مسروق ثلاثين ألفًا وهو يومئذ محتاج، فلم يقبلها". * وقال أبو إسحاق السبيعي: "زوج مسروق بنته بالسائب بن الأقرع على عشرة آلاف لنفسه، يجعلها في المجاهدين والمساكين". سير أعلام النبلاء (4/66)
* وعن الأعمش عن أبي الضحى قال: "كان مسروق يقوم فيصلي كأنه راهب، وكان يقول لأهله: هاتوا كل حاجة لكم فاذكروها لي قبل أن أقوم إلى الصلاة" حلية الأولياء (2/96)
* وعن سعيد بن جبير قال: "لقيني مسروق فقال: "يا سعيد! ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب".حلية الأولياء (2/96).
=====================
موقفه رحمه الله في الفتنة
* عن الشعبي قال: (كان مسروق إذا قيل له: أبطأت عن علي وعن مشاهده فأراد أن يناصحهم الحديث قال: "أذكركم بالله، أرأيتم حين صف بعضكم لبعض، وأخذ بعضكم على بعض السلاح يقتل بعضكم بعضا، فتح باب من السماء وأنتم تنظرون، ثم نزل منه ملاك حتى إذا كان بين الصفين قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)) [النساء:29]، كان ذلك حاجزاً بعضكم عن بعض؟! قالوا: "نعم" قال: "فوالله لقد فتح الله لها باباً من السماء، ولقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإنها لمحكمة في المصاحف ما نسخها شيء" طبقات ابن سعد (4/67) .
* وقال الذهبي: "قال وكيع: "تخلف عن علي مسروق، والأسود، والربيع بن خثيم، وأبو عبد الرحمن السلمي، ويقال: (شهد صفين، فوعظ وخوف ولم يقاتل، وقيل: (شهد قتال الحرورية مع علي، واستغفر من تأخره عن علي)، وقيل: إن قبره بالسلسلة بواسط". سير أعلام النبلاء (4/67)
=====================
ورعه وزهده رحمه الله
* عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن مسروق: أنه كان لا يأخذ على القضاء أجراً ويتأول هذه الآية: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ)) [التوبة:111]. حلية الأولياء (2/96)
* عن الأعمش عن أبي الضحى قال: "غاب مسروق عاملاً على السلسلة سنتين ثم قدم، فنظر أهله في خرجه فأصابوا فأسًا، فقالوا: غبت سنتين ثم جئتنا بفأس بلا عود، قال: إنا لله استعرناها نسينا نردها" سير أعلام النبلاء (4/66).
* قال أبو الضحى: "سئل مسروق عن بيت شعر فقال: أكره أن أجد في صحيفتي شعراً ". حلية الأولياء (2/96).
* وعن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن المنتشر قال: "كان مسروق يركب كل جمعة بغلة ويحملني خلفه، ثم يأتي كناسة بالحيرة قديمة، فيحمل عليها بغلته فيقول: الدنيا تحتنا". حلية الأولياء (2/97,96) .
* وعن حمزة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: بلغني أن مسروقاً أخذ بيد ابن أخ له، فارتقى به على كناسة بالكوفة، قال: (أريكم الدنيا، هذه الدنيا أكلوها فأفنوها، ولبسوها فأبلوها، وركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دمائهم، واستحلوا منها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم"
* وعن محمد بن عقبة قال: سمعت الأصمعي يقول: "كان مسروق يتمثل:
ويكفيك مما أغلق الباب دونه وأرخى عليه الستر ملح وجردق
وماء فرات بارد ثم تغتدي تعارض أصحاب الثريد المُلَبّقْ(1)
تجشأ إذا ما هم تجشوا كأنما غذيت بألوان الطعام المُفَتَّقْ(2)
حلية الأولياء (2/97)
1: الثريد الملبق: المُلَّينُ بالدَّسم .
2: المًّلبقْ: الكثير الخصب.
======================
شيوُخُهُ وتَلامِذَتُهُ
شيوُخُهُ رَحِمَهُ الله:
قال المُزيّ في تهذيب الكمال: روى عن أبيّ بن كعب، وخبّاب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمروا بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعبيد الله بن عمير الليثي وهو من أقرانه، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، و معاذ بن جبل، ومعقل بن سنان الأشجعي، والمغيرة بن شعبة، وأبي بكر الصدّيق، وسبيعة الأسلمية، وعائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم-، وأمهّا: أمُّ رومان، يقال: مرسل، وأم سلمة زوجُ النبيّ -صلى الله عليه وسلم-. تهذيب الكمال للمزي(27/452,4253)
تَلامِذَتُهُ رَحِمَهُمُ الله:
روى عنه ابراهيمُ النَخْعي، وأنسُ بن سيرين، وأيوبُ بن هاني، و حبال بن فريدة، وأبو وائل شقيقُ بن سلمة، وعامر الشعبيّ، وعبدُ اللهِ بنُ مُرّة الخارِقيّ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبيدُ بن نَضلة، وعمارةُ بن عمير، والقاسم بن المنتشر بن الأجدَعِ، ومحمدُ بن نشر الهَمَدانيّ، وأبو الضُحى مسلمُ بن صبيح، ومَكحولُ الشاميّ، و يحيى بن الجزار، ويحيى بن وّثاب، وأبو الأحوصِ الجشمي، وأبو إسحاق السُبيعيّ، وأبو الشعثاء المحاربيّ، وامرأته قُمير بنت عمرو. تهذيب الكمال للمزي(27/4253).
======================
من أقواله وأفعاله رحمه الله
* عن مسلم عن مسروق قال: (كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله". طبقات ابن سعد (6/80)
* وقال مسروق: "المرء حقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها فيذكر ذنوبه فيستغفر الله". طبقات ابن سعد (6/80) .
* وعن أبي الضحى أن مسروقاً شفع لرجل بشفاعة فأهدى له جارية فغضب وقال: "لو علمت أن هذا في نفسك ما تكلمت فيها ولا أتكلم فيما بقي منها أبداً سمعت عبد الله بن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليرد بها حقاً، أو يدفع بها ظلمًا، فأهدي له فقبل فذلك السحت"، قالوا: (ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم، قال: "الأخذ على الحكم كفر". طبقات ابن سعد (6/81).
* وعن الشعبي أن مسروقاً قال: "لأن أقضي بقضية فأوافق الحق، أو أصيب الحق أحبُّ إلي من رباط سنة في سبيل الله". طبقات ابن سعد (6/82).
* وعن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن مسروق قال: ما من شيء خير للمؤمن من لحد قد استراح من هموم الدنيا، وأمن من عذاب الله ". حلية الأولياء (97/2)
* وعن مسلم أو غيره عن مسروق قال: "إن أحسن ما أكون ظناً حين يقول لي الخادم: ليس في البيت قفيز ولا درهم". حلية الأولياء (2/97).
* وعن هلال بن يساف قال: قال مسروق: "من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين، وعلم الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة".
* قال الذهبي: "هذا قاله مسروق على المبالغة لعظم ما في السورة من جمل أمور الدارين، ومعنى قوله: "فليقرأ الواقعة" أي يقرأها بتدبر وتفكر وحضور، ولا يكن مثل الحمار يحمل أسفاراً". سير أعلام النبلاء (4/68)
======================
وفاته رحمه الله
* عن شقيق قال: "كان مسروق على السلسلة سنتين، فكان يصلي ركعتين ركعتين، يبتغي بذلك السنة".
* عن الأعمش عن شقيق قال: (قلت لمسروق: ما حملك على هذا العمل؟"، قال: "لم يدعني ثلاثة زياد وشريح والشيطان حتى أوقعوني فيه". طبقات ابن سعد (6/83).
* عن أبي وائل أن مسروق حين حضره الموت قال: اللهم لا أموت على أمر لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر، والله ما تركت صفراء ولا بيضاء عند أحد من الناس، غير ما في سيفي هذا فكفنوني فيه". طبقات ابن سعد (6/83).
* قال سفيان بن عيينة: "مات مسروق سنة ثلاث وستين، وكان ثقة وله أحاديث صادقة". طبقات ابن سعد (6/84).
* وقال أبو نعيم: "مات سنة اثنتين وستين"، وقال يحيى بن بكير وابن سعد وابن نمير: "مات سنة ثلاث وستين". حلية الأولياء (2/68).
======================